طالعتنا محطة (الجزيرة) من قطر وبزاوية (شاهد على العصر) بمقابلة أجراها السيد أحمد منصور مع العقيد الركن عبد الكريم النحلاوي وعلى امتداد أكثر من عشر حلقات، لم يوفر فيها الرئيس جمال عبد الناصر بالتهجم عليه شخصيا، وتوصل بها إلى أن عبد الناصر هو صاحب الانفصال أولا وآخراً. إنني واحد من الذين يعرفون النحلاوي من بداية الأربعينيات من القرن الماضي، وعلى مقاعد الدراسة الإعدادية والثانوية، ولقد تقدمنا سوية لفحص الدخول للكلية العسكرية فنجح بالدخول، وهو كما قال عن نفسه «لا أتعاطى السياسة ولم أنتسب لأي حزب بحياتي» وفشلت بدخول الكلية العسكرية، لانتمائي السياسي القومي العربي ولنشاطاتي السياسية منذ العدوان الفرنسي على البرلمان السوري، وذبح حراسه فرداً فرداً وقيامي مع مجموعة من إخواني بإنقاذ الجرحى ودفن القتلى ثم التحاقي بجيش الإنقاذ في فلسطين عام1948. وتزاملت وإياه بالرحلات المدرسية، وكنت وإياه من المنتسبين للحياة الكشفية، لذلك عندما أخاطبه يسهل عليّ أن أناديه باسمه وله كل الحق كذلك معي. ولننتقل معه الآن إلى النواحي السياسية التي بدأها بـ(الانفصال) بين إقليمي الجمهورية العربية المتحدة. 1ـ لقد بدأ النحلاوي كلامه بالحلقة الأولى، بأنه كان لا يستطيع أن يتصور العدو الصهيوني على أرضنا في فلسطين بالمطلق، لذلك فضل الالتحاق بالكلية العسكرية لخدمة القضية الفلسطينية إلخ... وهنا سأتوجه إليه بما يلي: أستطيع أن أعدد مجموعة من ضباط الجيش السوري (ضباط قادة وغيرهم من زملائهم الضباط والرتباء) الذين التحقوا بالقوات المقاتلة على أرض فلسطين، ومن مختلف شرائح الشعب في سوريا فكان منهم الشهيد مأمون البيطار ومدربنا الشهيد الملازم أول إحسان كم الماز، ورئيسي المباشر الشهيد فتحي الأتاسي، وبشير الخاني ومحمد جديد، ومحمد البيطار، وأديب الشيشكلي وعبد الحميد السراج والعقيد مهنا، وشوقي الدقاق والعشرات من هؤلاء الرجال. في الحقيقة لقد فوجئت بالحماسة التي أدلى بها في تلك الحلقة عن فلسطين وأنا تعرفت على الجميع هناك، كما تعرفت وشاركت مع قيادة جيش الإنقاذ بداية بالقائد فوزي القاوقجي وزملائه المقدم محمود الرفاعي، والمقدم حكمت رحمون وبعض المدنيين من رفاقي منهم (السفير حاليا منيب الرفاعي) والمقدم فايز الرفاعي أحد أعوانه في الانفصال والمدنيين زهير العشي ووليد الكزبري وغيرهم... كثيرون. ولكنني في كل هذه المواقع لم أعثر على عبد الكريم النحلاوي. فهل زار في يوم من الأيام أي بقعة من أرض فلسطين؟ بوادر الانقلاب إن الانقلاب المعلن في الثامن والعشرين من ايلول عام 1961، لم يكن ابن ساعته، فقد خطط له منذ قيام الوحدة بين الإقليمين، الذي فاجأ الشرق والغرب على السواء، وكان مخالفا لكل توقعاتهم السياسية. كان الشريف ناصر (خال الملك حسين بن طلال) قد ألقى خطابا بالضباط في معسكر (الزرقاء) في الأردن، يبشرهم فيه بأن عبد الناصر سيندحر قريباً عائداً إلى بلده، وخلال الأشهر القليلة المقبلة. وكان ذلك قبل انقلاب الانفصال بثلاثة أشهر. وما دمنا قد أتينا على ذكر هذه الواقعة، فلقد كانت هناك واقعة أبلغ وأهم قام بها الملك حسين نفسه مساء الثامن والعشرين من أيلول، وكنت شخصيا في مكتبك بناء على دعوة وجهتموها لي لمقابلتكم مع مجلس القيادة. وقد اعتذرت عن هذا اللقاء، وتجاه إصراركم، فقد اجتمعت مع رفاقي الدكتور جورج حبش، وهاني الهندي وثابت المهايني، واستقر رأي الجميع أن أذهب لملاقاتكم ولاستكشاف الوضع. ولكنني رفضت أن أذهب منفردا لعلاقتي معك وبعض إخوانك، فجاء معي هاني وثابت وكان فحوى اتصال الملك حسين ما يلي: «أعلمكم بأنني وضعت تحت تصرفكم ستة ألوية تتحرك بإمرتكم وتتلقى تعليماتكم»! وكان من تلقى المخابرة العميد موفق عصاصة الذي يقف إلى جانبك وبحضورنا. وقد تلتها مخابرة أخرى من الملك حسين تلقاها المقدم منيب الرفاعي يؤكد فيها أن «القوات وصلت إلى الحدود وهي بانتظار تعليماتكم...». وعندي الكثير من الحواشي المتصلة بتلك الليلة المشؤومة، فقد سمعت كل تعليماتك لمختلف القطعات وتعليماتك للعقيد منصور بإبادة فوج المظليين المصريين وغيرها وغيرها. على المستوى الدولي أ ـ دُعي مدير المباحث العامة آنذاك المقدم منيب الرفاعي إلى ألمانيا، واستقبل من قبل زميله في ألمانيا الغربية مدير المخابرات العامة بمنتهى الحفاوة. وقد خاطب الألماني السيد الرفاعي بقوله: إنني أتكلم باسم كل الدول الشرقية والغربية. إننا نحب سوريا ونحترمها، ونحب شعبها المقدام، ونحن على استعداد لتقديم أقصى المساعدات لهذا البلد، ولكن بشرط واحد: «أن لا يفكر أحد بالوحدة ـ أية وحدة ـ ولا بالاتفاق مع الرئيس عبد الناصر مهما كان الثمن، وغير مسموح من قبلنا أبدا القيام باتحاد حتى بين اليمن وموريتانيا وحتى قيام الساعة...». فهل تستطيع يا عبد الكريم، أن تنفي كلمة واحدة مما أقول، وأبلغك بذلك في حينها المقدم والسفير حاليا الأخ منيب الرفاعي؟ ب ـ بتاريخ عام 1998 أقيمت ندوة في جريدة «الأهرام» بالقاهرة في ذكرى الانفصال ودعيت إليها شخصيات سياسية من أرجاء الوطن العربي كله وكنت واحدا منهم، وحضرها بعض الأجانب أيضا. وأثناء المداولات عن كيفية حصول الانقلاب وقف اللواء طه المجذوب، وادعى أنه يعرف كل ضباط الجيش السوري فردا فردا وانه أدخل الدبابات T-34 إلى سوريا، وهو الذي دربهم عليها... وان هؤلاء الضباط كلهم (بتوع الخماسية) إلخ. وتكلم عنكم بمنتهى السلبية... وكان رئيس تلك الجلسة الأخ الأستاذ معن بشور، فاستأذنت بالكلام ووجهت كلامي مباشرة إلى اللواء المجذوب، وقلت له حرفيا، يا سيادة اللواء، لقد دخلت إلى سوريا وخرجت منها كما دخلت. فاللواء الذي دخل دمشق من قطنا كنت أنت رئيسه، ورئيس أركان اللواء المقدم مهيب الهندي. فأين كنت تلك الليلة يا سيادة اللواء؟ ثم بموضوع الدبابات T-34، فلم تعرفها مصر آنذاك، لأنها استوردت لسوريا أيام الرئيس شكري القوتلي، في الوقت الذي كان السوفيات على صلة غير حميدة مع مصر. أما الضباط الذين أشرت إليهم، فإن زوجة عبد الكريم النحلاوي، هي أخت المقدم مهيب الهندي، وتربطني بهذه العائلة أواصر الصداقة أباً عن جد. وهنا انتصب الفريق محمد فوزي وقال: أؤيد الأستاذ ممدوح في كل كلمة قالها، وانفجرت القاعة بالتصفيق، وانسحب اللواء من القاعة. هذه أخلاقنا يا عبد الكريم فالوفاء من شيمنا ورغم الخلاف السياسي بيننا. وبهذه المناسبة، فقد قلت، غفر الله للرئيس عبد الناصر، لأني أتصور أن أسوان إذا ما أعلنت انفصالها عن مصر، فماذا سيكون موقفه؟ وماذا سيكون رد فعله. ألا تستحق سوريا أن يركب الرئيس عبد الناصر الطائرة، ويحط في أحد مطاراتها ويقول: أيها المواطنون، عندها سيكون صوته أقوى من الجيشين الأول والثاني. غفر الله له. وهنا وقف السفير (مراد غالب) وهو من أهم سفراء مصر، وكان سفير الجمهورية العربية المتحدة في الاتحاد السوفياتي وقال: «في يوم الثامن والعشرين من سبتمبر 1961 استدعاني (كوزنتسوف) وقال لي حرفيا (لقد قام انقلاب وطني وديموقراطي، في سوريا، وقد اعترفنا به، ونحن نؤيده كليا، واعتبارا من الآن، أنت سفير لمصر فقط لدينا. فأجبته سأتصل بالرئيس عبد الناصر، لأعلمه بذلك، فكان جوابه، هذا لا يهمنا، وأنت عندنا سفير لمصر». وأضاف لما قصدت السفارة، تحوط الموظفون حولي، وأبلغوني أن التلفزيون الرسمي، أعلن عن الانقلاب في سوريا وتأييده المطلق لهذا الانقلاب الوطني والتقدمي.. ثم أضاف، وبعد عدة أيام كان هناك احتفال بالعيد الوطني السوفياتي فانتحى بي خروتشوف جانبا، وقال لي: «لقد كان عبد الناصر حصيفاً بإرجاع قواته المتجهة إلى سوريا من عرض البحر إلى مصر وعدم ركوبه الطائرة إلى سوريا.. فصواريخ الأسطول الأميركي، والصواريخ الاسرائيلية، كانت له بالمرصاد». على المستوى الشخصي أما أنا ابن دمشق التي أعتز وأفتخر بانتمائي لذرات ترابها، وبخاصة لحي من أحيائها، هو حي الميدان، حي الثورات والجهاد، وعلى مر العصور. وهنا أتوجه إليك يا عبد الكريم بالسؤال التالي: هل أنني أعطيتك تفويضا مفتوحا بأن تتكلم باسمي، وباسم من أمثل، وأنت تعرف جيدا حقيقة ذلك أننا ضد الوحدة لتشملنا وتقول كل الشعب السوري كان ضد هذه الوحدة؟ فالقارئ الآن، الذي استمع لحلقاتك، لا يعلم بأكثريته، أنك فاوضتني على اشتراكي بأول وزارة للانفصال، وكنت تردد أنك خلصتنا من الضباط المصريين، الذين قدموا إلى دمشق لاعتقالك أنت وإخوانك لتوضعوا في سجن (أبو زعبل). وبعد أن استمعت لكل ذلك قلت لك حرفياً: 1ـ نحن مع الرئيس عبد الناصر. 2ـ نحن مع الجمهورية العربية المتحدة. 3ـ علم واحد، نشيد واحد، ورئيس واحد. 4ـ أما المشاكل العسكرية، فإنكم تستطيعون بحثها في ما بينكم، لأنها خارجة عن نطاق بحثنا (مذكراتي عن دار النفائس ـ في بيروت). وهنا انتفض أحد زملائك وهو (العميد عبد الغني دهمان) ووجه لي كلمة نابية وللرئيس عبد الناصر، فهل تذكر جوابي له؟ أنت تعرف معرفة تامة، لقاءنا الأول مع المشير عامر في بيته قبل أسبوعين من مغادرته وسمعت بالمشادة العنيفة بيني وبينه وكنت حاضرا لها، ثم الاجتماع الثاني بالأركان العامة، عندما أحرجناه بالسفر إلى القاهرة مع السراج ليحتكموا لرئيسهما ورافقناهما إلى المطار، ولا حاجة للدخول بتفاصيل التفاصيل. ولا بمؤامرة المشير وشمس بدران، وأمراء الألوية المصريين في سوريا والذين لم يطلقوا طلقة واحدة، لأنهم ينتظرون تعليمات المشير بالمطالبة بتنحية شخصية كبيرة؟ فمن هي هذه الشخصية يا ترى؟ ولم يكن هناك من أحد من كل القادة الذين ذكرتهم بداية من قائد الجيش إلى كل الضباط المصريين كان له دور بذلك، بل كان للقوميين العرب الفضل بذلك والذين لم تذكر لهم إلا السلبيات ومن وجهة نظرك. هل تذكر عندما أخرجت ورقة ملفوفة، فتحتها أمامي وبها شيء أخضر مطحون، تعرفت عليه على يديك، قلت لي، لقد وجدنا هذه العلبة الملأى بالحشيش في مكتب المشير عامر. وفي تلك اللحظة كنت على قليل من المعلومات عن اشتراككم معه، لتدبير انقلاب ضد الرئيس عبد الناصر بقيادته وبرئاسة شمس بدران تحديدا. ثم هل تستطيع الإنكار، أن قدري نافع رئيس المخابرات المصرية في سوريا كان بصحبة المقدم حيدر الكزبري عندما ذهبا إلى دارة كبيرة المذيعات وأخذوها من دارها إلى الإذاعة في منتصف الليل لتعلن هنا إذاعة الجمهورية العربية السورية من دمشق. وعندي من التفاصيل ما لا يشرف أحداً. فيا عبد الكريم، هل تذكر آخر كلمة قلتها لكم قبل خروجي من مكتبك. وكان إلى جانبك رفيق مدني مشترك، وهو مستشارك ودكتور في القانون وأترفع حتى عن ذكر اسمه، وقلت لكم حرفياً: «سيبقى عبد الناصر، رمزا للوحدة، وسترمى أسماؤكم في مزبلة التاريخ». وبعودة ثانية للمقدم منيب الرفاعي الذي تلقى رسالة خالد بكداش إلى رئيس الحكومة الدكتور مأمون الكزبري التي يبارك له فيها بالثورة المجيدة ويرجوه إعطاءه تعليماته للسماح له بالعودة إلى بلده. فما كان من المقدم الرفاعي إلا أن ذهب للمطار. ومنع بكداش من مغادرة الطائرة وألزمه بإكمال طريقه بهذه الطائرة التي كانت متجهة إلى بغداد. وقد دار حديث طويل بين بكداش والرفاعي الذي قال له «تبعدونني عن بلدي، ولولانا ولولا تدخلنا لبقيتم تحت حكم الدكتاتور عبد الناصر، فنحن الذين أنقذناكم منه وتعاملوننا بهذا الشكل؟» فتحت هذه العناوين بين الشرق والغرب ورجال المخابرات من هؤلاء وأولئك وسأحيلك إلى كمال أدهم وغيره وغيره، وعلى الأمير طلال وأشقائه الذين أعفوا أخاهم من مسؤولياته وعينوا مكانه الملك فيصل. وعلى عبد الحميد السراج والشيكات المحولة إليه لاغتيال عبد الناصر، وعلى مذكرات مدير البنك العربي (واصف كمال)، وعلى النائب في البرلمان السوري عزيز عباد وعلى وعلى... في الحقيقة يا عبد الكريم. إننا نتعالى على الجراح لكننا لم نحلم بأن تصل بين يدي محاورك إلى هذا المصير. [ ممثل دمشق في الاتحاد القومي ـ الجمهورية العربية المتحدة