As Safir Logo
المصدر:

بول الروماني في «الثلاثاء، بعد أعياد الميلاد» وسافينيا الألمانية في «المدينة التحتية» الخيانــة كقــدر للحــب الأوروبــي

مشهد من «المدينة التحتية» للمخرج الألماني كريستوفر هاوشاوزلر
كبار ضباط الجيش التركي يزورون ضريح اتاتورك لمناسبة يومالنصر امس
المؤلف: الخزاعي زياد التاريخ: 2010-06-24 رقم العدد:11624

نهاية الحب كلّه، خيانة صغيرة بحجم الكذبة. ونهاية الزيجة كلها، رغبة صفراء بحجم الزنى الخفي. حكايات الكَيْد البشري كلّها تتجمّع في الصورة الماثلة بين الثقة العمياء بالآخر، واكتشاف عدم ائتمانه، وبين الظنّ أن علاقة ثنائية توطّدت لاعتمادها الصراحة والاتفاق والتخطيط، لينهَدّ بنيانها عندما تلتقي إرادات البشر على صدفة تُشعل الرغبة، وتَخوى العهد. منذ عهودها الأولى، قاربت السينما الحب وخُوَّانه، ومثله قصص الاكتشاف المرّ المتبادل بين حبيب وامرأته، وبين زوج مغدور وسيدة بيته التي ضعفت أمام إغراء سريع لا فكاك منه، حتى لو لامس شرفها الشخصي. أظهرت أفلام كبيرة أخرى مديات القسوة التي تمارسها امرأة تواجه استحقاق خيانة زوج أو رفيق أو خليل، وخَيَسَانهم بالعهد، وتعجّلهم للمغامرة ولعبتها الأزلية. يبدو أن خيط الغدر سيبقى سارياً الى أبدية سينمائية، تصل في أحايين كثيرة إلى مفاجآت صاعقة (لن ننسى غلين غلوز في «النصل المُثلم»، في العام 1985، لريتشارد ماركواند). السرد لعل فيلم المخرج الروماني رادو مونتيان «الثلاثاء، بعد أعياد الميلاد»، يمثّل نفساً مستحدثا في سرد الحكاية المكرورة. ذلك أن صاحب «بوغي» (2008) و«الورقة ستكون زرقاء» (2006) و«الغضب» (2002)، لم يلوّنها كما تحب السينما الباحثة عن الفضيحة، بل سعى إلى امتحان خيارات أبطاله والشخصيات المحيطة بعالمهم، الذي ينفلش بعجالة لم يكن في مقدور أحد إيقافها. وهو استجاب بذلك، بفطنة كبيرة، لرغبة التمعّن في القناعة الشخصية وكيفية ترتيبها بين الأفراد، قبل أن تصل إلى حدود العنف. البطل بول يخدعنا في المشهد الأول وهو فوق سرير بهيّ من العواطف، مضاجعاً بشراهة ونزق شابة ترى في ما تفعله واجباً يذهب بمتعتها إلى حدّها الأقصى، ما دامت تضمن وجوده الجسدي وعنفوانه الجنسي فوقها. يخدعنا بول، لأن سعادته التي بدت طاغية في المشهد الافتتاحي الطويل، تصدمنا لاحقاً، عندما يقدِّم لنا عائلته المتطامنة، وعندما نجدها (السعادة) بائرة في بيت الزوجية. إنه كائن يعيش الواجب الاجتماعي، الذي يحيله على مجموعة من الالتزامات لا غير. مواطن في بلد يتغيّر بسرعة أوروبية. جزءٌ من أخلاقيات جديدة، تدور حول المال والرقي الاجتماعي واستغفال الخشية الدينية. يقف بول، القوي الشخصية، على مرتبة الخيانة نفسها التي تمارسها الألمانية سافينيا ذات الشخصية الطاغية بحضورها، وبطلة فيلم المخرج كريستوفر هاوشاوزلر (1972) «المدينة التحتية» (عُرض الفيلمان في «نظرة ما»، في الدورة الأخيرة لمهرجان «كان»). فالشابة الوافدة إلى فرانكفورت برفقة زوجها الموظّف في أحد المصارف العملاقة، تعيها وحدتها التي تقودها إلى صدفة، تكشف لاحقاً عن عنف شخصيتها وإصرارها على الانتقام. ذلك أن الخائن لا يردّ على التهمة، أو على الأقل ما يجب عليه فعله في البحث عن تفسير لها، بل يسعى بجهد خارق إلى الإفلات من عقاب الآخرين، بدءا من الشخص الأقرب المغدور. في إحدى غاليريهات الفنون المعاصرة، تلتقي قدرها. وسرعان ما نتابع الشهوة وهي تزهو في الغرف، بدءاً من الفنادق وانتهاء بالمكتب الفخم للعاشق والقطب المالي النافذ رولاند. تقع سافينيا في مساهلة لعبتها مع الرجل الخمسيني، الذي يجد فيها ما هو ناقص في عشرته الزوجية: الطيْرَة. إن انضباطيته الطبقية والبيروقراطية لا تتفكّك إلاّ على يدي طيش البطلة الشابة وإغوائها له، بتفريغ عزلته الشخصية في رحمها الفتي. يقع الاثنان في هوس تبرير خياراتهما. فالرجل يرى أن ما يفعله استكمال لانتقام مقموع في داخله ضد رتابة حياته وأناقتها المفرطة. فيما تظن الشابة أنها تنتقم بدورها من الفراغ الذي أُجبرت عليه. فالمدينة العصرية القائمة من خراب حرب هتلر ونازيته، صعبة المنال على امرأة وافدة وعاطلة عن الفعل الحقيقي. ويبدو جلياً أن المغامرة الجنسية هي الأكثر أماناً في اختراق مستوياتها الحاكمة والمتمثلة برولاند. انتقام تكتشف سافينيا (نيكوليته كريبتز)، كمذنبة وضحية في آن واحد، كَمّ الاحتقار الذي سيعصف بكيانها. فرعونتها الأوروبية لن تستكفي انتقامها منه داخل مكتبه الشديد العصرية، الذي لا يبتعد سوى طوابق معدودة من طاولة زوجها الموظف، بل في عقر داره، عندما تفلح في مجالسة زوجته ذات النسب النبيل، وتلمّح لها عن زلّته المدوية، وتستهدف تاريخ صباه وخفايا صعوده. في الواجهة الرومانية، يحاول بول (ميمي برانيشسكو)، وهو موظف في مصرف كبير أيضاً، أن يُعلن عن خيانته بصوت خافت. أراد أن يُبقي ذلك الإعلان في حِرز بين جدران شقته الصغيرة، بعيداً عن انتباه ابنته وأقاربه. بيد أن قدر الخائن يكمن دائماً في صدفة افتضاحه، التي تقود بول إلى إعلان فشله في إخفاء «خياره الشخصي» وحجب العشيقة طبيبة الأسنان الشابة رالوكا عن الورطة العائلية. وهذا يتحقّق، عدنما تلتقي الخليلة مع الزوجة أدريانا (ميريلا أوبريشور) وتُفجِّر دُمُّلَة عاره، وهي نفسها التي يُغطي قيحها العفن وجه رولاند (روبرت هانغر ـ بوهلر)، الذي تدور حوله الشكوك بتصفية خليفته في المنصب المؤثر، عندما تحاصره الزوجة الملتاعة بسؤالها عما يسمي فعلته، فيردّ عليها بصدق قاتل: «ليس لديّ تعريف لها». وإذا جمعنا هذا الاعتراف مع مثيله لدى الروماني بول: «كما يقولون، ان العام الجديد يجلب معه التغيير لحيواتنا»، نكون ألفنا إطاراً لتبرير الفعلة النجسة لكليهما. وإذا أخذنا الخط العام للفيلمين (بطلان خائنان بالقصد، وثالثتهما امرأة يافعة تقف ضد أمانتها من أجل التشفي)، تصبح الأخلاق مرتبة إنسانية ليست ذات مَزِيَّة اعتبارية. فالأوروبي المعاصر قادر، كما يبدو، على الإمساك بقدره. فهل تمكنه هذا عائد إلى حصاناته القانونية وتوافرها لرد تهمة الإثم، أم إن الوازع الاجتماعي في الألفية الثالثة انفرط عقده، وضعفت تهديداته، وأصبح الدافع الشخصي أهم وأشد بأساً؟ بلاغة لا ريب في أن مُشاهد الفيلمين يُخطَف ببلاغة المحيطَين الجغرافيين اللذين تجري فيهما أحداثهما، من حيث عكسهما حقيقة أن فعل الخيانة واحد، وإن تمّ في أماكن مختلفة في ثرائها (في حالة «المدينة التحتية») ووضاعتها (في «الثلاثاء...»). إن البحث عن قيمة الحب في القصتين لا يملك طابعاً استقصائياً لدوافعه. فالمخرج الروماني مونتيان يُشبع المواقعة الجنسية بين بول ورالوكا في غرفة بسيطة الديكور، ذات ذوق ريفي، قبل أن ينقلنا إلى البيت الحقيقي للعائلة، لنُصدم بحال مشابهة من وضاعة المكان. وعلينا أن نفهم أن الرتابة في حياة بول هي السبب في مغامرته (لنقل خيانته). في المقابل، يضخ زميله الألماني هاوشاوزلر قدراً واسعاً من الخلفيات الثرية بديكوراتها، التي تتماشى مع الهبة العمرانية والاقتصادية لفرانكفورت، ومع منصب رولاند. وبما أننا لن ندخل محيط سافينيا، الأمر الذي يفقدنا التقدير الحقيقي لمنبتها الطبقي، يبقى حكمنا على شخصيتها في ارتهان مقصود بملبسها الخفيف الجاهز للخلع أو الإزاحة، لتأدية الفعل الجنسي بأقصى درجات حياديته. بمعنى شحّ الكلام بينهما. وبدا أن الأسبقية الدرامية لهذا الفيلم المميز، كامنة في الزلّة الكبرى التي تدفع بالخمسيني الى الدم. إذ ان لعنة الآخرين تطاردهما باللغو المقنن للفضيحة، التي تنال أخيراً من رولاند، وتدمِّر عالمه المأفون، من دون أن تمسّ بعزمه الشخصي: وجد أرضيته للحب، وإن تأخّر. يقف بول مثل سافينيا عند العناد في أن ما يقوم به أبعد من زلّة، وأقرب إلى حياة جديدة. عندما يحلّ في الحفل العائلي بالأعياد، نشهد تواطؤ الزوجة المغدورة في تهريب هديته لابنته، بعد أن زجرته: «ما إن تنتهي جلسة العشاء، عليك الانصراف إلى الأبد». وبالضرورة، فإن إزاحته من العشّ العائلي الصغير تمثّل عقابا لا بد منه. في حالة الثانية، تكون المواجهة بين قوة الشر الواسعة الضرر (رولاند) وصمّامه الجنسي (سافينيا) حاسمة، إثر قراره الاستحواذ عليها من زوجها، وإبعاده إلى أندونيسيا. وعندما يرفض طلبها، تقرّر الذهاب إلى المنتهى وهي تقول له بعد المواقعة الأخيرة: «أنا لا أخشاك». هنا، يتأكّد لنا أن الخائن يُهندس عقابه بقدر فسوقه، وإقصاءه اللاحق بقدر دنائته.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة