As Safir Logo
المصدر:

العالــم العربــي كلــه يعيــش داخــل ثكنــة والمثقفــون ســرقوا الثــورة أمين الزاوي: الترجمة أضعفت اللغة العربية وعلينا أن نحذر الغيتوهات الثقافية

رص الحصى في شارع بشارة الخوري
المؤلف: محمد انور التاريخ: 2010-06-25 رقم العدد:11625

مثقَّف متنقِّل, ودائماً على شغلٍ كأنَّ الحياة ستنتهي ولن يأخذ استحقاقاته منها.وفوقها يشغِّلك معه لكنَّه وهذه تحسب له لايأكل حقَّك فالرجل أمينٌ كما سموَّه, التقيناه في الجزائر وكان هذا الحوار: في روايتك «السماء الثامنة» بطلك يفقد فيها عقله ولا يفقد ذاكرته, وهو يتحدَّث من ثُكنة عسكرية, لماذا ثكنة عسكرية. هل هو إشارة للعسكرتاريا التي لا تزال تحكم؟ ثمَّ لماذا تصادر العقل وتلغي فعله وتفتح كتاب الذاكرة. هو الخوف أم إنَّها الشجاعة؟ [ لا أعتقد أنَّ الذاكرة في العمل الروائي هي أهم وأشمل من العقل - العقل يجعل العمل جافاً ولكنَّ الذاكرة والاشتغال عليها بكل مافي مخزونها من شظايا وانفجارات وكذب ومن ثمَّ خيانتها بعض المرَّات يجعل النص الذي يُكتب عن طريق الذاكرة هو أكثر عفوية وأكثر صدقاً. ورواية «السماء الثامنة» اشتغلتُ فيها على مسألة فلسفة الوقت/فلسفة الزمن. داخل الثكنة يُثقب الزمن وهذه تجربة خاصة أنا عشتها أثناء تأديتي الخدمة الإلزامية فكتبتها في ثكنة حيث كان الوقت/الزمن أكثر من موحش وقاتل داخلها, ثمَّ أيضاً وبطبيعة الحال علينا أن لاننسى أنَّ العالم العربي كله يعيش داخل ثكنة, فلا تفترق الثكنة الصغيرة عن الثكنة القومية الكبيرة. ومايُسمى بالانضباط داخل الثكنة العسكرية هو نفسه ماتمارسه الأنظمة على المجتمع المدني حين تقوم بتأديبه وضبطه بعصا الاستبداد. برأيي أنَّ اتكَّاءك على الذاكرة ونبشك لها لم يوقظها. فأنت لم تتمدَّد على أسوار الثكنة وتلامس أسوار المجتمع المدني؟ [ أنا أعتقد أنَّ الرواية من خلال الحديث عن العالم في إسبانيا, ومن خلال الغريم الذي يخطف الزوجة أو الصديقة ويرحل إلى الخارج كان فيها انفتاح على الحلم الكاذب الذي نعيشه الآن بأن في الغرب توجد الحرية والمال والنساء والحب. برأيي أنَّ الرواية بقدر ماكانت تبين وتكشف هذه الثكنة بكل عنفها وجبروتها, أيضاً كان هناك تكسير لأسوار هذه الثكنة في الذهاب إلى اسبانيا والذهاب إلى ألمانيا. لكن هذا التكسير هل هو الحل؟. سأذهب إلى روايتك»صهيل الجسد». أنتَ تكفِّر الحاج مكي وهو الخائن العميل للفرنسيين ولا تقتله, أنت تعرف أنَّه عندما نكفِّر أحداً فيُفترض أن نحاسبه, نحاكمه. غير أنَّ الحاج مكي الذي يستتر بعمامة الدين نراه ثانية يخون ويزني؛ يمارس الجنس مع المحارم مع زوجة ابنه. الرواية مليئة وغنية بالإشارات الأخلاقية والسياسية. لماذا الحاج مكي مازال ولاءه للمستعمر قائماً وكأنَّه صار ينوب عنه ؟ [ رواية صهيل الجسد التي أثارت كثيراً من اللغط والضجيج والمنع والسجن- سُجنَ الناشر, وأُغلقت دار النشر- هذه الرواية لم تأخذ حقَّها في العالم العربي من القراءة والنقد. هذه الرواية تتناول مفهوم الخيانة وأعتقد أن الكابوس الذي يهيمن على العالم العربي -على مثقفيه وسياسييه ورجال أعماله- هو الخيانة. الحاج مكي في الرواية هو نموذج للخائن, لقد كتبنا كثيراً عن الثوار وعن الأبطال الذين من حقيقة والذين من كرتون والذين من تبن, لكن لم نكتب عن الخائن. أنا أعتقد أن الخيانة مسألة عضوية داخل المجتمع وداخل التاريخ العربي, ولقد سألتني لماذا لم تقتل الحاج مكي. وأقول لكَ الخيانة لم تمت ولا تزال قائمة بأشكال متعددة. لكن هل يعني هذا أننا إذا لم نستطع محاكمة ومعاقبة الخائن في الواقع فلا نعاقبه في الفن؟ [ لا.. لا. أنا أقول إنَّ مايفعله الفن هو أن يقوم بفضح الخائن, والروائي أو الأديب ليس طبيباً , ليس كاتب (روشيته) باعتبار أنَّ الخائن هو مريض. أنا لا أؤمن بذلك. للقتل لكن الفن والأدب يا صديقي يفعل مالا يفعله الطبيب والسياسي. ثمَّة قيم جمالية في الأدب والفنون هي التي تزيح وتزيل قيم البشاعة التي منها الخيانة. من قبل ديستويفسكي وتولستوي وغوغول وغوركي وتشيخوف وتوماس مان وأرسين كالدويل وهمنغواي مارسوا فعل القتل - ليس تصفية حسابات. وأنت تعرف أنَّ أعمالهم لا تزال تعيش وقد تخلُد. وقتل الحاج مكي هو موقف جمالي وأخلاقي من البشاعة والقباحة, من فعل الخيانة. قتل الحاج مكي برأيي ضرورة في رواية «صهيل الجسد» لأنَّ في قتله شفاء لغليل الكثير من القرَّاء. لا بدَّ من القتل لتحقيق تلك الذروة ؟ [ القتل في الرواية ليس معناه التصفية الجسدية. القتل في العمل الروائي له أشكال أخرى؛ أنا أتصوَّر أنَّ تعرية الحاج مكي وفضحه في الرواية هو فعل قتل اجتماعي وتاريخي. نحن عندنا أنَّ صورة (الجد) في حياتنا صورة مقدَّسة, لكنني في الرواية قمت بتحطيم هذه الصورة, إذ كشفتُ خيانة هذا الجد ونزعت عنه هالة التقديس, وهذا يعني أنني قتلت فيه القدسية, قتلت الرمز. لذا فإنَّ قتلي له - أي إعدامه وتصفيته بشكل مباشر سيكون قتلاً فجاً يؤثِّر على فنية الرواية, وبذلك سيموت البعد الفلسفي لها. في الفن يجب أن نقتل الرمز؛ أن نقتل الخائن من الداخل حتى لايتحوَّل إلى قيمة كبيرة في رأسنا, وأعتقد أنني وصلت في هذه الرواية إلى حدٍّ ما إلى تعرية الخيانة المتمثِّلة في رمزٍ كبير في المجتمع هو «الحاج مكي» لأنَّ هناك آلاف وربَّما ملايين الخونة مثله. على عكس الخيانة المتمثِّلة في الجد والأب «الحاج مكي» نرى أنَّك تبرز بالمقابل جانب البطولة؛ فيُهاجر ابن الحاج مكي إلى فرنسا وهناك يتصل بالشيوعيين ثمَّ يلتحق بثورة التحرير الجزائرية. أبٌ خائنٌ كافرٌ؛ وولدٌ بطلٌ مؤمنٌ بعقيدة هي ضد عقيدة الأب. لماذا تخوِّن الآباء فيما تنتصر للأبناء على أنَّهم الأبطال الجُدد, مع إنَّهم يتحوَّلون فيما بعد إلى خونة - ليس للاستعمار- ولكن للمبادئ والقضايا والشعارات التي نذروا أنفسهم لها أثناء إنجاز الثورة, إذ إنَّهم عندما تسلموا السلطة حوَّلوا الثورة إلى غنيمة؟ [ أنا التقطت في روايتي «صهيل الجسد» تاريخ الجزائر في لحظة معينة, هي لحظة يجب أن نفرِّق ولا ننظر إلى الغرب أو إلى فرنسا في جانبها السلبي, فهذا الابن الذي تعلَّم القيم الديموقراطية والصراع الطبقي, وتعلَّم أفكار الثورة الفرنسية في فرنسا, هو أيضاً تعلَّم فيها ومن الفرنسيين كيف يكون ضد فرنسا التي تحتل جزائره, وليصلَ إلى استنتاج هو أنَّ فرنسا هي (فرنستين) فرنسا القيم الإنسانية وفرنسا القيم الاستعمارية. هذه الرواية تريد أن تقول بأنَّ الابن الذي سافرَ إلى فرنسا سافرَ لينضم إلى الثورة الجزائرية من الخارج ومن فرنسا بالذات البلد المحتل لجزائره - أي جاء بطلاً, في حين أنَّ /الأب والجد/ والدهُ الحاج مكي الذي بقي في الجزائر كان خائناً. الثورة هي حالة إنسانية وحالة عالمية وليست حالة محلية. وهذا الابن كما تقترح أنَّه سيكون خائناً في المستقبل هي مسألة نسبية وخلافية, فالثورة الجزائرية قدَّمت رجالاً عظاماً, قدمت رموزاً وطنية كبيرة, لكن ككل الثورات هناك جانب مظلم. من سرق الثورة سأكون أكثر وضوحاً وأسألك من سرق الثورة ؟؟... أنت تعرف وفي الوطن العربي أنَّ كل الاستقلالات من الاستعمار أنجزها الثوار وبدمائهم, لكن فيما بعد انقضَّ عليها العسكر ومن في حكمهم وطارت الثورة. سُرقت. من سرق ثورة هؤلاء المجاهدين؟ [ أنا أعتقد أنَّ الطبقات السياسية مدعومة بما يسمى بالطبقة الوسطى - المثقفون وغيرهم - هم الذين خانوا القيم الكبرى، إذ ظنُّوا أنهم حققوا الحلم النهائي. والاستقلال الوطني الذين أنجزه الثوار هو بداية وليس نهاية, والحلم الوطني الاستقلالي لم يتحقَّق في الوطن العربي حتى الآن ولا زال المجتمع العربي يعيش عبوديات جديدة. العبودية للحاكم بعد العبودية للمستعمر؟ [ نعم. وأعتقد أنَّ الذي سرق الثورة هو نحن المثقفون. لأننا لم نستطع أن نبلور ثقافة نضالية, ثقافة مقاومة, ولقد انخرطت مجموعة كبيرة من هؤلاء المثقفين في العمل مع سلطات وأنظمة خائنة ومشبوهة. وهذا ما جعل الكثير من مشاريع الثوار تحبط وتحترق. ليس هناك من مدينة فاضلة. وأرى أن الكثير من الأدباء والمثقفين عندهم طموحات سلطوية أو أنهم مثل الحكَّام يحملون في داخلهم بذرة الاستبداد, وقد خانوا قضاياهم ومشاريعهم النهضوية والأمثلة لاتُعد... لماذا الخيانة؟؟ [ أنتَ سألت سؤالاً مهماً. هل على الأديب و الروائي ألا يكون سلطة أو برغياً في آليتها؟... أنا أعتقد أنَّ الكثير من المثقفين العرب كانوا سلطة حقيقية لكن كيف مارسوها ؟. فمثلاً حينما نتحدَّث عن طه حسين نرى أنَّه كان سلطة قائمة وكان يخيف الأنظمة. كاتب ياسين أيضاً كان سلطة يخيف الأنظمة بل شكَّل مؤسسة كبيرة. أنا أرى أنَّ على المثقَّف في علاقته مع السلطة أن يحافظ على شيء أساسي في المثقف وهو حاسة النقد. إذا فقدَ المثقف حاسة النقد فقد انتهى كمثقف وتحوَّل إلى موظَّف. وليس من السهل أن يكون هناك مثقف ناقد داخل السلطات العربية لأنها تريد المثقف أن يصير ولاءه لها... أن يصير (أرنب). طه حسين وكاتب ياسين كانا سلطةً على السلطة. هناك الكثير من المثقفين العرب يشكِّلون سلطة لكنَّها تختلف وتصارع السلطة التي بيدها مفاتيح القضاء والقدر, وهؤلاء المثقفين هم الذين ننتصر لهم وهم الذين يشكِّلون قيم الجمال في حياتنا. خذ طه حسين في رواياته كما في كتبه النقدية كان ينتصر للعقل والعلم وليس للسلطة والجهل. [ لاتنسى أنَّ طه حسين كان وزيراً للتربية. ولكنَّه لم يسئ استخدام السلطة فيشغِّلها لحسابه وحساب أسرته وفريقه الموالي له فعمَّم وأرسى مجانية التعليم؟ [ هناك تشابه بين طه حسين وكاتب ياسين فلقد كان كاتب ياسين مدير مسرح في «سيدي بلعباس» وقد ظلَّ محافظاً على قيمه وعلى مشروعه الثوري ونقديته ونبالته وإبداعيته. لم تستطع السلطة أن تبلع ثوريته وثقافته, بل استفادت منه واستفاد منها في موقعه, لقد خلق جيلاً جديداً من المسرحيين ومن الشعراء ومن الروائيين. ملاسنات من خلال متابعاتي لراهن الحياة الثقافية في الجزائر أرى أنَّ الطاهر وطار يهاجم واسيني الأعرج وواسيني الأعرج يرد عليه. ثمَّ من جديد الطاهر وطار يهاجم رشيد بوجدرة وهكذا... هل هي معركة مع السلطة أم معركة بين المثقفين الجزائريين؟ [ هذه الأسماء التي ذكرتها باستثناء رشيد بوجدرة لم يكن لها في يوم من الأيام موقف حقيقي تجاه السلطة, أشعر دائماً بأنَّ رشيد بوجدرة أكثر الكتَّاب صدقاً في غضبه وفي خطأه وفي نزقه. رشيد بوجدرة ليس بقَّالاً. رشيد أديب ومبدع مجنون. وماحدث من ملاسنات تدخل في باب البقالة. لكنَّها سجالات/ ملاسنات شغلت الحياة الثقافية في الجزائر ؟ [ ما هي المسائل التي طُرحت في هذا الخلاف / السجال؟؟... هل بالفعل كان سجالاً مثقفا.ً..؟. حينما يختلف روائي مع روائي أو مفكِّر مع مفكِّر مثلما كان بين جون سيناك وكاتب ياسين, أو بين مصطفى الأشرف وطالب الإبراهيمي, فإنَّها خلافات حول مشروع ثقافي وليس خلافاً شخصياً؛ إذ ناقشوا فيها ازدواجية اللغة ,مسألة ديموقراطية الثقافة, مسألة الإعلام الحر... وغيرها. مثل هذه المسائل يجب أن نختلف عليها ونناقشها كمثقفين. وبدل الملاسنات وتبادل التهم كان من المفروض أن يناقشوا الوضع الثقافي في البلد: وضع قانون أساسي للمثقفين, قانون للفنانين, قانون الجامعة الجزائرية التي تعيش احباطات كبيرة, انفتاح الإعلام الجزائري. سبق وأنَّك خوَّنت العرب واعتبرت أنَّهم لايستحقون لغتهم, وأنَّهم أقل شأناً منها, وهم المساهمون الأُوَل في قتلها. هل هو انتصار للفرنسية أم تتفيه للنص الروائي الأدبي المكتوب بالعربية في المغرب العربي؟ [ بالمناسبة أنا أكتب بالفرنسية وبالعربية و قد صدرت لي مؤخراً رواية بالفرنسية في فرنسا وأخرى بالعربية «شارع إبليس» في بيروت. أنا ليس عندي عقدة لغوية. فأنا أتحدث بالعربية وأكتب بها وبالفرنسية والاسبانية. المشكلة عند العرب أنَّهم يتعاملون مع لغتهم برومانسية القرون الوسطى, وحين يدافعون عن اللغة يدافعون عنها بـ(دينية) وهذه الدينية هي التي قتلت اللغة العربية. اللغة العربية لغة قبل الدين, قبل أن يجيء الإسلام. وأجمل النصوص الأدبية كتبت قبل أن يجيء الإسلام, واليهود حينما أدركوا وما بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر الميلادي قوَّة اللغـة العربية استعملوها في تدوين خطاباتهم. حتى إنَّ علماءهم وفلاسفتهم في تلك الفترة كابن ميمون كتبوا بها؟ [ نعم. ولكن مشكلة العرب أنَّهم يعتقدون أنَّ لغتهم هي أجمل اللغات. هل تعتقد أنَّ اللغة الألمانية سهلة, اللغة الانكليزية سهلة؟ اللغة البربرية سهلة ؟ اللغة الأمازيغية سهلة؟ كل اللغات جميلة. أما العرب فعندهم عاطفة زائدة تجاه لغتهم, لذا أصبحت العربية لغة غير مثقفة وتحتاج إلى إعادة نظر في بنيتها من الأساس. والضعف الناتج في اللغة العربية هو ضعف ناتج عن الترجمة إلى اللغة العربية, نقرأ في اللغات الأجنبية كتباً مذهلة ولا نقرأها في اللغة العربية. أنا قرأت مؤخراً كتاباً لـ«جاك دريدا» في اللغة العربية لم أفهم منه شيئاً, لكنني عندما قرأته بالفرنسية فهمته. وكأنَّ المترجم نفسه لا يفهم ماذا يقول جاك دريدا أو السبب أنَّنا لم ندرِّب ونروِّض لغتنا العربية على الاستماع إلى اللغات الأخرى. لماذا نقول عن الانترنيت شبكة عنكبوتية, والفاكس ناسوخ؟ لماذا هذا التقعُّر؟. اللغة العربية لغة مضيافة قادرة أن تستقبل موسيقى اللغات الأخرى. خباية المترجمين أنت توحي في ردِّك هذا كأنَّ اللغة العربية لها سَدَنة / حرُّاس. وقياساً إلى رأيك هذا نلاحظ أنَّ هناك مترجمين أغنوا اللغة العربية مثل سامي الدروبي الذي ترجم لتولستوي الحرب والسلام و لمحمد ديب ثلاثيته الدار الكبيرة /النول/ الحريق؟ [ أنا لاتعجبني ترجمة سامي الدروبي. حتى ترجمته تولستوي الحرب والسلم. وأتحدث عن محمد ديب؛ فأنا قرأت الثلاثية في الفرنسية كما كتبها محمد ديب, وقرأتها في العربية كما ترجمها سامي الدروبي, ووجدت أنَّ الدروبي كان يترجم بلغة وصفية لم تكن أمينة لوقائع دقيقة جغرافية وتاريخية, وأيضاً لأسماء أعلام نقلها فجاءت معه مشوهة. هل يعني أنَّه كان يترجم بنوايا سيئة؟ [ لا...لا لم يكن على علم, وكان يترجم بحسن نية, وعن غياب معرفة - معرفي. هناك سقطات بل ذلاَّت في ترجمته. وأنا شخصياً لو أتيح لي الوقت فسأقوم بترجمة الثلاثية مرة أخرى. هناك لمحمد ديب رواية من أصعب رواياته «هابيل» ترجمتها إلى اللغة العربية وقضيت سنتين في ترجمتها, وهي رواية إشكالية ومعقَّدة مؤسسة على قتل هابيل لقابيل. سامي الدروبي ترجم تولستوي عن الفرنسية وليس عن الروسية, وهناك حوالى اثنتا عشرة ترجمة فرنسية لتولستوي, ونحن العرب نعتقد أن ترجمة واحدة تكفي. ثمَّ هناك رواية «نجمة» لكاتب ياسين التي ترجمتها ملك أبيض عيسى وبذلت جهداً كبيراً في ترجمتها هي أيضاً تحتاج إلى ترجمة جديدة. لو أُتيحَ لكَ الوقت كما ذكرت وقمت بترجمة ثلاثية محمد ديب مرة أخرى, هل سنكتشف محمد ديب جديد ومختلف ومثير وفاتن بشكلٍ غير الشكل الذي ترجمه وقدَّمه فيه سامي الدروبي؟ [ نعم سنكتشف محمد ديب جديد. [ هل يعني أن سامي الدروبي في ترجمته للثلاثية لم يحقَّق هدف محمد ديب كما جاء في اللغة الفرنسية التي كتب بها الرواية. كأنَّه غيَّر مسارها؟ [ لا. إنَّ ما فعله سامي الدروبي لا يمكن تجاهله, فلقد حقَّق بهذه الترجمة تضامنه مع الثورة الجزائرية كمثقفٍ كبير وهذا موقف نبيل يُحسب له, وثانياً هو قدَّم الثلاثية بلغة أدبية جميلة, كما إنَّه عرَّف بالأدب الجزائري في المشرق العربي وهذا مهمٌ جداً لأنَّه كان صاحب موقف شجاع كمثقف أراد أن يقول إنَّ هذه الرواية هي رواية عربية جزائرية باللغة الفرنسية. من سامي الدروبي والترجمة إلى الرواية الجزائرية الجديدة؛ هذه الرواية كيف ترى حاضرها ومن هم أبرز كتابها؟ [ الآن هناك بعض الأسماء التي تكتب بالعربية مثل بشير مفتي وهو روائي متميِّز, وسمير قاسمي, وكمال قرور الذي حصل على جائزة مالك حداد, وأيضاً حسين علام. وهم من الروائيين الذين يكتبون بشجاعة سياسية وأدبية واجتماعية كبيرة وينتمون إلى الرواية العقلانية للحياة. أيضاً في المقابل هناك ظاهرة عجيبة ومع أن المدرسة الجزائرية وحتى الجامعة معرَّبة, فهناك أسماء تكتب الرواية الجزائرية بلغة فرنسية راقية تدهش القارئ الأوروبي. مثل من؟. [ مثل كمال داوود ومصطفى بل فوضيل وشوقي عماري وسفيان حجاج . جيل كبير يكتب بالفرنسية وهي ظاهرة يعرفها الآن الأدب الجزائري. إلى جانب اللغة الفرنسية والعربية هناك اللغة الأمازيغية في الجزائر,وقد شاهدتُ عرضاً مسرحياً منذ أيام لمسرحية «طرطوف» لموليير بهذه اللغة.ألا من يكتب بهذه اللغة في الرواية أو في الشعر ؟ [ نعم. هناك من يكتب بهذه اللغة وهي ظاهرة جديدة؛ هناك عمار مزداد, حليمة ايتودرت. هل هذان الكاتبان معروفان في منطقة المغرب العربي؟ [ الكِتاب باللغة الأمازيغية غير متداول. أنت ناقد مسرحي وعندما تشاهد مسرحية لشكسبير باللغة الأمازيغية أو كما ذكرت أنَّك شاهدت موليير بالأمازيغية بماذا تشعر... نحن بحاجة لتعميم الثقافة باللغة الأمازيغية لكن علينا أن نحذر (الغيتوهات) الثقافية, أنا أشعر أنَّ هناك شبه غيتوهات صارت تتشكَّل بالجزائر, وهذا بسبب غياب الجسور بين المثقفين باللغة العربية واللغة الأمازيغية. الجزائر تحــتاج إلى شجاعة من الدولة فتقوم بمدِّ أو خلق جسر وفضاء ثقافي حقيــقي بين الجزائريين مهما كان لون أو شكل لغتهم أو انتماءاتهم العرقية والسياسية. (الجزائر)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة