As Safir Logo
المصدر:

أسرة مجلة «شعر» تتذكر العدد الأول احتفاءٌ بيوسف الخال و«دفنٌ» للمجلة

من الاحتفال (من اليمين) العظمة، رفقة، الحاج، أبي شقرا وأدونيس (مصطفى جمال الدين)
المؤلف: حبش اسكندر التاريخ: 2010-05-19 رقم العدد:11594

قد تكون هناك أكثر من نقطة إيجابية في الاحتفال بأسره – الذي أريد منه أن يكون لقاء تذكريا وتذكاريا لصدور العدد الأول من مجلة «شعر» - لا بدّ أن نتوقف عندها. لكن لنعد إلى القصة من بدايتها. ضمن احتفاليات بيروت عاصمة عالمية للكتاب رغبت «دار نلسن»، بشخص المسؤول عنها، سليمان بختي، أن تحتفي بذكرى المجلة التي لعبت منذ صدورها في شتاء العام 1957 – الدور الأكبر في عملية تحديث الشعر العربي المعاصر. تلخصت الفكرة في إعادة طبع العدد الأول منها، بالتعاون مع وزارة الثقافة في لبنان، على أن يوزع مجانا في لقاء، قيل أنه سيكون «بحضور شعراء المجلة الأساسيين»، مثلما جاء على غلاف الدعوة. والأساسيون هنا، هم بالتأكيد، من بقي منهم على قيد الحياة (أطال الله في عمرهم)، إذ ثمة أساسيون قد غادروا الحياة على فترات مخالفة: أولهم مؤسس المجلة يوسف الخال، ومن ثم توفيق صايغ، ومحمد الماغوط، وعصام محفوظ، وأسعد رزوق من دون أن ننسى الذين نشروا فيها من مثل بلند الحيدري وفدوى طوقان وغيرهم الكثيرين. بصراحة، لم يكن أحد يتوقع أنه يمكن أن يجتمع كلّ هؤلاء الشعراء، دفعة واحدة، تحت سقف واحد، على الأقل نظرا إلى ما يعرفه الجميع عن «المشاحنات» والسجالات التي تجمع بين شعراء تلك المجلة. بيد أن «المفاجأة» كانت في قدومهم جميعا: انسي الحاج، شوقي أبي شقرا، أدونيس، فؤاد رفقة، عزيز العظمة، رياض الريس، بينما تغيبت الناقدة خالدة سعيد. هو إذاً لقاء تحقق، في «جمعية خريجي الجامعة الأميركية في بيروت»، وهو أحد الأمكنة التي كانت تستقطب خميس «مجلة شعر». ثمة حنين بالتأكيد، عند أناس عرفوا تلك الفترة وعايشوها، من هنا ربما تفسر تواجد هذا الحشد الصغير الذي اجتمع والذي تذكر تاريخا ماضيا ومدينة كانت تحاول أن تكون حلمها، في فترة ما قبل الحرب، التي أتت وقتلتها. وإذا ما تحدثنا عن التاريخ، نفهم سبب وجود هذه الفئة العمرية التي كانت تسيطر على الجمهور، أقصد لم نكن نشاهد شاعرا شابا من الجيل الجديد (لا يتجاوزون عدد الأصابع كما يقول المثل)، لنطرح فعلا السؤال، ليس عن مدى التواصل فقط، بل عن مدى حضور «مجلة شعر» في الثقافة الشعرية الراهنة – بكونها مجلة – عند الجيل الجديد. بمعنى آخر، لعبت المجلة دورها، ومضى الزمن، وهي لم تعد حاضرة – على الأقل في ما شاهدنا – إلا عند فئة تحب أن تستعيد تلك الفترة «الذهبية». في أي حال، ليست المشكلة هنا. إذ ستبقى «شعر» نقطة متجذرة في تاريخ الشعر العربي الحديث، شئنا أم أبينا. لكن الأهم في ذلك أن المناسبة تحولت إلى استذكار ليوسف الخال. لربما كان من المعيب أن تمر سنة بيروت عاصمة عالمية للكتاب، من دون أن يحضر فيها الخال، ولو في لقاء صغير، لكن هذا ما حدث، وقد أعادته الذكرى إلى لقاء «الأصدقاء»، وهذا ما هو جميل في الأمر، أي أن تشعر أن «المؤسس» لم يختف كليّا عن الوجود، وأنه على الأقل باق في ذاكرة البعض الذين أعادوا سرد بعض التفاصيل التي تبقيه حيّا، وبخاصة أن أمرا حزينا تسمعه، أشار إليه فؤاد رفقة، بأن قبر يوسف الخال لم يعد موجودا. ولا أعرف لِمَ تخيلت أن مجلته هذه هي المكان الذي سكنه حيا، وهي المكان الذي سيحميه وهو ميت. هي فسحة للحنين، وفسحة للتذكر، وفسحة «للرفاق» القدامى أن يستعيدوا تلك الحياة الماضية، كما أن يغمز كلّ منهم من قناة الآخر، ولو بشكل خفر، لا تحتمله المناسبة، كأن يقول أدونيس إن شعراء المجلة كانوا متنابذين شعريا و«أشك في أن يكون أحدنا كان يحب الآخر»، أو مثلما قال أنسي الحاج «لم يكن عندي الدور الكبير في المجلة وأنا نادم على الجانب الذي ساهمت فيه، لذلك أشعر اليوم بفرح المغلوب على أمره، هو فرح كاذب... ربما سيأتي وقت يتخطانا فيه الجميع هذا إن لم يكن قد تم تخطينا». ومن جهته، اعتبر رياض الريس أنه كان كومبارسا في المجلة «وسط حفنة من الشعراء، كانوا يجلسون في البلكون، أما أنا فكنت أجلس في الصالة. كنت صحافيا ولم أزل. العلاقة بيني وبين مجلة «شعر» كانت هي العلاقة بيني وبين يوسف الخال»... ليختم حديثه بتذكر اللقاء الأخير الذي جمعه بالخال في مكتبه بلندن حيث أوصاه الشاعر «يا رياض، لي عندك وصية واحدة، لا تتخانق مع أدونيس». لكن ومع ذلك، لم ينس الجميع استعادة يوسف الخال، فؤاد رفقة اعتبر أنه في «مماته يعود ليجمعنا بعد أن هبّت العاصفة على البيت الذي لن يُبنى من جديد». أما أدونيس فقد وجد أن شخصية يوسف الخال «كانت شخصية مختلف عليها شعريا في ما بيننا، وهو لم يكن رائيا شعريا متميزا وحسب بل كان رائيا ثقافيا أيضا». أما شوقي أبي شقرا فاستعاد في كلمته روحية المجلة التي كانت تجد امتداداتها مع روح العصر وروح يوسف الخال. هو احتفاء، لكنه أيضا «انسحاب» اقصد، لا أعرف لمَ أحسست أن قسما من الكلمات بدا أشبه بمأتم. هل معنى ذلك أنهم رغبوا في أن يدفنوا «شعر» وتلك المرحلة بعد أن تجاوزوها هم أنفسهم. ربما، لكن بالتأكيد، بقوا أوفياء للخال الذي جمعهم. ربما هذه هي القصة الحقيقية: تأسيس جمهورية خرافية كانت تدعى «شعر». لا أكثر ولا أقل.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة