As Safir Logo
المصدر:

القراءات الجديدة للنصوص وتوظيفاتها الثقافية والسياسية (3)

المؤلف: السيد رضوان التاريخ: 1999-11-04 رقم العدد:8443

I انطلقت القراءات البنيوية للقرآن من مسلمات ظاهرة لا يمكن لأحد ان ينكرها او يتنكر لها لأول وهلة. فالقرآن حسب أمين الخولي وسيّد قطب وبنت الشاطئ، وحتى السلفيين من أمثال جمال الدين القاسمي ومحمد الطاهر بن عاشور (صاحب التحرير والتنوير) نص موحى شديد التوحد، وله عالمه ورؤيته الخاصة في الكون والعالم والانسان، وتدبير العالم والانسان. لكن السلفية القديمة والمحدثة هدفت الى التصدي للاسلام الشعبي وأعرافه وتقاليده وطرقه، فعمدت الى تفسير القرآن بالقرآن، او بالسنة الصحيحة. وفيما عدا التأكيد على ضرورات الاجتهاد، ما تنكرت للآليات اللغوية بل والفقهية التي تعود المسلمون على قراءة القرآن بها. أما البنيويون المعاصرون فكان همّهم »تجديد« تلك الآليات بالذات، عن طريق التنكر للتفسير السياقي الذي يستخدم أدوات خارجية قاصرة في قراءة القرآن. وقد قيل انه كان لدى الشيخ أمين الخولي مشروع لترجمة كتاب نولدكه »تاريخ القرآن« للعربية. ويعنون بذلك ان هؤلاء تأثروا بالمدرسة الاستشراقية الألمانية في رؤية القرآن. ولا شيء أبعد عن الصحة من ذلك. فمدرسة نولدكه وشواللي وبرتزل وآخرين شديدة التاريخانية كما هو معروف، وما استطاعت القيام بغير قراءات سياقية للقرآن ذات طابع فيلولوجي وتاريخي. وهذا معنى إقبالهم على نشر نصوص عربية قديمة في مفردات القرآن، وفي القراءات القرآنية، وفي المجاز القرآني، وفي غريب القرآن، وفي جمع القرآن، وفي عناية المسلمين بالقرآن في النقط والإعجام والتجزئة، وفي مناهج التفسير الوسيطة.. الخ. فقد حاولوا ان يسلكوا مع القرآن كما سلكوا مع نصوص العهدين القديم والجديد بفهمه فهما تاريخانيا تطوريا. بينما كانت النزعات البنيوية الجديدة شديدة الثورة على المفسرين التقليديين، وعلى المستشرقين على حد سواء، الذين اتهموهم بشرذمة القرآن، ومحاولة فهم كل آية او سورة على حدة، بينما هو نص واحد، وعالم واحد. فاذا كان البنيويون قد تأثروا بأحد او بمذهب، فليس بنصوص ومذاهب المستشرقين، بل بالنظريات الجديدة في الأدب وبالأسلوبية، والتي تتحدث عن العوالم الخاصة والمقفلة للنص، والطبقات المتعددة لقراءته. واذا كانت مدرسة التفسير البياني قد قدمت لأول مرة مقدمات منهجية لقراءة بنيوية للنص القرآني، فان سيّد قطب كان أول من قدم قراءة كاملة للقرآن حسب هذا المنهج. وقد قامت بنت الشاطئ بتفسير بعض السور القرآنية حسب المنهج البياني، لكن هناك فارق أساسي بينها وبين سيد قطب. لقد كان همها قراءة »أساليب« القرآن في التصوير وفي التأثير باعتباره نهجا للهداية. بينما كان هدف سيد قطب إثبات أن هناك تصورا قرآنيا متكاملا للاستخلاف الإلهي للانسان في الكون، وان هذا التصور ليس قابلا للتطبيق وحسب، بل هو ضروري لبقاء المسلمين مسلمين، ولبقاء الحياة الانسانية على هذه الارض: إما إسلام الرؤية القرآنية او الجاهلية! فالتفسير القطبي تفسير أيديولوجي، وهو لذلك لا يستطيع ان يتوسل الأدوات والآليات التقليدية، كما لا يستطيع قراءة القرآن قراءة سياقية حدثية او في ضوء العلوم والمذاهب الحدثية كما فعل إصلاحيو المنار.