ربما كان قدر الفلسطينيين ان يودعوا خلال الأشهر الماضية عدداً من رجالات النضال الوطني الفلسطيني، فكما غادرنا شفيق الحوت وأنيس صايغ، توفي في السادس والعشرين من شهر نيسان الماضي سعادات حسن، أول مدير لمكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة. هو الذي اعتزل السياسة منذ زمن، واختار الانزواء مراقباً لما يجري على الساحة الفلسطينية، متألما ومتأملاً فيما وصلت إليه حال الفلسطينيين، حتى أبى قلبه ان يتحمل المزيد، مفضلاً الالتحاق برفاق له سبقوه الى الراحة الأبدية. ولد سعادات حسن عام 1927 في بلدة بيتونيا قرب رام الله حيث تابع دراسته فيها لينتقل بعدها عام 1949 الى الولايات المتحدة لدراسة الهندسة الكيميائية في شيكاغو. لكن المهندس الذي تخرج عام 1953، لم يتحمل البقاء في وظيفة تقيّده عندما انطلقت ثورة الجزائر، فانتقل للعمل كإعلامي في مكتب جامعة الدول العربية في شيكاغو، وأصبح محاضراً عن القضية الفلسطينية، يجول على جامعات وكنائس الولايات المتحدة الأميركية معرّفاً بقضيته ومركزاً على الجانب العلماني لقضية فلسطين البعيد كل البعد عن الطائفية. وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1957 و1960 نشط سعادات في المجال الاعلامي فحاضر وكتب في الصحف الأميركية. وعندما هتفت قلوب الجماهير العربية عام 1958، بعدما اعلنت الوحدة بين مصر وسوريا، زار سعادات العالم العربي بقلب مفعم بالأمل مع اولى مظاهر الوحدة العربية، وهناك التقى عدداً من الزعماء والقادة العرب، وعلى رأسهم الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر. عام 1964 قرر سعادات حسن الاستقالة من منصبه كمساعد لمدير مكتب الجامعة العربية في نيويورك مفضلاً العودة الى ربوع الوطن، فلسطين، إلا ان الظروف شاءت ان تقوم منظمة التحرير الفلسطينية في تلك السنة، فعيّن سعادات حسن والدكتور عزت طنوس لتمثيل المنظمة في هيئة الامم المتحدة في نيويورك. ومرة اخرى كان نداء الواجب الوطني اقوى من نداء العودة، وأتاح هذا المنصب الجديد لسعادات حسن لعب دور مميز على صعيد القضية الفلسطينية في الندوة الدولية، ومن هنا كان الجهد الكبير الذي قام به من خلال منصبه لإنجاح زيارة الرئيس الراحل عرفات الى الأمم المتحدة عام 1974 والتي توجت باعتراف الجمعية العامة بمنظمة التحرير كعضو مراقب. وكعربي، وبشكل خاص كفلسطيني يمارس نشاطاً وطنياً في بلاد العم سام، لا بد ان يتعرض، على أقل تقدير، لتهديدات اللوبي الصهيوني الفاعل في الساحة الأميركية، فكيف إذا كان المقصود ممثل منظمة التحرير الفلسطينية؟ في هذا السياق تعرض سعادات حسن لأكثر من محاولة اعتداء، كان أبرزها عندما اقدمت مجموعة كان يرأسها الحاخام المتطرف مائير كاهانا، على ضرب سعادات ما ادى الى إصابته بجروح بالغة في رأسه. وفي حادث آخر، استهدف اللوبي مكتب المنظمة بعبوة ناسفة، اقتصرت خسائرها على الماديات. لكن اعتداءات اللوبي الصهيوني لم تمنع ممثل المنظمة من متابعة عمله في تحد واضح للصهيونية ومن يدافع عنها في الولايات المتحدة. بعد 12 عاماً من العمل، قرر سعادات الاستقالة من منصبه عام 1975، مفضلاً الإقامة في عاصمة عربية، فوقع اختياره على بيروت. وعندما استفسر ابو عمار عن سبب هذا القرار، كان جواب سعادات، انه يريد لولديه، سامر وعامر نشأة عربية وفلسطينية، تغرس فيهما حب القضية الفلسطينية. وكان قرار العودة هذه المرة نهائياً، فغادر نيويورك الى بيروت في شهر تموز 1975، حيث استقر مع عائلته فيها. لكن الأقدار شاءت، نتيجة للحرب في لبنان، وللظروف الأمنية، ان يعود طفلاه، بعد ان اصبحا في عمر الشباب لمتابعة دراستهما في الولايات المتحدة عام 1982، حيث اختارا العمل والعيش فيها بعد تخرجهما. لكنك، وأنت تحاور سامر وعامر، تتأكد، ان المسافات البعيدة جعلت فلسطين اقرب الى قلب الشابين، خاصة وأنت تراقب مدى اهتمامها بكل ما أنجزه والدهما على مدى السنوات في خدمة فلسطين وقضيتها. تندهش وأنت ترى الابتسامة تغمر وجهيهما وهما يحدثانك بزهو عن الوالد وعن المقالات الكثيرة التي نشرتها الصحافة الأميركية عندما كان سعادات ممثلا لمكتب المنظمة. وتغمرك الدهشة اكثر، عندما تحدثك الزوجة والوالدة، السيدة نعيمة عن أعوام من التقشف في نيويورك، وعن عمل الزوج الدؤوب في أروقة الأمم المتحدة مع البعثات العربية والاجنبية في سبيل القضية، وعن منزل صغير لا يتجاوز الغرفتين، وعن عائلة كانت تحرص على إظهار الوجه الامثل عن حياة الفلسطيني المناضل بعيداً عن ربوع الوطن. إنها باختصار سيرة لحياة مناضل عاش اكثر من ثمانين عاماً في حب فلسطين، لكنه تحول في السنوات الاخيرة الى نوع من الحسرة على من يحب. ربما، ربما، اختار سعادات حسن الذهاب بعيداً الى حيث يحتفل مع اصدقائه ورفاقه الذين عرف معهم معنى النضال الحق، ليرتاح معهم من مشاعر الغضب وغصة القلب وهو يراقب هؤلاء الذي يقتلون القضية كل يوم باسم المقاومة والنضال.