تتقدم عملية الإصلاح في تركيا وسط حقل من الألغام الكثيفة. ولا احد يمكن له التكهن إن كانت مجموعة إصلاحات حزب العدالة والتنمية، ستعبر الحقل من دون خسائر أو ضحايا. لم تكتمل أفراح الجولة الأولى بالموافقة على رزمة الإصلاح الدستورية، حتى تلقى حزب العدالة والتنمية صدمتين كبيرتين وخطيرتين سيكون على قيادة الحزب ورئيسه رجب طيب اردوغان شخصياً العمل على تلافي تداعياتهما. الأولى هي سقوط المادة المتعلقة بشروط حظر الأحزاب، والثانية «خيانة» بعض نواب الحزب، وبلغ عددهم حوالى الثمانية على الأقل لتوجيهات اردوغان، فعارضوا المادة، ما أدى إلى سقوطها في البرلمان. فبعد مرور المواد الدستورية الـ 28 المطروحة على التعديل في البرلمان بغالبية تفوق الـ 330 صوتاً في الجولة الأولى بما يتيح لها الذهاب إلى استفتاء شعبي، باشر البرلمان التركي الجولة الثانية من التصويت على تلك المواد، كما تقتضي إجراءات التعديل الدستوري، مطلع الأسبوع الحالي. وإذ مرت المواد السبع الأولى بنجاح، فإن التصويت على المادة الثامنة المتعلقة بتشديد القيود على إغلاق الأحزاب أخفق في الحصول على الـ 330 صوتاً كحد أدنى، ونالت المادة 327 صوتاً، ما يعني سقوطها من رزمة التعديلات وعدم طرحها في الاستفتاء الشعبي المحتمل. هذه المادة اكتسبت أهمية كونها إحدى المواد الثلاثة التي طالب زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض دينيز بايكال بمنع تعديلها مع المادتين المتعلقتين ببنية المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاة والمدّعين. وقد شارك في الجلسة 410 نواب، أيد تعديل المادة من بينهم 327 نائباً وعارضها 76 وامتنع نائبان عن التصويت. وهذه المادة كانت قد نالت 337 صوتاً مقابل 72 صوتاً فيما امتنع خمسة عن التصويت. وقد أعيد احتساب الأصوات مرة ثانية للتأكد من أن المادة لم تحصل على الأصوات الضرورية. ووقعت نتيجة التصويت وقع الصاعقة على قادة «العدالة والتنمية» وفي مقدمهم اردوغان الذي بدا متجهم الوجه وغاضباً بعد صدور النتيجة. ولغضب اردوغان أسباب وجيهة. إذ أن هذه المادة كانت تعني وقف تلاعب القضاء، ولا سيما مدّعي عام الجمهورية بالحياة السياسية، إذ تنزع المادة المقترحة صلاحية فتح دعوى إغلاق الأحزاب من يد المدّعي العام وتضعها بيد البرلمان. كما أنها تجعل ممارسة الحزب للعنف وليس تأييده كأحد شروط الإغلاق. سقوط هذه المادة يعني أن المبادرة لا تزال بيد «دولة» مدّعي عام الجمهورية العلماني المتشدد، حيث كثرت في الآونة الأخيرة شائعات احتمال تقديم دعوى لإغلاق «العدالة والتنمية» نفسه. ومع أن اردوغان قال إن سقوط هذه المادة لن يوقف عملية الإصلاح والتصويت على باقي المواد في البرلمان فإن الخيارات أمام رئيس الحكومة وحزبه بعد هذا التصويت كانت سوداوية ولا بد من التحرك السريع. إذ انه مع حق المدعي العام فتح دعوى لإغلاق الحزب فإن الكلمة الأخيرة ستبقى للمحكمة الدستورية. لذا فإن تعديل المادة الـ 17 المتعلقة ببنية المحكمة الدستورية اكتسب أهمية قصوى، كون نجاح هذه المادة يفتح الباب أمام تعديل بنية المحكمة الدستورية، بما يرفع من تسلط العلمانيين المتشددين داخلها ويبطل مفاعيل إبقاء فتح دعوى الإغلاق بيد المدّعي العام. وفي حال فشل المادة 17 في النجاح في البرلمان فإن لا أمل للحزب إلا بتعديل ما يريده من خلال دستور جديد يعمل عليه في وقت لاحق. وحتى تلك اللحظة، التي قد لا تأتي، سيواجه حزب العدالة والتنمية أخطاراً عديدة بالحظر ومنع قادته من العمل السياسي وما شابه. والصدمة الثانية التي تلقاها اردوغان أن السبب الأساسي في سقوط مادة حظر الأحزاب كان حصول «خيانة» في صفوف نوابه، إذ أن عدد نواب الحزب الآن 336 نائباً حضر منهم 335، فيما نالت المادة الثامنة 327 صوتاً، ما يعني أن هناك على الأقل ثمانية نواب من الحزب عارضوها. وبقدر ما كان مرور هذه المادة ضرورياً للحياة السياسية، بقدر ما كانت خيانة النواب لأردوغان موضع إحراج له ولزعامته وفي مادة حساسة جداً. ونشرت الصحف التركية، أمس الأول، أسماء متعددة لمن يعتقد أنهم النواب الخونة، ومن بين تلك الأسماء وجوه بارزة في الحزب مثل وزير التجارة السابق كورشاد توزمين، الرئيس السابق للبرلمان كوكسال طوبتان، النائب العلوي عن اسطنبول رها تشامور اوغلو، الوزير السابق مراد باش اسغي اوغلو والنواب عوني دوغان واحمد اي دوغموش ويوسف ضيا ايبريتش ووحيد ارديم. بل ذكر إن الاتهامات المتبادلة كادت تصل إلى التضارب بالأيدي بين نواب الحزب. اتجهت الأنظار أكثر شيء إلى المادة المتعلقة ببنية المحكمة الدستورية، ومن ثم تلك المتعلقة ببنية المجلس الأعلى للقضاة والمدّعين. وكانت لحظات صعبة وقلقة، إذ أن سقوط المادة كان يعني انهيار الأساس الذي قامت عليه رزمة الإصلاحات. لذا اتبع اردوغان هذه المرة مع نواب حزبه سياسة «القلب» عندما خاطبهم عشية التصويت بالقول إنه يخاطب قلوبهم لا أسماعهم، ما أثار حتى دموع بعض النواب الذين وجدوا أن قضيتهم واحدة وتتطلب التضامن. أما حزب الشعب الجمهوري فقد حاول زعيمه بايكال رشوة «العدالة والتنمية» بالتخلي عن مواد حظر الأحزاب والمحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاة والمدعين مقابل تأييد رزمة الإصلاح كلها. وبطبيعة الحال قوبل بالرفض لأن أساس الإصلاح تلك المواد الثلاث. لذا كان نجاح المادة المتعلقة بالمحكمة الدستورية في التصويت بمثابة «انتقام» سريع من سقوط مادة حظر الأحزاب، وعيد لدى نواب الحزب الحاكم الذين تهافتوا على بعضهم البعض تصفيقاً وتقبيلاً وتهنئة واحتضاناً عندما أعلن عن نجاح المادة 17 الخاصة بالمحكمة الدستورية بأكثرية موصوفة هي 337 نائباً، ما يعني أن جميع نواب الحزب، من حيث المبدأ، قد صوّتوا إلى جانبها مضافاً إليها نائبين مستقلين على الأقل. هذا إلا إذا اعتبرنا أن النواب الأربعة المستقلين الذين شاركوا في التصويت منحوا أصواتهم للمادة وبالتالي فإن هناك خيانة من نائبين على الأقل من داخل «العدالة والتنمية». فتح التصويت على مادة حظر الأحزاب قضية مهمة تتصل بالموقف الذي اتخذه «حزب السلام والديموقراطية» الكردي الذي يملك 20 نائباً. فقد صوّت نواب الحزب ضد تشديد القيود على حظر الأحزاب وإخراجها من يد القضاء، وكان من عوامل عدم حصول المادة على رقم الـ 330 الضروري لتذهب إلى استفتاء. ولا شك أن هذا الموقف فتح سجالاًَ واسعاً داخل تركيا، ليس فقط بين «العدالة والتنمية» والأكراد، بل داخل الحركة الكردية نفسها والأوساط اليسارية. إذ حمّلت أوساط واسعة «السلام والديموقراطية» مسؤولية أخلاقية كبرى في سقوط مادة ربما تكون أكثر أهمية له من «العدالة والتنمية». إذ أن الأحزاب الكردية كانت، أكثر من الأحزاب الإسلامية، الضحية الأكبر لقوانين الأحزاب التي لا تزال موجودة، والتي أدت إلى حظر جميع الأحزاب الكردية من دون استثناء على امتداد السنوات العشرين الأخيرة. ولعل «حزب السلام والديموقراطية» لم يستطع أن يغلّب عقله على غرائزه، عندما فضّل أن يبقي قانوناً للأحزاب يؤذيه أكثر من غيره، على أن ينضم إلى رزمة الإصلاحات التي تعزز الديموقراطية والحريات. وتتهم أوساط «العدالة والتنمية» الحزب الكردي بأنه يحمل أجندة هدفها عدم تعزيز الاستقرار في توافق غير معلن وضمني مع المعارضة التركية، أو ربما القوى الخفية في الدولة، وهدفه الأول إضعاف «العدالة والتنمية» بل بتحريض أيضاً من زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان المعتقل في ايمرالي. علماً أن مثل هذا التوجه المعارض لنزعة الإصلاح لا يمكن أن يخدم التوصل إلى تحقيق مطالب الأكراد. أكد التصويت في البرلمان التركي على أن شعار «هنا تركيا»، الذي يعني أن كل شيء في تركيا ممكن، لا يزال ساري المفعول. وإذا كانت المعارضة تتهم «العدالة والتنمية» بأنه يسعى لتعديلات من دون التوافق عليها وطنياً، فإن ما يدعو للعجب أن الإصلاح لا يزال يتأخر في الداخل في وقت تحلق تركيا عالياً في الخارج.