بيد ان ظهور القراءة البنيوية/ الأيديولوجية، ما أنهى القراءات السياقية، بل أحدث نوعا من الاستقطاب بين المنهجين، فبقدر تطرف الأيديولوجيين في اعتبار القرآن مرشدا في السياسة والاقتصاد والاجتماع، تطرف السياقيون الجدد في ما عُرف بالتفسير العلمي للقرآن، الى ان استطاع الأيديولوجيون في الثمانينات الاستيلاء على السياقيين ومحاولاتهم وما يزالون. واذا كانت أيديولوجيا »الاسلام هو الحل« قد أنتجت بنيويا تفاسير جديدة للقرآن، فان أيديولوجيا »الحداثة« قد أنتجت بنيويا ايضا تفاسير مختلفة للنص القرآني. وأول من يخطر بالبال في هذا المجال الدكتور حسن حنفي، الذي نشر أطروحته عام 1965 بعنوان: »طرائق التأويل: دراسة في أصول علم التفسير«. ومع انه ما طبّق ذلك المنهج في تفسير متماسك لبعض السور او للقرآن كله، فانه دأب على ترداد بعض التأويلات لآيات قرآنية في كتاباته ومحاضراته، لا يمكن فهمها الا على خلفية التأمل فيما جاء في دراسته السالفة الذكر فهو يرى ان »الوحي« ليس نصا منزلا من عند الله، بل هو جدل وحوار صاعد من الانسان الى الرحمن، او انه انفتاح دائم ونمو دائم ناجم عن قراءة الفرد والأمة للنص من خلال حاجاته ومطامحه وحاجاتها ومطامحها. وهذا الفهم رغم انه غائم ولا يمكن القبض عليه، فالواضح انه لا يمكن اعتباره بنيويا، الا بمعنى ان يقول بقراءات متوالية ومتعددة للنص حسب حاجات الأمة والمرحلة. وهكذا فهو سياقي في الحقيقة في البواعث والأهداف، ثم انه أيديولوجي في الأهداف او المقاصد بالذات. ولا تنجلي أبعاد هذا التصور الأيديولوجي الا اذا لاحظنا التقابل الذي يقيمه حسن حنفي بين القرآن والتراث. فالتراث ليس ماضيا منقضيا وحسب، بل هو ماض سلبي ما يزال يؤثر في الوعي واللاوعي، وهذا التواصل المتجدد مع القرآن هو الذي يبتُر وينهي سلبيات التراث الذي يعجّ بقيم ومعاني الخضوع والتواكل والأسطورية. فنحن عندما نفسّر قوله تعالى: (ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام)، بأن وجه الله عز وجل انما هو الخبز والحرية، فانما نكسب الجمهور للاسلام، والاسلام للعالم، ونضع حدا لاعتبار القرآن نصا شعائريا متعاليا لا علاقة له بهموم البشر ومصير العالم. ويهدف محمد أركون في قراءته التفكيكية للنص القرآني الى عكس ما قصده حسن حنفي تماما. فهو يرمي من خلال تفكيك بنية النص الى اكتشاف »النظام المعرفي« فيه، والذي أخفته القراءات القروسطية. ويعني ذلك من ضمن ما يعنيه ان هناك »أرثوذكسيات« ما تزال تتحكم بالنص وقراءته، والتفكيك النصي يميز بين المنظومة المعرفية القديمة، والظاهرة القرآنية، اي السمة المتعالية القابلة لأكثر من احتمال وأكثر من دلالة. وهكذا فان أركون فيما يقول لا يريد تحرير الناس من النص، بل من القراءات المنقضية والمعطلة للنص. لكن الحفائر والدثائر الأنثروبولوجية والألسنية وغيرها من الآليات الحديثة التي يخبرنا أركون انه يريد استخدامها، تُظهر ان تحرير النص هذا، لا يتوقف عند حدود إطلاق الامكانيات الاخرى، بل يكشف عن »حقائق« كانت مخفية بعناية ضمن »اللامفكر فيه«: قصة الفتية في سورة الكهف تتكشف عن أسطورية رائعة، وآيتا سورة التوبة (3029) يتبين ان تأويلهما بعد التفكيك يعطينا معنى آخر تماما للعلاقة بأهل الذمة والكتابيين. والأمر نفسه في آية الكلالة، التي يكشف التفكيك عن تحريف نحوي متعمد لها لمنع إحداث ثورة في نظام الإرث، وبالتالي في العلاقات الاجتماعية! ويختلف محمد شحرور في »الكتاب والقرآن« عن حسن حنفي في الآليات، اي في طرائق التعامل مع النص القرآني، إذ انه لا يتجاهل السياقات الداخلية للنص، ولا يرى ان الانسان ينمي النص. لكنه يتفق مع حنفي في الأهداف: يريد ان يبقى النص في متناول الناس، وفي خدمة حاجاتهم المادية والروحية. فمشكلة المسلمين في نظر شحرور انهم لا يحسنوا قراءة القرآن، والا لاكتشفوا الحقيقة الكاملة الكامنة فيه. فهناك في نظره القرآن الذي هو جزء من المصحف خاصيته انه متشابه التركيب. اما الكتاب فهو الدال على اسم جنس يتصل بموضوع. وأما الذكر فهو تحول القرآن الى صيغة لغوية انسانية منطوقة بلسان عربي. و»الفرقان« هو الوصايا العشر الواردة في سورة الأنعام! وما قام نصر حامد أبو زيد بتفسير تطبيقي لبعض سور القرآن، باستثناء ما فعله أخيرا من القيام بقراءة جديدة للآيات المتعلقة بالمرأة، وما أدت به هذه القراءة الى نتائج أبعد مما توصلت اليه مدرسة المنار، بكثير. بيد ان مقاصده ظلت هي هي مقاصد حسن حنفي: وضع القرآن في متناول العامة والجمهور، وخدمة مصالحهم وحياتهم بتفسيره تفسيرا تحريريا واجتماعيا. ولا يمكن الحديث كثيرا عن »منهج« أبو زيد في التفسير، فقد احتار طويلا بين أركون وحنفي، ثم انحاز لحنفي في المقاصد، مع معرفة أفضل بلغة القرآن، وبالألسنيات. II سيطرت على قارئي القرآن منذ تفسير قطب الأهداف والمقاصد، الى حدود لا تتناسب والطرائق والأدوات المستخدمة. وقد اتفقوا جميعا على رفض التفاسير القديمة، ومحاولة الاصلاحيين التوفيقية. وبسبب الإعراض عن الآليات التقليدية، وعدم القدرة على تطوير آليات جديدة، فإن تلك التفاسير غلبت عليها نزعتا الراديكالية، والغرائبية. ومع ان أحدا (باستثناء محمد أركون في حالة واحدة) ما تعرض لبنية النص القرآني او مفرداته بالإنكار او التغيير، فإن المحاولات المذكورة كلها غلبت عليها نزعات التحكم والفردية وهو ما زاد من النزوع الأيديولوجي الضيق. والحق ان التفاسير الجديدة كلها ظلت ضعيفة التأثير في الوعي العام، بل انها تتخذ سمات فضائحية في كثير من الأحيان، بسبب هجمات المتشددين المسلمين عليها. اما الذي بقي في الوعي فالأطروحتان اللتان قدمهما سيد قطب من خلال تفسيره وكتيباته الاخيرة: ان القرآن يملك حلا لمشكلات المسلمين والعالم، وان هذا الحل (الشريعة الاسلامية) ضروري التطبيق (في الدولة الاسلامية) إن أُريد لهذا الدين، وهذه الأمة، ان يستمرا. رضوان السيد

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة