As Safir Logo
المصدر:

محمود عمار: «أبو حسين»

المؤلف: زين احمد التاريخ: 2010-05-27 رقم العدد:11600

أدار ظهره لـ«ساحة النجمة» ومشى تاركاً وراءه سنين كثيرة العدد لو كانت قد توافرت لغيره لاستملك مقر الساحة وأورثه الى أبنائه بدلاً من ان ينهي عقد الإيجار وهو على قيد الحياة. لم تكن النيابة قد أتعبت محمود عمار ليغادر ساحة النجمة في انتخابات سنة 1992 ولم يغادرها ليسلم الراية الى ابن او الى من تربطه به قرابة دم او لواحد من الجيران ولكن أبا حسين كان قد نذر لمن تكن باسمه ان يقدم كل ما يستطيع من أجل انهاء المعاناة البشعة التي كان يراها ويسمعها من وطنه فجاء «صلح الطائف» ليستحق ان يستوفي النذر. فمنذ بدء الحرب اللبنانية القذرة، كان أبو حسين يعيش انين أناس «عين السكة» حيث ملاعب صباه ويشهد من على شرفة منزله في الحازمية على مآسي القريبين ورغم ان المسافة بين الشرفة والعين لا تزيد عن مشقة حجر كان قطعها يحتاج الى «جوازات» من الذين لا يملكون حق منح الجوازات. ومن لا يقدر على ذلك كان عليه ان يكتب الوصية إذا ما توجه من الشرق الى الغرب او من الغرب الى الشرق. لقد عانى محمود عمار كثيراً مما رآه وكانت معاناته اكبر عندما كانت تطلب منه ام مساعدتها لفك «مصادرة» ابن لها وتبوء محاولته بالإحباط. وبهذا المعنى فإن «صلح الطائف» كان يستحق النذر ليس لأنه كان سبيلاً لإنهاء معاناة الناس إنما لإبعاد معاناته عن نفسه ولعل تقديم 35 سنة من الحياة النيابية هوية لـ«الطائف» كان يستحقها وكافية لتبرئة ذمة من نذر. لم يكن دخول محمود عمار الحياة النيابية صدفة فانتسب إليها مستنداً الى رئاسة بلدية برج البراجنة لسنين عديدة حيث مارس «ستاجاً» كافياً للعمل في الحقل العام متسلحاً بإجازة حقوق وبرضا الوالد حسين الذي كانت تربطه صداقة خاصة مع الرئيس كميل شمعون الذي دعم ابن صديقه فكان خياره في محله فعندما أسس الرئيس حزب الوطنيين الأحرار انضم إليه النائب عمار ولم يغب عنه إلا بعد ان استولد منه «النمور» وأبو حسين كان ضعيفاً امام تكتكة عصفور فكيف إذا كان سيعيش مع نمور شرسة؟ إلا ان غياب عمار عن الحزب لم يبعده عن رئيسه فاستمرت الصداقة والود بينهما وقد أفاد أبو حسين من هذا الوفاء خلال سنوات الحرب عندما كان يوسط الرئيس شمعون في تحرير ابن ضاحية اقتيد من الحدود بين «الشرقية» و«الغربية» الى غياهب السجون وفي تسليم جثة اقتيد صاحبها الى دار الآخرة. وفي المقابل كان ينزل عند طلب الرئيس شمعون تحرير إنسان آخر اقتيد الى مثل الاول انما في اتجاه معاكس. ان مثل هذه العلاقة بين محمود عمار والرئيس كميل شمعون كانت تفصيلية فهناك من يعتقد ان أبا حسين اكتسب من رئيس الأحرار حنكة سياسية وأساليب اللعبة البرلمانية وقد ساعده على ذلك نائب رئيس الحزب النائب كاظم الخليل حيث يتشكل من الثلاثة نموذج في الحياة البرلمانية كاد ان ينقرض اليوم ان لم يكن قد انقرض وإذا كانت ممارسة شمعون ونائبه في اللعبة البرلمانية قد اصبحت شبه معروفة، الا ان ممارسة أبي حسين ما تزال بحاجة الى نفض غبار النسيان عنها. ففي جلسة المجلس أواخر سنة 1979 طرح اقتراح قانون لتعديل مادة في قانون الدفاع. وكان نصاب الجلسة يكتمل في حضور 48 نائباً. كان رئيس المجلس كامل الأسعد وأكثرية النواب مؤيدين للاقتراح ولا يعارضه إلا النائب عمار الذي أوضح أسباب رفضه ولكن الرئاسة أصرت على طرح الاقتراح وعندما تأكد ان التصويت سيؤدي الى إقراره قال ان لا نصاب في الجلسة. فعد الأمين العام النواب وقال يتواجد في القاعة 48 نائباً أي العدد المطلوب لاكتمال النصاب تماما. وهنا امسك عمار بحقيبته وخرج قائلا: ديموقراطيا أعلن انسحابي من الجلسة قبل التصويت وتعطل إقرار الاقتراح. فمحمود عمار كان في حياته يحارب بالموقف والقانون ولم يحصل ان شذ عن ذلك أبداً وفي معظم الحالات كانت مواقفه السياسية لا تظهر إلا في المجلس النيابي واثناء انعقاد الجلسات وقلما ادلى بتصريح خارج عمله النيابي على غرار الانفلاش الحاصل اليوم بين السادة نوابنا هذا العصر. أبو حسين، كما كان محمود عمار يحب التعريف عنه انتقل الى النيابة من رئاسة البلدية متسلحاً بإجازة حقوق. بدأ نائباً سنة 1957 ولم تبتعد الناس عنه حتى إنهائه النيابة طوعاً بعد 35 سنة فكان أميناً على الناس الذين كانوا مخلصين له وعندما غاب أبو حسين عنا كانت النيابة وفية له عندما اختارته رابطة النواب السابقين رئيساً لها. له الرحمة والى عائلته والسيدة عفت وأنجاله الستة الصبر والسلوان. وقدر الله للحياة النيابية وللبنانيين ان يوصلوا الى ساحة النجمة من امثال محمود عمار الذي لم تشغله معاناة الناس عن ممارسة واجبه النيابي بدقة وان بالوفاء لقناعاته.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة