أمة بلا رأس، كأن، لا عقل لها. تعتاش في السياسة مما يقتل الروح والمعنى، ويقوّض المستقبل، وتضع الشعوب العربية في منعطفات، إما تقود إلى اليأس، وإما إلى العبث، وإما إلى الاستسلام وإما إلى التبعية وإما إلى... الإرهاب والافتتان الداخلي. أمة، هزائم وانهيارات، أسلمت قيادتها لفكر سياسي، لا فكر فيه. إما هو منسوخ عن غرب يروج لسلع من «القضايا» و«الأفكار» و«المفاهيم» بلا مردود، وإما هو استعادة لتقليد بائت، لا حاجة لإعمال العقل فيه، لأنه مضاد للعقل والعقلانية.. وتسير الأمة على هدي عماها، خلف سراب الغرب، أو خلف وهم التقليد، حذو النعل بالنعل، أو على الأصح، حذو النقل بالنقل.. بلا عقل. الانكسارات العربية، هي ولادة هذا العجز. الهزائم التي أصابت النخب وأقعدتها، دخلت المكان لقيادات سياسية وارثة لذاتها وموروثة لنفسها، بثقافة تمليها سلطات أمنية، قمعية، مالية، محمية، بهدف شل الإرادة، والتعود على «خير الأمور أسوأها». قارئ الثقافة السياسية الراهنة، على امتداد النتاج العربي، يقع على ما «يدهش العالم»: ثقافة تروّج لقيم الفراغ الكبير، لكلام مصنوع على قياس حاجة الاستلاب المزدوج، لوهم العولمة وأضغاث الماضي. مساحة هذا الفكر السياسي الملتصق بالسلط العربية، مكتظة بلا شيء... كل ما هو جدي وصعب وتقدمي وقومي ويساري وإنساني وإنمائي وأخلاقي ومتحرر وديموقراطي، موجود فقط في الهامش العربي، وقد ضاقت أنفاس هذا الهامش، حتى بلغ مرتبة خنق المواهب، واختناق الإبداع والنقد. لا مكان ولا مكانة للمفكرين العرب في المتن السياسي. احتل مكانهم الخبراء والفقهاء. الأولون، يلوذون بالنقل عن مراجع «البنك الدولي» ومجلس الأمن الدولي، والشرعية الدولية، ومنظمات النهب العالمية، وأسواق العملات، والبورصات. فكرهم يشبه النقود. الآخرون يلوذون بالنقل عن الكتب السميكة، وسلسلة حدثني فلان عن فلان قال... وليس في الأقوال، ما يدفع إلى إيمان، بل إلى صنمية. الساحة العربية مكتظة بلا شيء: القومية، حاجتنا الأولى إلى الوجود، ملعونة ومطرودة ومنبوذة ومسخور منها.. الحكم الصالح، حاجتنا الأولى إلى السياسة، لوثة يعاقب عليها الاستبداد.. الثورة على حاجتنا الأولى إلى التغيير، متهمة بالمروق والإرهاب.. النقد، حاجتنا الأولى إلى تجديد المعرفة وتحصين الوعي، لا مكان لها في غث القيل والقال العربيين، المالئ دنيا الإعلام والكتابة.. التربية، حاجتنا الأولى لتأهيل العقل بآليات الكشف والبحث والتفكير والانفتاح والانتظام، تم تحويلها إلى مصنع تفبرك عقولا غرائزية، عصبوية، عنصرية، طائفية، مذهبية، اقوامية، تقول ما قيل، إلى درجة تغار منها الببغاء. بلاد الفراغ هذه... ليست سوى مقدمة المشهد المعروض أمام الأمة بأسرها. خلف هذه الغلالة السخيفة من الفكر والإعلام، إعلام، تجرأوا دائما على الممنوع، وشهدوا للعقل والإبداع، بموقف يبدأ بصرخة: لا. لا مدوية. لا للتقليد والتزوير والنسخ والكسل والاتكال والتبعية. لا، للنمطية والاتباعية والنفعية المؤقتة. لا، للسلطة وأدواتها وقيودها وإغراءاتها وأموالها وأغلالها. من بين هؤلاء، الصادق النيهوم، أحد القلائل (الكثر جداً) الذي أثار في عقدين، ما لا يحصى من القضايا والمراجعة والنقد... والابتكار. هذا الملعون الصادق، هو واحد من سلالة. يلزم ألا يندثر ضوء حبرها. واحد من رواد الوعي المتعدد، المتحرر، المستزيد، المغامر، المتخطي، والذي لصوته رجع التحدي والبسالة والعمق. هو واحد من كوكبة، من أمثال عبد الله العلايلي، صادق جلال العظم، أدونيس، ناصيف نصار، جورج قرم، هشام جعيط، عبد الله العروي، سمير أمين، محمد أركون، ادوارد سعيد، طيب تيزيني، حسين مروة، هشام شرابي، كمال الصليبي وأعداد لا تحصى من رواد النهضة، حتى رواد اليقظة الجديدة، في زمننا الراهن. هنا، إضاءة خافتة، لكن ضرورية، على الصادق النيهوم، والبقية يجب أن تأتي، لتحتل مكانها ومكانتها، في انبعاث «الفوضى الخلاقة» بأيدٍ عربية... نحن بحاجة إلى «لغم الحضارة»، للخروج من حال الاستنقاع والاستتباع والموات.. بل نحن بحاجة إلى معركة.