As Safir Logo
المصدر:

مع توقع زيادة استثنائية في عدد السياح في سنة شحائح وقلة ثلوج متى دراسة حجم استخدامات المياه في السياحة وضبطها وترشيدها ووقف سرقتها؟

احد المسابح الخاصة في لبنان (م. ع. م)
المؤلف: معلوف حبيب التاريخ: 2010-06-29 رقم العدد:11628

تزامن الإعلان عن توقعات استثنائية لعدد السياح هذا الصيف، مع توقعات بحصول أزمة حادة بالمياه ايضا، نظرا لقلة الثلوج هذا العام. مما يعني ان الطلب على المياه سيزداد الى الذروة هذا الصيف، مع نقص في الإمكانات، مما سيخلق أزمة كبيرة، اكبر من أزمة الكهرباء المتوقعة. حكي القليل عن تأثيرات السياحة السلبية على البيئة، ان لناحية الزيادة في استخدام وسائل النقل والتسبب بالزحمة وتلوث الهواء، ولا سيما في المدن، أو لناحية الزيادة في استهلاك المياه والزيادة في إنتاج المياه المبتذلة الى تذهب في معظمها الى المحيط الطبيعي دون معالجة لتتسبب بتلويثه. إلا ان الموضوع الاقل تداولا هو موضوع استهلاك المياه، ولا سيما في المنتجعات المسماة سياحية. تاريخيا، كان موضوع حجم استهلاك المياه في القطاع السياحي من التابوات والمحرمات، أسوة بالإحصاء السكاني المسكوت عنه لأسباب طائفية في لبنان. فبالرغم من وجود مئات الدراسات عن استهلاك المياه في الزراعة والصناعة والمنازل... إلا اننا لم نجد دراسة واحدة عن استهلاك المياه في القطاع السياحي. حاول «حزب البيئة اللبناني» الذي يعد لمؤتمر عن استراتيجية المياه نهاية هذا الأسبوع، بالتعاون مع مؤسسة «فريديريش ايبرت» ان يقوم بمسح عن الموضوع. وقد أرسل استمارات الى المنتجعات السياحية (أعدتها بسمة شباني) لتبيان حجم استهلاكها للمياه في سنة محددة (2009 نموذجاً) إلا انه لم يحصل إلا على خمسة أجوبة فقط، لم تكن كافية بالطبع للخروج باستنتاجات حتى ولو تقريبية عن الموضوع. وقد تبين أيضا، من خلال مراجعة المسؤولين في النقابات للقطاعات المعنية ووزارة السياحة (بحسب الدكتورة زبيدة يحفوفي) ان ليس هناك إحصاءات دقيقة حول عدد المؤسسات السياحية في لبنان، ولا سيما الفنادق والمطاعم والمقاهي والملاهي والمؤسسات السياحية البحرية والشقق المفروشة. أما الأرقام التقديرية التي حصل عليها الحزب فهي 212 فندقا و779 مطعما. مع الإشارة ان هناك عددا كبيرا من المؤسسات غير المرخصة التي لا يعرف حجمها وعددها بالطبع. أما لناحية عدد المؤسسات السياحية البحرية فلا أرقام دقيقة أيضا حولها (مع التمييز بين المجمعات والمسابح)، كون نصفها تقريبا تصنف في خانة المعتدية على الأملاك العمومية البحرية وهي بالتالي غير مرخصة. وكانت بعض الدراسات تشير إلى ان مساحات الأملاك الخاصة الإجمالية للمجمعات البحرية تبلغ 340 ألف متر مربع ومساحة الأملاك البحرية العمومية (المعتدى عليها) تبلغ 230 الف متر مربع. إلا ان دراسة «الأملاك البحرية» لـ«الدولية للمعلومات» أشارت الى أن مساحة الأملاك العمومية المشغولة قانونياً تبلغ 876 ألف متر مربع، في حين أن عدد المخالفات في الأملاك العمومية يبلغ 1269 مخالفة حتى عام 2001. كذلك تشغل البلديات ومرافئ الصيادين والمؤسسات العامة مساحات ضخمة من الشاطئ من دون تراخيص، ليصل مجموع المساحات المشغولة من دون تراخيص إلى 2,803 آلاف متر مربع من الشاطئ! فكيف يمكن معرفة حجم استهلاك هذه المنشآت والمساحات الضخمة على الشاطئ من المياه اذا كان نصفها غير مرخص وتقوم بالتالي بسرقة المياه من باطن الأرض او من المصالح! بغض النظر (مؤقتا) عن مسألة تسوية هذه المخالفات والاعتداءات (وليس الإشغالات) على الأملاك العامة، ما يهمنا الآن، هو معرفة حجم استهلاك المياه في القطاع السياحي في لبنان. ونظرا لتعذر الوصول الى ارقام دقيقة، أمكن القيام بدراسات مقارنة مع بلدان مشابهة مثل تونس وبلدان اوروبية مقتصدة مثل المانيا، فما الذي يمكن استنتاجه في لبنان؟ فإذا كان معدل استهلاك السائح الفرد في تونس 466 ليترا في اليوم يقابله 600 ليتر في بلد مثل المانيا، يمكن ان نستنتج ان المعدل الوسطي لاستهلاك مليون سائح في لبنان هو ما يقارب 500 مليون ليتر في اليوم (في فصل الذروة) وهو رقم كبير اصبح ينافس الاستخدامات في الزراعة في لبنان! واذا كان معدل سعر الليلة في فنادق لبنان 250 دولارا اميركيا، فلماذا لا تستوفي الدولة رسوما إضافية مهمة من استخدامات المياه السياحية بعد ان تقوم الدوائر والإدارات المعنية بمسح حجم هذه الاستخدامات والبحث في كيفية ترشيدها؟ السياحة في التعريف، تعني الخروج من المنزل والانتقال للعيش في مواقع مخصصة للراحة والاستجمام. أما الاستجمام فهو يتطلب الكثير من المياه، إن في المنتجعات السياحية أو في أماكن الترفيه والمخيمات الصيفية، أو في إقامة السياح في الفنادق والمساكن الثانية التي يملكها السائح في غير وطنه الأصلي. ويبدو ان النقص في المعلومات عن السياحة في لبنان ومتطلباتها، هو نقص عالمي أيضا. ويمكن القول ان هناك نقصا تاريخيا وكبيرا بالمعلومات عن استهلاك المياه في السياحة غير موثق جيدا بالإحصائيات، مما يصعب علينا تقييم الأثر البيئي للسياحة على موارد المياه، لذا فإن جمع البيانات والإحصائيات الدقيقة أصبحت ضرورية. الا أننا حصلنا على دراسة نموذجية غطت 4 بلدان هي إسرائيل والأردن والمغرب وتونس، التي أُعدّت العام 2006 بناءً على طلب من المديرية العامة للبيئة في اللجنة الأوروبية (المجموعة الأوروبية). تركزت أهداف الدراسة لتحديد العلاقة بين السياحة ومشاكل إدارة المياه في بلدان المتوسط على ما يلي: - المجالات وأنواع النشاطات التي يدخل فيها استهلاك المياه والتحديات التي تواجهها هذه العلاقة. - جمع البيانات حول استخدامات المياه في السياحة في اسرائيل والأردن والمغرب وتونس، بالإضافة إلى سوريا وذلك في قطاعات متخصصة (الفنادق وملاعب الغولف وغيرها) مع إعطاء بيانات مفصلة عن المصادر الأخرى للمياه مثل المياه الجوفية والمياه المعالجة ومن التحلية. - تزويد هذه البلدان بمقترحات لتحسين جمع وإنتاج واستخدام الإحصاءات حول المياه والسياحة. واذ بينت الدراسة تزايد نسبة السياحة في المتوسط على الصعيد العالمي من 4% الى 6% في عام 2006، بينت أيضا ان ذروة استخدام المياه في السياحة هي في الفصل الذي يكون فيه الماء شحيحاً، أي في فصل الصيف. ولا سيما في السياحة والمرافق التي تستخدم الكثير من المياه (أحواض السباحة، ملاعب الغولف والرياضة المائية). والمعلوم ان ازدياد الطلب على المياه يتطلب اللجوء الى مصادر غير تقليدية مثل تحلية المياه، ومعالجة المياه وإعادة استخدامها واللجوء الى المياه الجوفية من آبار ارتوازية... وغالباً ما تكون غير معلنة وغير مغطاة بالإحصاءات الرسمية سواءً لري المساحات الخضراء والحدائق وملاعب الغولف أو لعمليات تنظيف المناطق المحيطة بالمرافق السياحية. الماء كمورد للسياحة يمثل الماء عنصر جذب للسياح. فاستهلاك الماء لا يقتصر على الاستحمام في الغرف في الفنادق حيث عادة ما تقاس بعدد الليترات بالسرير/ الليلة وضمن المرفق السياحي من أحواض سباحة وسونا، بل تتعداها الى مجمل استهلاك المياه للسائح في المجالات التالية: العلاج بالماء والمنتجعات الصحية والحدائق والمساحات الخضراء والاستحمام في مياه البحر أو النهر أو البحيرات والألعاب المائية والنشاطات الرياضية المائية كالتجذيف والإبحار والغطس. ان هذه المجالات لا تعتبر جميعها بمثابة استهلاك للمياه بل هي عناصر جذب للسياحة يمكن أن يؤثر عند نقص الماء في فصل الصيف على قطاعات أخرى مثل الاستخدامات المنزلية والزراعة والطاقة الكهربائية المولدة مساقط المياه (والسدود في بعض المناطق). وهذا الطلب على المياه يرافقه قطع للمياه عن المنازل وعن الزراعة أو الترشيد في توزيع المياه. كما ان السياحة بدورها تتأثر بتغير المناخ ونقص الأمطار. ولكن السياحة في المقابل تعتبر عنصراً مساعداً للحفاظ على جودة المياه ونوعيتها للترويج لها على المستوى الدولي، اذ أصبحت منظمات إدارة المياه ومصالح المياه في البلدان