كتب بسام أبو زيد: يعتبر وجود »حزب الله« في قضاء جبيل وجوداً حديثاً برزت مظاهره السياسية للمرة الاولى في الانتخابات النيابية العام 1996، كما نقل الحزب الى مدينة جبيل والقرى والبلدات الشيعية المختلطة مظاهر دينية كانت غابت في فترة الحرب كإحياء ذكرى عاشوراء وارتداء اللباس الشرعي او »التشادور«. وحمل المنضوون في الحزب الى قراهم وبلداتهم افكارهم السياسية والدينية وبدأوا بنشرها بهدوء، متخوفين من الحذر المسيحي في الدرجة الاولى والحذر الشيعي في الدرجة الثانية. وكبر تيار المؤيدين فانطلقوا في ورشة لتفعيل وبناء المراكز الدينية كالمساجد والحسينيات، كما فعّلوا المساعدات الاجتماعية والمعيشية في محيطهم، امتداداً حتى كسروان. كان الشيعة في بلاد جبيل قبل اندلاع الحرب في لبنان، ينتمون الى التيارات السياسية التي كانت منتشرة في هذه المنطقة كحزب »الكتلة« الوطنية و»الدستوريين« وقلة من »الشهابيين«. وعلى الرغم من ان منطقة جبيل لم تشهد تهجيراً طائفياً، فإن عدداً كبيراً من الشبان الشيعة، عاشوا خارجها طوال فترة الاحداث وانتموا الى التيارات الشيعية التي كانت فاعلة في اماكن اقامتهم، ولا سيما في الضاحية الجنوبية، فانخرطت اكثرية منهم في »حزب الله« وأقلية في حركة »أمل«. لم تخلُ عودة »حزب الله« الى بلاد جبيل من المشاكل إلا ان تدخل الفعاليات من الجانبين كان يؤدي الى تطويقها بسرعة. وقد حرص مسؤولو الحزب على العمل الدؤوب لتغيير الصورة التي ترسخت في اذهان الجبيليين في سنوات الحرب، وهي ان هؤلاء يريدون »اسلمة« الارض، فاعتدلوا في خطابهم السياسي مشددين على العيش المشترك كخيار اساسي، ومؤكدين ان هدفهم الوحيد هو الاستمرار بالمقاومة حتى تحرير الأراضي المحتلة في الجنوب والبقاع الغربي من الاحتلال الاسرائيلي. وعلى الرغم من هذا الخطاب والمشاركة المتواصلة في المناسبات الاجتماعية بقيت الغالبية الجبيلية على حذرها، الا ان الحزب تمكن من تحقيق اختراق ذي اهمية، فقد تخلت الغالبية عن المقاطعة واستبدلتها بالعمل على تجنب الاتصال بهم، وقد حصل هذا الاتصال ويحصل في مناسبات متعددة تفتح باب نقاش للعديد من القضايا. وتقول احدى الفعاليات في منطقة جبيل »ان »حزب الله« يرتبط في المنطقة بمجموعات وكادرات شيعية من خلال النواحي الاقتصادية والمعيشية والدينية، ولكن ارتباطه او اتصاله بالقاعدة المسيحية شبه معدوم، فالعلاقة محصورة بالشخصيات السياسية والفعاليات الملزمة بحكم موقعها على تقبل هذا الاتصال، فتلبي دعوات للمشاركة في نشاطات سياسية او دينية او اجتماعية«. وتصف هذه الفعالية »حزب الله« بأنه »ورقة دينية متشددة لها مظاهرها الشكلية وتعمل على استمالة الناس، وقد نجحت في زيادة شعبيتها ولكن هذه الشعبية محدودة ومعدودة ولن تتمكن من تخطي سقف معين فالمجتمع الجبيلي بمسيحييه وشيعته غير مهيأ لاستقبال هذا النوع من العروض«. وتعترف هذه الفعالية بأن »جماعة حزب الله هم الحالة الشيعية السياسية الوحيدة المعلنة في بلاد جبيل، وهم يؤلفون قوة انتخابية فاعلة ومنظمة ويلتزمون بقرار القيادة فتصب اصواتهم التي هي بحدود 1200 صوت مع الجهة التي يؤيدونها من دون اي خرق، الا ان مشكلتهم الكبرى تكمن في استحالة تحالفهم مع فريق مسيحي قوي«. إن هذا الكلام الذي يمكن وصفه »بالمتشدد« يقابَل من فعاليات جبيلية اخرى بكلام معتدل، لا يفرط بالثوابت التي يتمسك بها المتشددون. فالنائبة نهاد سعيد تصف وجود »حزب الله« في المنطقة بأنه هادئ ومنفتح ومتفاعل مع محيطه، وتقول: »أنا احترم عقائدهم وعلاقتي بهم جيدة واتعاون معهم لما فيه مصلحة المنطقة. وقد دخلت قضيتهم الاساسية، اي المقاومة ضد اسرائيل، الى عقول بعض جيرانهم المسيحيين، فتبادلوا معهم المشاركة في المناسبات، وأبرزها المشاركة في تشييع المقاتلين الذين يسقطون في مواجهات مع قوات الاحتلال الاسرائيلي«. وتلاحظ النائبة سعيد من خلال حضورها لنشاطات يقيمها الحزب »ان شعبيتهم في ازدياد مستمر منذ آخر انتخابات نيابية في العام 1996، الا ان هذه الزيادة لا تظهر في شكل ضاغط على شكل تجمعات، وقد ساهم في تصاعدها امتداد نشاط نواب الحزب الى هذه المنطقة حيث نجحوا في تحقيق مطالب حياتية عدة كالمدارس وجر المياه الى بعض القرى وحرصوا على عدم إظهار تدخلهم ونجاحاتهم بصورة استفزازية«. وتؤكد النائبة سعيد ايضا »ان حزب الله هو القوة الانتخابية الصلبة في صفوف الشيعة، الا ان التحالف مع المرشح الشيعي في منطقة جبيل لا يتم على اساس انتمائه الى حركة او جهة معينة بل على اساس علاقاته مع ابناء المنطقة ولا سيما محيطه المسيحي الذي يفترض ان يتقبله، وكذلك الامر بالنسبة لمحيطه الشيعي«. الحديث عن »حزب الله« في منطقة جبيل لا بد من ان يترافق مع الحديث عن باقي القوى الشيعية في المنطقة والتي تحاول عبر الانتخابات النيابية اظهار قوتها الشعبية. وتقول مصادر شيعية مطلعة ان القوة المتمثلة في العائلات، هي الاكثرية العددية في المنطقة، الا انها تتعرض للتفتت من خلال تعدد المرشحين في كل عائلة، ما يؤدي الى تشتت الاصوات. ففي منطقة الجرد مثلا، يتراوح عدد المرشحين من آل المقداد في كل دورة بين 2 او 3. وفي منطقة الوسط يتنافس دائما على المقعد الشيعي في جبيل 3 مرشحين من عائلة حيدر. ان هذا التشتت في صفوف العائلات يعطي في المقابل قوة لبعض الفعاليات الشيعية التي ترتبط بحسب المصادر، بمراجع سياسية ودينية فاعلة. ويمكن الحديث في هذا المجال عن الدور الذي يلعبه القاضي اديب علام في منطقة جبيل، فهو يصف نفسه »بالبطرك« القادر على انجاح اي مرشح يدعمه، وقد نجح بالفعل في مقولته هذه في العام 1992 حين اعلن تأييده للمرشح محمود عواد، وفشل في العام 1996 مع المرشح عباس هاشم بفارق لا يتجاوز الثلاثمئة صوت عما جمعه النائب عواد. وفي اطار الحديث عن الفعاليات الشيعية يبرز ايضا النقيب حسين برو الذي كان له دور فاعل في الحفاظ على التعايش المسيحي الاسلامي في المنطقة وهو يحظى باحترام المسيحيين والشيعة على حد سواء، ويحظى أيضا بدعم من المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى، وقد خاض المعركة الانتخابية في العام 1992، الا انه لم يوفق وحاول احد ابنائه الدكتور زهير برو ان يشارك في العام 1996 وتراجع في منتصف الطريق بعدما شعر بأن الدعم الذي كان وعده به الرئيس نبيه بري قد رُفع عنه. وتشير المصادر الشيعية المطلعة الى ان القوة التي يتمتع بها الرئيس بري في جبيل من الناحية الشخصية، هي اقوى بكثير من القوة التنظيمية لحركة »امل« في هذه المنطقة. فالرئيس نبيه بري وبحكم موقعه كرئيس لمجلس النواب وكمرجعية سياسية شيعية، يستطيع ان »يمون« على الفعاليات الشيعية والمسيحية في جبيل لتأييد مرشحه، كما انه يستطيع ان يساوم في تجيير الاصوات لتشمل جبيل ومناطق اخرى. وقد حصلت هذه العملية بالفعل في انتخابات العام 1996 عندما حصل تبادل للاصوات بينه وبين الرئيس رفيق الحريري في جبيل والبترون. ويبقى السؤال الاساسي في هذه المرحلة ماذا سيحصل في انتخابات العام 2000، ومن هو المرشح الشيعي الذي سيحتل المقعد النيابي؟ في الاجابة عن هذا السؤال تتفق جميع الاطراف على ان الرؤية الواضحة لما سيحصل في جبيل لن تظهر معالمها قبل اقرار الدوائر الانتخابية. ومهما كان موقع جبيل في هذه الدوائر فإن المنطقة ستبقى ساحة لتبادل الاصوات، اقطابها هذه المرة الرئيس نبيه بري، الرئيس رفيق الحريري، »حزب الله« والرئيس حسين الحسيني، ويبقى القطب الاساسي الى جانب هؤلاء اللائحة الانتخابية التي ستحظى بمباركة العهد. وفي هذا الاطار برزت معلومات عن بداية اتصالات مع عدد من المرشحين المعلنين وغير المعلنين. وتقول المعلومات ان رئيس مجلس النواب نبيه بري يقف في هذه المرحلة على مسافة واحدة من مرشحين هما: حكمت الحاج وهو مسؤول في كازينو لبنان والمرشح عباس هاشم، لافتة الى انه سيحسم خياره عندما تنضج طبخة الدوائر ومن بعدها طبخة التحالفات. أما بالنسبة ل »حزب الله« فتشير المعلومات الى ان ما قام به الحزب في العام 1996 من تبن لترشيح جهاد حيدر كان بمثابة اختبار لمعرفة قوته الشعبية، متوقعة ألا يتكرر هذا الاختبار في ظل انعدام حظوظ الفوز. فالحزب سيسعى هذه المرة الى قطف ثمار قوته في جبيل، والتي تقدر بنحو 1500 صوت، في مكان آخر، بعدما يتفق مع القطب الاساسي على تجييرها لصالح لائحته، على ان يجير له الطرف الاقوى اصواتا في مناطق اخرى. وتلفت المعلومات ايضا الى ان الرئيس حسين الحسيني يدرس إمكان الخوض في الانتخابات في جبيل عبر اخيه مصطفى الحسيني معتمدا على علاقاته الجيدة بالوسط المسيحي وعلى وقوفه في صف الموالاة. يقول معظم المرشحين والفعاليات الشيعية في منطقة جبيل انهم يسعون لأن تبقى هذه المنطقة ممثلة لحالة الانصهار الوطني، وهم يسعون لإظهار الصورة الشيعية الجبيلية المطلقة مبتعدين عن التيارات الفئوية التي تشكل نفورا لدى الطرف الآخر. ويؤكدون ان اي تحالف مع جهة سياسية شيعية سيكون بعيدا عن الالتزام بالتبعية المطلقة تفاديا لأي صراع شيعي شيعي. إن هذه الصورة يتمنى الكثير من الجبيليين ان تكون حقيقية بالفعل، الا انه في ظل غياب الاحزاب والحركات السياسية ذات القاعدة الواسعة وفي ظل الانقسامات الحادة داخل صفوف العائلات الشيعية والمسيحية تبقى كلمة الفصل لعنصر الخدمات والمال والمصالح السياسية المتبادلة.