لا يتردد سائق التاكسي في محلة الكولا في رفض الذهاب الى حي السلم، حتى لو كان في سيارته اكثر من راكب الى المريجة التي يعبر من خلالها الى حي السلم. البربير اسهل، فهناك يوجد موقف للسيارات العمومية تنتظر لتجمع ركابها من هناك، كما تفعل السيارات العاملة على خط طرابلس او صيدا، وفي المقابل هناك موقفان للغاية نفسها في حي السلم، وعلى الرغم من توجس السائقين الذهاب الى حي السلم لم يتردد غير سائق من شتم »الفانات« التي كثرت في الآونة الاخيرة، كونها بالتقسيط وعلى المازوت. مما يمكن اصحابها المتهافتين على اقتنائها واعتمادها بدلا من السيارة للعمل ما بين حي السلم وبيروت. قد لا يدرك قاصد حي السلم الاسباب التي تنفر سائقي سيارات »التاكسي« الا متى وصل الى حي السلم. عجقة قل نظيرها، دواليب السيارات تكاد لا تكمل دورتها، الا وتعود تتوقف، المارة في الاتجاهات كافة، الطريق واسعة الا ان السير معرقل، فلا وجود لشرطي سير، والمحلة التي هي مدخل الحي من جهة العاصمة مثل ملعب للكرة تتفرع منه طرق ضيقة شرايين تفضي الى هذا الحي داخل حي السلم او ذاك، والحركة لا تهدأ، فتغدو الساحة قُمعا تختنق فيه السيارات والمياه، وهو كذلك وليس مجازا. فالسيارات تذهب في الاتجاهات كافة، او تريد هذا، والمياه لا سيما في فصل الشتاء، لا تجد ممرات لها لا تحت الارض ولا على سطحها، والابنية المرتجلة تعيق تقدمها. البنية التحتية، بل ما بناه الاهالي في الستينيات، متواضعة وضئيلة جدا عبارة عن قساطل محدودة تأخذ المياه المبتذلة الى مصفاة المطار عند نهر الغدير الذي تحول مجرورا مكشوفا تغذيه قرى ومصانع ودباغات، ترافقه من الجبل الى البحر. والبنايات التي ارتفعت مذاك اوصلت شبكاتها الى تلك البنية التحتية التي تتسرب منها الاوساخ والمياه، وبالكاد تستوعب ما يصل اليها من البيوت، فكيف بالامطار. وهي اصلا ليست مهيأة لهذا. حي بني على عجل وقد استمر ذلك نحو اربعين عاما، فقاصدو تلك المنطقة، التي كانت بساتين غناء، هم من فقراء القرى الساعين الى الحياة في حدها الادنى، وقدراتهم بالكاد تطعم الافواه وتوفر السكن، وكل ما عدا ذلك مؤجل او لا مجال للتفكير فيه، كما بالنسبة الى الرجل رب الاسرة كذلك الى المرأة تمسح وتكنس وتغسل وما يعنيها هو ان تخرج المياه والقذارات من حدود بيتها نحو الطبيعة والشمس. التضخم ومن مساوئ الصدف ان الوافدين هؤلاء من الطائفة الشيعية، قصدوا المنطقة لاقترابها من بيروت وليأنسوا بالضاحية الجنوبية ذات اللون نفسه، وحتى الساعة، ومن ما يقارب المئة والخمسين الف نسمة لم ينقل »نفوسه« الى سجلات بلدية الشويفات، حيث حي السلم جزء منها، سوى قلة قليلة من اوائل السكان، وخصوصا الآتين من بعلبك ومنطقتها، مما ابقى على هامشية هذه الفئة من الناحية السياسية والانتخابية حتى ضمن مقاييس بلدية الشويفات وحسابات سكانها ومرشحيها. ولعل التضخم السكاني زاد من هامشيتها، او دفع بالآخرين الى التحصن، وشيئا فشيئا تحول حي السلم الى مكان للاقامة، وعلى المستويات كافة، فهو امتداد سكاني للضاحية الجنوبية لكنه تابع لبلدية لا يمكن للضاحية الجنوبية الضغط عليه. وحتى في الانتخابات النيابية سكان حي السلم ليسوا في الحسبان. ولهذا ربما بالاضافة الى اسباب تتعلق ببني الاحزاب، لم تتمكن الهيئات الاهلية من الاستمرار بعد اول انتخابات نيابية منذ انتهاء الحرب، علما ان عددا لا بأس به من السكان قصدوا حي السلم بعد الحرب، من وادي ابو جميل وغيرها، فهؤلاء ينتخبون في قراهم الجنوبية او البقاعية، ولعلهم يطالبون بالخدمات لكن في قراهم ولها. الى هذا هم من فئات ساعية الى ترتيب احوالها ولا يتسنى لها الاكتراث بما هو خارج دائرة المصلحة المباشرة، فلا تراها مندفعة الى عمل جماعي من اجل مطالبها، وتحيل كل ذلك الى الزعماء والاحزاب، وبذلك ترهن نفسها للانتخابات، بعيدا من اقامتها، وحتى الساعة لم تعمل مشاريع انمائية في البنية التحتية، بينما قدمت مؤسسات دولية كاتحاد غوث الاولاد و»اليونيسيف« مجموعة من الخدمات على اعتبار انها منطقة لاجئين. الازعاج لدى سكان حي السلم احساس بالحرمان، ولا يتوانون عن القول ان بلدية الشويفات تستفيد منهم، في معاملاتهم الادارية وإقامتهم، خصوصا وان تلك البلدية تتقاضى من مطار بيروت الدولي »بدل ازعاج«، كما قال الحاج فيصل احد السكان القدامى، »بينما لا تنزعج البلدة من الطائرات واصواتها كونها اضحت بعيدة«. وفي حسابات قائل تلك العبارة التي وجدنا لها مناصرين مؤيدين ان الاموال يجب ان تذهب، كلها او بعضها الى سكان حي السلم الممتد فوق صحراء الشويفات، الا ان شيئا من هذا لا يحصل والبلدية شبه غائبة عن الحي، اذ تسود هناك شريعة الاهل في ما يخص الخدمات، فالمياه التي ترسلها البلدية عبر الشبكة لا تشكل نسبة من الحاجات، فازدهرت موجة الابار الارتوازية التي يشكك بصحة مياهها فلا تستعمل الا للخدمة المنزلية دون الشراب والطعام. وكذلك الامر بالنسبة الى الهاتف اذ لا وجود لشبكة خطوط فيلجأ الاهالي الى الخلوي الذي اختارت احدى شركتيه بناء محطة ارسال في حي السلم لتلبية حاجة المنطقة. حي السلم مجموعة قرى امتزجت وشكلت قرية كبيرة يعرف سكانها بعضهم بعضا، وما زالوا يحتفظون بعاداتهم الحياتية والاجتماعية التي لم تتغير، فنمط العيش ريفي والابنية والطرق كذلك، مع اكتظاظ اكثر، ومظاهر المدنية في المشهد الداخلي للحي شبه معدومة، والطرق دروب يتساوى فيها المارة سيرا على الاقدام والسيارات، ولا وجود لارصفة، انما المساحات التي تفصل، بين المحلات والشارع هي امتداد للمحلات، شرفات لها، او مساحة احتياط ضمت لضيق المحل، وهناك محلات كثيرة مداخلها تلاصق الشارع تماما، وقد رفعت ارضها على مستوى الشارع مخافة من المياه والاوساخ، ومنها متاجر لبيع الذهب، وهي كثيرة على نحو مفاجئ في حي السلم اذ الذهب كما اوضح احد التجار للزينة والتباهي وكذلك رصيد يراكم في اليد. بيت قروي واحد الى جانب تلك المحال، او بينها، تنتشر متاجر صغيرة للادوات المنزلية وكل ما يمكن ان يستعمل او يأكل في الضيعة، فلا ينقطع السكان عن عاداتهم واشيائها، لكنهم هنا قد اضحوا يشترونها بدلا من ان يعملوها بأيديهم، قال بائع الكبيس والمخللات: الزبائن كلهم من الحي، ولا يمر احد من هنا قاصدا بيروت او الجنوب فليس حي السلم ممرا مناسبا لهذا او ذاك، وهناك العديد من الاسواق الشعبية التي يمكن الوصول اليها من دون خوف او عناء«. فحتى حي الجامعة القريب من المدينة الجامعية وكلية العلوم وقد خطط علي شيء من التوجيه ليكون حيا منظما، بعدما تم التعويض بتدخل من السيد موسى الصدر بعض العائلات التي نزلت الارض المحاذية للجامعة وقد ضمت الى حرمها فيما بعد، صار اشبه بعموم حي السلم، لا سيما وان مدخله ومخرجه عبر الحي نفسه، هكذا تداخلت الاحياء الفرعية في بعضها على الرغم من وجود بعض الاختلاف بين اجيال الابنية وجل ما فعلته الابنية الجديدة هو ان ضيقت الخناق على القديمة، ونافستها لتكون اعلى منها، واحيانا ملونة بالدهانات الرائجة في الاحياء الشعبية، فتبدو متبرجة او متنكرة، فيما الابنية القديمة اكثر صراحة ولا تظهر رغبة في اخفاء انتمائها الطبقي. وأحد الجوامع حين جدد افسد منظره، وكأن العملية الجراحية المكلفة التي اجريت على بنائه القديم شوهته، ويظهر للعيان ان محاولات »تجميلية« فاشلة قد اضرت به وبدلا من زيادة بعض العتق على تاريخه اضيفت الى عمره 5 سنوات كهولة، فيما حافظت الحسينية التي بناها السيد محمد جواد فضل الله شقيق السيد محمد حسين فضل الله الذي ادارها بعد وفاة بانيها وبعدما غادر النبعة مطلع الحرب، على شكلها الاول على الرغم مما ألحق بها من تشوهات جراء الحرب. قد يغفل هذا الكلام البيوت من الداخل، او جوانب الحياة هناك، فالجمالية في حي السلم لا ينتظر زائره ان يعثر عليها في الابنية لكنه يشعر ان ثمة ميلا الى تجميل الاشياء ضمن القدرات المتوافرة، يلمس هذا في كثير من الاشياء، وكأن الناس هناك يرتبون حياتهم وينظمون اولوياتهم، وعدد لا بأس به يتدرج في مساره فانتقل من بيت صغير في الحي نفسه او قصده مؤخرا، وثمة عائلات اشترت بيوتا في الابنية الجديدة، ومن كان منها مالكا لبيته القديم، في الحي، باعه او اجره، والمستأجرون كثيرون، طلاب وعمال من سوريا والعراق والسودان وفقراء شرق اسيا، يستأجرون غرفة او اكثر ضمن البيت الواحد. حسان الزين