السياحية تعي أهمية جودة الماء في جذب السياحة وفي الدعاية السياحية سواءً للسباحة أو للصيد أو للألعاب المائية. وقد أصبحت البلديات ترفع العلم الأزرق على شواطئها معلنةً انها تأخذ بعين الاعتبار القضايا البيئية الى جانب السياحة. كما خصصت جوائز في هذا المجال في 36 بلدا في العالم. التحديات الإحصائية اعتمدت معظم الإحصاءات حول السياحة في البلدان المغطاة بالدراسة على عدد الليالي أو الليلة/ سرير في الفنادق ان وجدت هذه الإحصاءات أو على ميزان المدفوعات والأرباح. وبالتالي فإن المعلومات التي تم جمعها (في الدراسة المذكورة) اقتصرت على الفنادق والمطاعم المصنفة وشركات التزويد بالأطعمة الجاهزة. وهذا يعطي معلومات عن النشاطات السياحية فقط. أما في ما يتعلق بالإحصاءات حول النشاطات السياحية الأخرى فإنها غير ممكنة بسبب غياب تعريفات دقيقة حول قطاع السياحة ككل وبالتحديد غياب الإحصاءات عن استهلاك المياه في تلك النشاطات السياحية الأخرى غير الليالي في الفنادق ومعدل استهلاك الفرد من الماء في الغرف. كما انه لا وسائل إحصائية لمعرفة تأثير السياحة على موارد المياه وعلى البيئة، لذا من الضروري على الدول ومصالح المياه فيها ان تعرف استهلاك المياه في السياحة من أجل معرفة التفاصيل الدقيقة عن مختلف موارد المياه وكل القطاعات الفرعية للسياحة التي تستهلك المياه كالإقامة والمرافق السياحية والنشاطات الرياضية المائية والمنتجعات وذلك من أجل تحديد الأولويات لاستخدامات المياه بغرض الحفاظ على الماء وإعداد البرامج لضبط الموارد والاستهلاك. كما انه من الضروري للمؤسسات السياحية الاطلاع على الإحصاءات والمعلومات المرجعية حول استخدامات المياه في بلدان أخرى ومقارنتها بالإحصاءات المتوافرة لديها من أجل وضع الأولويات لاستهلاك المياه (اما من أجل إقامة السياح أو من أجل ري الحدائق أو المرافق الأخرى كأحواض السباحة والسونا وغيرها) وكذلك من أجل تنفيذ استراتيجيات إدارة مناسبة للمياه. تونس نموذجاً أعدت الإحصاءات عن استهلاك المياه في السياحة في تونس انطلاقاً من دراسة معدلات استهلاك مياه الشرب. واستناداً الى دراسة تونسية حول استهلاك المياه في الفنادق، تبين ان الاستهلاك يرتبط بعاملين اثنين: كمية ثابثة تستهلك لري الحدائق في الفنادق، وكمية متغيرة حسب عدد نزلاء الفنادق والتي تساوي 466 ليتراً للفرد الواحد أي السرير في الليلة الواحدة. وهذه النسبة مأخوذة من إحصاءات الشركة الوطنية لتوزيع المياه. أما إجمالي الاستهلاك للمياه في الفنادق فقد وصل في عام 2004 الى 18 مليون متر مكعب وذلك دون احتساب المياه المستخرجة من الآبار أو مياه التحلية والتي تغذي 67% من القطاع السياحي. ويزيد هذا المعدل بـ34% بالنسبة للفنادق الساحلية على شاطئ البحر بسبب الاستحمام المتكرر والحرارة وتغيير الماء في حوض السباحة. أما حجم المياه المستهلكة حسب نوع الاستهلاك في تونس في عام 2006 فإنها تقسم الى 70% للاستخدامات المنزلية و13% للصناعة و2% للسياحة (من دون احتساب المصادر غير المكشوفة) و9% للاستخدامات المنزلية غير المرتبطة بالشبكة و 1% لغير ذلك. وتسعّر المياه حسب كمية المياه المستهلكة حيث قسّم الاستهلاك الى مستويات. فمستهلك المياه للأغراض المنزلية لا يتجاوز عادة المستوى الأول وهو الحد الأدنى لكمية الاستهلاك الذي يكون سعر المتر المكعب فيها رخيصاً ثم يتزايد السعر حسب الكمية وحسب مستوى الاستهلاك. وبالتالي فقد سجلت الفنادق أعلى مستوى استهلاك على مستوى السعر حسب إحصاءات الشركة الوطنية لتوزيع المياه. وبالمقارنة مع نسب استهلاك السائح نزيل الفنادق في ألمانيا مثلاً في فندق فخم بخمس نجوم (600 ليتر للنزيل الواحد)، لا نعتقد ان وضع لبنان السياحي مختلف كثيرا عن وضع تونس الا بنسبة زيادة إمكانياته المائية وزيادة الفوضى (زيادة القدرة على سرقة المياه الجوفية او مياه المصالح)، دون مراقبة او حساب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة