تضع أعمال وكتابات الرائدة الأولى لتحرير المرأة الكاتبة والأديبة زينب فواز (بانتظار إعادة نشر مؤلفاتها وأهمها »الدر المنثور في طبقات ربات الخدور« و»الرسائل الزينبية«) التأريخ لقضية تحرير المرأة في نصاب جديد، فالرسائل الزينبية، الداعية الى مساواة المرأة بالرجل في العلم والعمل والسياسة، سابقة لدعوة قاسم أمين، وعائشة تيمور، كما ترى الأديبة اللبنانية إميلي نصر الله والباحثة اللبنانية فوزية فواز وثلة من المؤرخين المصريين. ويجمع هؤلاء على أن صوتها كان الأول في الدعوة الى النهضة والتحرير، قبل مي زيادة وهدى شعراوي من الوجهة الزمنية، في المواضيع والقضايا التي طرقتها وتطرقت إليها لا في وطنها لبنان وحسب، بل في الوطن العربي والشرق عموما، فلم تترك زينب فرصة أو سانحة دون أن تسجل موقفا، بيراع بارع، كحد السيف وطل الندى، رغم رضوخها، ويا للمفارقة الدرامية، هي نفسها، للبقاء في الخدور والحجاب في عصر كانت فيه هوية المرأة، وقضية المرأة، مغيبة في إطار الحريم والمحرّم (التابو). وتتميز زينب فواز عن سواها من رائدات النهضة النسائية، بعصاميتها، فهي خاضت غمار قضية تحرير المرأة، لنفسها وبنفسها، وحدها، بدون رعاية، فتعالت باختيارها الأدبي والفكري، على الفقر، وتسامت على الدهر، في عصر تميز بالجهل والأمية والاقطاع السياسي. يتساءل البحاثة محمد يوسف مقلد في مقال كتبه في مجلة »العرفان« عن المصدر الذي ألهم تلك الرائدة من رائدات الأقلام النسائية، في القرن التاسع عشر، ودفعها الى بلوغ مرتبة رفيعة بين أدباء عصرها، بحيث باتت تلقب »بحجة النساء« و»درة الشرق«. فكيف ظهرت هذه الفتاة العاملية ونبغت، حاملة لواء العلم والمعرفة، في عهد كالعهد العثماني، وفي بيئة إقطاعية تفشى فيها الفقر والجهل والقهر، في مجتمع يقتصر فيه العلم على طبقة الموسرين والأغنياء من أبناء العائلات ذوات النفوذ؟ ويبدو ان الجواب يكمن في السؤال، فالثابت ان الخلفية الثقافية والفكرية كانت موجودة أصلا في هذه البيئة المقتصرة على بلاطات وقصور الإقطاع. ورغم ان الكاتبة أرّخت لأربعمئة وست وخمسين امرأة من سيدات الشرق والغرب في كتابها الموسوعي »الدر المنثور« فإنها لم تترك ترجمة شخصية لها. وكل ما يعرف عن أصلها انها ولدت بين سنة 1845 و1860 في بلدة تبنين في جنوب لبنان، وتختلف المراجع حول تاريخ ولادتها الصحيح. هي بنت علي بن حسين بن إبراهيم بن محمد بن يوسف فواز العاملي. وكانت أسرتها على ما يبدو مقربة من الأسرة الأسعدية، فاتصلت زينب بالسيدة فاطمة الخليل زوجة علي بك الأسعد، وقضت شطرا من صباها في القلعة الى جانبها، ويبدو ان القلعة كانت مسكنا لهذه العائلة الغنية، وكانت فاطمة على شيء من التحصيل العلمي في ذلك الحين، فحفظت القرآن ودرست العلوم والتفاسير والفقه، وكانت لها اهتماماتها بالعلم والأدب شعرا ونثرا. وقد أفردت لها زينب ترجمة (سيرة) شخصية في »الدر المنثور«. وقد تبنت الست فاطمة الصبية زينب بالرعاية والاهتمام، بما ظهر على سيمائها من علامات الفطنة والذكاء، وعلمتها القراءة والكتابة، وشجعتها على طلب العلم، فحفظت القرآن وفهمته، ووعت جوهر الذات الإنسانية، وانكبت على ينابيع الثقافة والمعرفة. وتفصح مقالات زينب فواز المنشورة عن ثقافة عميقة، تبين سعة إطلاع على مسائل الأدب واللغة والفلسفة والكلام. وتذكر الكاتبة في مجلة »المهندس« (عدد 7 تاريخ 19 محرم سنة 1310ه) انها اطلعت على مسائل متضمنة حكما من كلام بعض فلاسفة الإسلام وعلماء الكلام والأدباء كيحيى بن عدي، وأبو محمد الأندلسي (ابن حزم) وأبو حيان التوحيدي. وهي تأتي على ذكر علوم النحو والمنطق والأدب والطب والحساب والجغرافيا، ويجلو في اختيارها نزعة إنسانية أصيلة، في اختيارها لهؤلاء الأدباء الإنسانيين الكبار في التراث الفكري. وقد رجحت الأديبة فوزية فواز، وهي إحدى الباحثات المختصات بتراث زينب فواز، وابنة بلدتها تبنين، ان تكون أديبتنا قد ألمت بعض الإلمام باللغة الفرنسية، استنادا الى ما جاء في إحدى رسائلها من كتاب »الرسائل الزينبية« من عقد مقارنة بين اللغة العربية واللغة الفرنسية، في دعوتها الى اعتماد علامات التعجب والاستفهام والقوسين أسوة باللغة الفرنسية. اشتغلت المرأة بالسياسة بعد فشل زواج زينب الأول (من رجل كان رئيسا لساسة الخيل عند آل الأسعد) لاختلاف طباعهما، وتفاوت مستوياتهما الثقافية والفكرية، شاءت زينب ولعل زواجها الأول كان درسها الأول في قضية التحرر ان تكون هادية ومرشدة لبنات جنسها في الوعي بقضية تحرر المرأة من جمود المجتمع ورجعيته. وقررت ان تحقق ذاتها بذاتها في بيئة أكثر انفتاحا وتحررا، فذهبت الى مصر، عاصمة النهضة العربية الثانية، بعد الشام، التي كانت خاضعة للنفوذ الاستبدادي العثماني المباشر حينها. وقد احتوى كتابها الموسوعي »الدر المنثور« على تراجم النساء وطبقاتهن (على غرار طبقات الشعراء، وطبقات الحكماء) وجمعت فيه، كما تقول، من تراجم شهيرات العرب ومتقدمات الافرنج، وملكات الشرق والغرب، من كل أديبة فاضلة، وملكة عاقلة، وخطيبة وناثرة. وقد أهدت كتابها هذا الى السيدة برتا هونوري بالمر، رئيسة القسم النسائي في معرض شيكاغو سنة 1893. وكانت زينب من المحبذات للمشاركة في الجمعيات والمعارض والمؤتمرات العالمية، إيمانا منها بوجوب التعارف والتبادل في المجال الثقافي، والمعرفي، كمؤتمر الاتحاد النسائي العالمي في سانتياغو (1893) وهو مؤتمر اهتم بحقوق المرأة... وكانت السيدة هنا كوراني، ممثلة نساء سوريا في ذلك المؤتمر الذي دعا في قراراته النهائية الى تحديد تعليم المرأة، ومجال نشاطها في البيت والأسرة. وقد انبرت يومها زينب تناهض هذا القرار، وتنتقد بعنف اللواتي أشرفن على المؤتمر، مشددة على وجوب إطلاق ميدان العلم (إميلي فارس ابراهيم، أديبات لبنانيات، ص 34). وتحت عنوان »المرأة والسياسة« في »الرسائل الزينبية« ترد أيضا على السيدة هنا كوراني التي كتبت في جريدة »لبنان« تدعو الى حصر المرأة همها في منزلها، وإقلاعها عن مزاولة الأعمال الخارجية المختصة بالرجال كالسياسة مثلا. وكان ذلك على اثر ظهور حركة نسائية في لندن، أيام غلادستون، تطالب بأن تشتغل المرأة بالسياسة. فهبت زينب تؤيد هذه الفكرة، وتحمل على كل من يقف ضدها. ومما ورد في مقالها: »ما دام الرجل والمرأة متساويين في المنزلة العقلية وعضوين في الهيئة الاجتماعية، ولا غنية لأحدهما عن الآخر، فما المانع إذا اشتركت المرأة في أعمال الرجل، وتعاطت العمل في الدوائر السياسية وغيرها، متى كانت كفؤاً في تأدية ما تطمح إليه. إن المرأة في التاريخ اشتغلت في السياسة، وشاركت في الحروب، فملكة تدمر، وكليوباترا، واليزابات وغيرهن كثيرات، كن نساءً قادرات على كل تلك الأعمال، فالجنسان متساويان، وإنما الإهمال هو الذي جعل المرأة متأخرة متخلفة عن الرجل (الرسائل الزينبية، ص 24). وفي مصر، اكتملت شخصية زينب فواز الأدبية والفكرية، وحققت تطلعاتها الفكرية التي تجلت في معالجتها لشتى الموضوعات السياسية والاجتماعية، وراحت تكتب مقالاتها الاصلاحية والتوجيهية في صحف ذلك العهد، مطالبة بحقوق المرأة، وقد اتخذت من الصحافة ومجلاتها وجرائدها منبرا لقضية تحرير المرأة. تقول في إحدى رسائلها تحت عنوان »مجمل حياة النساء«، مخاطبة الرجل: »إليك أيها الجنس القوي يساق الحديث. ولا ندري أنناضلك وأنت مستودع الأمل، أم نقاسمك أشطر الحياة وأنت الشريك والرفيق، أم ننحني عليك، وأنت القوي الظالم؟ لقد استأثرتم دوننا بجميع القوى، وتساعدتم علينا بكل الممكنات، ولكن، رفقا بنفسك لا تحمّلها ما لا تقوى عليه، ولا تسمح لك به قوانين الفطرة التي لا ترق لحالك، ولا ترهب من أفعالك، وأعلم أنك مشترك بالذات، وإن اختلفت فيك الصفات، واعلم ان الروح جوهر مجرد لا ذكر ولا أنثى، ولكنه يتأثر بحالة التقويم البدني فتختلف قابلية الرجال والنساء، وكل منهما نصف العالم، وأهميته موقعة على هذه النسبة العادلة. وتقصد زينب بعبارة »مشترك« ما يسمى بالفرنسية الإنسان المتعدد الجنس Bisexuel الذي ينطوي على صفات الذكورة والأنوثة.. وفي رسالة أخرى توضح الأسس التربوية التي يقوم عليها بناء المجتمع الفاضل، فإذا هي بالدرجة الأولى تعليم البنات وتربيتهن تربية صحيحة، وإعدادهن لأداء رسالتهن الاجتماعية على خير وجه. فالمجتمع الصالح بنسائه الصالحات. وترى ان بث روح المعارف في النساء نفعه يعود على الرجال، وخصوصا في تربية الأولاد، وتدبير المنزل، ومعاشرة الزوج وغير ذلك. وهي ترى ان المرأة والرجل جنسان مشتركان في الحياة، لا يمكن لأحدهما الاستقلال دون الآخر، دون مزاحمة، وهما شريكان في السراء والضراء (الرسائل الزينبية، ص 191). السبق وكانت كتابتها، فضلاً عن ذلك، تتميز ببعد نقدي، فتفرق بين الغث والسمين، وتمحص مواقفها على ضوء العقل والحكمة، داعية الى أخذ أسس المدنية الحقيقية ومقوّماتها عن الغرب، دون الانغماس في زخرف المدنية الكاذب، في اللهو المفرط، والتقليد الأعمى، في الوقت الذي يخضع فيه الشرق للانتداب الاستعماري. وهي تهيب في إشعارها بهذا الشرق أن ينفض عنه غبار التواكل والجهل والغباء، وأن يحتكم للعقل والرأي والعلم فتقول: فلئن نبا السيف الصقيل ففي النهى والعلم، سيفا حكمة ودهاء ولئن كبا الطرف الجواد فلم يزل للعقل ميدان لنيل علاء ولئن أبى ذو الحقد نيل رجائنا فالرأي يضمن نيل كل رجاء هيهات ما العميان كالبصراء كلا، ولا الجهلاء كالعلماء وقد رأينا زينب تنادي بتحرير المرأة، وسن قوانين تنظم حياتها وتضمن لها حقها بالعلم والعمل. أما قاسم أمين فقد كان متأخرا عنها، إذ ان رسائلها الزينبية في موضوعات المرأة كانت تنشر في الصحف المصرية قبل سنة 1892، بينما لم ينشر قاسم أمين كتاب »تحرير المرأة« إلا سنة 1898، ولعله تأثر بكتاباتها ومقالاتها العديدة، والغزيرة، في جرائد »المؤيد«، و»الأهالي«، و»المهندس«، و»الهلال«، و»المقتطف«، و»أنيس الجليس«، و»اللواء«، و»رائد النيل«، و»لسان الحال« الخ.. كما ذكرتها مي زيادة في كتاباتها، الأمر الذي يؤكد تأثرها بها وبكتابات رفيقتها عائشة تيمور. وتتشابه حياة مي زيادة وزينب فواز في مرارة الاحباط في العلاقة مع الرجال، مع فارق أن الأولى ظلت عزباء في انطوائها على ذاتها، وإحباطها في إيجاد »الرجل الكامل« الذي يغلّب الإيثار على الإثرة في علاقته بالمرأة، في حين ان الثانية تزوجت، وتطلقت (أو طلقت رجالها) مرارا، من زوجها سائس الخيل الذي عجز عن سياسة شريكته وفشلت هي في حالة اللاتكافؤ، وذهبت جهودها سدى، في حسن سياستها له، وحتى زوجها الثاني الأديب، صاحب مجلة »الشام« المدعو أديب نظمي الذي أراد ضمها الى مجموعته النسائية باعتبارها رابعة حريمه، دون أن تدري مسبقا على ما يظهر بزيجاته المتعددة، وكان من الطبيعي ألا يعمر هذا الزواج مع امرأة كانت ترى في تعدد الزوجات »وبالاً على الطرفين، لأنه يقضي على المرأة بالغيرة، وعلى الرجل بنكد الدهر، ويورث الأولاد العداوة بعضهم لبعض أشد من عداوة الأمهات« فما كان أمامها إلا الطلاق والعودة الى مصر، حيث عادت الى حريتها، والى مزاولة نشاطها الأدبي. وقد بقيت في مصر حتى جاءها الأجل. لكن نجاحها في مصر لم يستطع أن ينسيها وطنها الأول، ويبدو ان أديبتنا كانت تنوي العودة الى تبنين، ولكن المرض ألمّ بها، وحال دون ذلك. وقد صبّت هذا الحنين الى الوطن الأول في قصيدة الى صاحب مجلة »العرفان«. تقول مخاطبة قلعة تبنين فيها: أبكيك يا صرح كالورقاء نادبة شوقاً إليهم، إلى أن ينتهي الأجل قد كنت مسقط رأسي في ربى وطني ان الدموع على الأوطان تنهمل في 27 كانون الثاني سنة 1914 صدرت مجلة »العرفان« وفيها الخبر التالي: نعت إلينا أنباء مصر، المرحومة زينب فواز، الكاتبة، الشاعرة، المؤلفة، وأول امرأة اشتهر اسمها في عالم الأدب والكتابة في الصحف. وقد نالت شهرة بعيدة في حياتها، ونالت حظوة كبيرة عند كبراء مصر وسوريا. وهي عاملية وُلدت في قرية تبنين من أعمال صور. واطلعنا على كتابها »الدر المنثور« لنرى إذا كانت قد ترجمت لنفسها فيه، فلم نحظ ببغيتنا.. وقد تركت أديبتنا بعد وفاتها تراثاً من الكتابات، من بينها، عدا »الدر المنثور« و»الرسائل الزينبية«، كتاب »حسن العواقب« وهي رواية أدبية ذات مغزى خلقي أرادت فيها الكاتبة تمثل عادات جبل عامل وتقاليده، وقصدت كما تقول تعويد الإنسان على الكفاح ومواجهة الأذى للوصول الى النتيجة المرجوة، وهي التمتع بالخير والحب والجمال (حسن العواقب، المقدمة، المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، ص 24). وقد لاحظ الناقد د. علي زيتون أن هذا النص يجمع ما بين الرواية والحكاية، على طريقة الحكواتي، حيث يتدخل الراوي في مصائر أبطاله من خارج الرواية، وكانت تنقل فيها حرفية الواقع، في رؤية فردية لا تختلف عن الحكاية الشعبية إلا بكون الثانية، في المقابل، نتاج رؤية جمعية (جماعية) في وقت كانت الرواية العربية في بدايتها الأولى. وللكاتبة آثار مخطوطة منها »مدارك الكمال في تراجم الرجال«، و»الدر النضيد في مآثر الملك الحميد«، وديوان من الشعر لم يعثر عليه ولكنها أودعت كتبها بعض قصائده، من أمثال ذلك، تلك الوقفة التي رأيناها لها (تخييلياً) أمام قلعة تبنين تبثها شوقها وحنينها على البُعد آملة العودة الى صرحها، وربوع الوطن الأول، ولكن: رضاك... أما أثرت العتب يا وطني فطالما فيك قد ضاع النبوغ سدى.. جميل قاسم