موسيقى وغناء من آسيا الوسطى، هو البرنامج الفني الذي افتتحت به الدورة الرابعة من «مهرجان الربيع» الذي تنظمه «مؤسسة المورد» في برنامجين متزامنين، أحدهما يُعقد في القاهرة، والآخر، موضوع مقاربتنا، ويجري على مسرح «دوار الشمس». البداية إذن، فنون من آسيا الوسطى في اختيار موفّق لإدارة المهرجان، عُرضت مساء الجمعة الفائت في أمسية ذات شقين، أولهما مع المغنية والعازفة الأوزبكستانية نوديرا بيرماتوفا في كلاسيكياتها المعروفة عنها، وفي غناء على علاقة بشمال أوزبكستان تحديداً، بالإضافة الى استعادات من التراث الشعبي لبلادها، مُصاحباً بعزف المغنية نفسها على آلة «دوثار»، الآلة الوترية التراثية وتشبه البزق الى حد، ويميزها عنقها البالغ الطول. لوديرا بيرماتوفا بلباسها التراثي، على مسرح «دوّار الشمس» الذي شهدت قاعته حشد جمهور لافتاً، تعرّف أولاً على المغنية والعازفة، من خلال فيلم قصير عرض الى جزء من حياتها، والى نوع الموسيقى، والغناء الذي تُغنيه. بيرماتوفا الهادئة، الواثقة في ما تؤديه، أقنعتنا بجمال صوتها على جهلنا بما غنته. نقيس جمال الأصوات في العادة حين تشدو بلهجات غريبة، من لحظة ينفلش الغناء ساداً فراغات فضاء المسرح، برخامة تلفنا وتشعرنا بالدفء وبالإشباع وبالرضى، فتنتفي الحاجة الى فهم معاني الكلمات، ونترك لأنفسنا كي تتلذذ بشعورها انها في حضرة صوت جميل. تغني بيرماتوفا، من تجويف حلقي مدرب، يمتلك تقنيات قريبة من «اليوديل» او الترنيم، وتتكفل حنجرتها بتزيين مقاطع الغناء، لكن من دون اسهاب في التزيين ذلك ان «الكلاسيكية» الصارمة، بدت منفذة بحذافيرها، غير سامحة بأي لعب صوتي. ليس الغناء ما تجيده بيرماتوفا فحسب التي قوبلت عليه بالتصفيق الحار من الحضور، بل هي أضفت من روح عزفها على «الدوثار» الكثير من السحر على الجمهور. ذكّرتني بيرماتوفا بفتيات الغيشا المدربات جيداً على الغناء والعزف. ما بين بيرماتوفا غناء وعزفاً، وسراج الدين جوريف (دوثار) وعباس قاسيموف (آلة «دويرا») اشتعلت منافسة خفية ونبيلة لكنها الاكتمال الأمثل للفقرة الأولى من الحفل الذي جمع ما بين تراثات أوزبكستان، ثم يليه في الفقرة الثانية ما يمكن تصنيفه تراث أفغانستاني مع العازف همايون ساكي، الذي طمح في عزفه الى شيء من عصرنة هذا التراث وجعله أقرب الى ذائقة العصر. عازفان يجلسان على أرضية المسرح، الموسيقي الافغانستاني همايون ساكي على آلته «الرباب» (آلة وترية افغانستانية) وسالار نادر على «الطبلة» في رغبتهما الى نواة حوار موسيقي فعلي بين ساكي (الأبرز في بلاده في العزف على «الرباب») ونادر في ضربه الموقّع، الحيوي، الضابط لمجريات العزف واللاقط لأدق تفاصيله. ساكي، المعروفة اشتغالاته على تطوير موسيقى بلاده الشعبية، بدت هذه الاشتغالات في حفل «دوار الشمس» واضحة، في جزئه الثاني بعد بيرماتوفا والموسيقيين المصاحبين. يهتم ساكي بشكل خاص كما بدا لنا، بشحن جمهوره بالرغبة في مشاركته، وهو سعى على آلته، الى ابتكارات لافتة، في رغبته الى إنشاء علاقة «الفهم» الضرورية بين الألحان التي يُرسلها، وتلقيها الطيب في آذان الجمهور. موسيقى غريبة علينا بالطبع، وخاصة، وجديدة على آذاننا، واحتاجت منا الى إصغاء شديد، لكن المحاورة الإيقاعية بين الآلتين، خلّقت علاقة آنية لأن الإيقاع موجود في كل شيء في حياتنا، ويسهم في تلك التوازنات الدقيقة التي تملؤها سواء في العيش او في الفن. العلاقة مع حوار الآلات على المسرح، ساهمت بنضوجها تلك المواضع العزفية التي كانت تتكرر بشكل جذاب. لعب ساكي على آلته متجاوزاً الخروج على التوافق «الهارموني» مع الطبلة لنادر، كما حاذر في مواضع عدة، الخروج على التراث كما هو مكتوب، سوى ان «العصرنة» إذا صحّ التعبير، كانت تأتي من طريقة العزف نفسه، ديناميته وحيويته وشبابه، مع الإبقاء على «كلاسيكية» القطع المكتوبة حتى في أكثر لحظات العزف رغبة في التجاوز. كانت الوحدة القياسية متناً وأساساً للآلات، أحيت روح المزج بينها، وحمت العزف من أن يكون غامضاً ومضطرباً، او الإيقاع من أن يكون ملوثاً او نشازاً.