As Safir Logo
المصدر:

مئة عام على تحرير المرأة .. ثلاث محطات في فكر قاسم أمين توسل الإسلام لنسف الحجاب قبل الإذعان لتفوّق الغرب

المؤلف: ألكيلاني شمس الدين التاريخ: 1999-11-26 رقم العدد:8461

افتتح قاسم أمين بمؤلفه »تحرير المرأة« الصادر عام 1899، أول عاصفة من الجدل الثقافي في القرن العشرين، لم يثرها مؤلف آخر، جعله البعض عنوانا لمرحلة جديدة في معالجة مسألة المرأة، وأول صيحة لتحريرها. لقب مؤلفها على أثره بنصير المرأة. ولعل مصدر استحقاقه هذا اللقب كونه النهضوي الوحيد، الذي كرس جهوده الفكرية لمناقشة مشكلاتها، والتي اقتصرت إذا استثنينا مقالاته المتفرقة في »المؤيد« على ثلاثة مؤلفات توسطها زمنيا وفكريا »تحرير المرأة«، وسبقه عام 1894 »المصريون« الأكثر اعتدالاً، وتلاه عام 1900 »المرأة الجديدة« الأكثر راديكالية، شكّل كل منها محطة في تطوره الفكري. كان قاسم شخصا محظوظا، وُلد وملعقة الذهب في فمه، أبوه أحمد بك أمين، تركي، كان والياً عثمانياً على كردستان، ثم والياً لإقليم البحيرة في مصر، وتزوج هناك والدة قاسم المصرية، وأصبح، في عهد إسماعيل، أميرلاي في الجيش، فتعلم قاسم في الاسكندرية، بمدرسة الأرستقراطيين الأتراك والشراكسة الابتدائية، ثم في التجهيز الخديوية، وحصل على الحقوق وهو في العشرين، وتابع تعليمه في باريس، ولعل حبه الرومانسي لزميلته الفرنسية (سلافا) كان وراء إدارة فكره لموضوع المرأة. انتظم في حلقة الإمام محمد عبده، وعمل مترجما له عندما كان عبده في باريس. آمن مثله بالإصلاح التدريجي عن طريق التربية وتنوير العقل، عبر مسالمة الإنكليز، مقتنعا بأن المصريين لم ينضجوا بعد للاستقلال، وما زال للإنكليز دور يقومون به: »من تنظيم إدارة الأقاليم، وتمثيل وطني حقيقي«. وورث عن أستاذه عبده ذلك التوتر بين ضرورة الاحتفاظ بقواعد السلوك الإسلامي، وتمثل الحداثة الأوروبية، لكن على خلاف من فريق »رشيد رضا«، الذي ضغط باتجاه تطويع مفاهيم الحداثة الأوروبية للمرجعية الإسلامية، ذهب هو بطريقة تصاعدية باتجاه تذويب مفاهيم الإسلام في الحداثة الأوروبية. كان »المصريون« أول محطة في تأليفه، رد فيه بالفرنسية على هجوم الدوق »داركو« السيئ النية، والمتعالي على المصريين وثقافتهم، فأتى رده مثقلاً بالدفاع عن الذات المجروحة، وعن الثقافة الإسلامية، وعادات المصريين، الذين ليسوا كما وصفهم داركو جبناء، خانعين، أذلاء. والإسلام لم يبح التفاوت القائم على العرق، والجنس، واللون، والمرأة المصرية لا تعيش في عزلة، ولا خانعة، فهي مساوية للرجل في الحلال والحرام، وانحطاطها التعليمي لا يعود الى الإسلام. يدافع عن تعدد الزوجات كعلاج مؤلم لفساد الحياة الزوجية، ولحماية الأطفال بينما أوروبا تغرق في الزواج اللاشرعي، والأبناء اللاشرعيين، ودافع عن الطلاق كأبغض حلال عند الله، وعلاج للخيانة الزوجية، ولانتفاء الألفة. ثم يضع حداً فاصلاً بين مجتمعاتنا، ونمط الحياة الغربية، إذ علمت أوروبا مواطنيها أن السماء خاوية، والأرض الفردوس الممكن، والإنسان سليل القرود، والحكمة إشباع الرغبة، فإن الغاية القصوى للمسلم هي الفضيلة والتفاني في سبيل الآخرين، ولا توجد مشكلة دينية تعرقل مسيرته، ولا يوجد اكليروس يخشاه. لكنه بعد هذا الخطاب التبجيلي للذات، يفصل بين الإسلام والمدينة الإسلامية، مؤكدا صحة الأول، ونسبية الثانية، معتبرا المدينة الإسلامية، مثل المدينات القديمة، مرحلية وقابلة للفناء، »وأنها جميعا ولدت في أعقاب انتصار حربي، وانطفأت في أعقاب هزيمة، فكانت تولد وتموت مثل الكائنات الحية.. تلك قصة الحضارات الشرقية القديمة«. وعلى عكس ذلك الحضارة الأوروبية الحديثة، إذ »جاءت في آخر سلسلة للحضارة لتقطف ثمار التجربة، عرفت كيف تتخذ من العلم أساسا لتنظيماتها كلها، مما أعطى الحضارة الأوروبية ميزة الاستمرار والاستقرار.. والواقع أنني أؤمن أن الحضارة الجديدة ستبقى دائما في أوروبا«. وهكذا، بدأ بمدح الذات، وانتهى بإطراء الآخر، بعد أن حوله الى مركز للحضارة، طالبا من أوروبا، التي »ظفرت بالصدفة« في السبق الحضاري: »ألا تنظر إلينا بعين الزراية المتعالية، التي ترفض أن تتذكر أن الشرق.. كان أول صانع للحضارة«، مؤملاً النفس »أن ضمير الأوروبيين بعامة وإخلاص إنكلترا بخاصة، لن يسمحا أبدا لهذا البلد (مصر)، الذي تحرر من الفساد والدكتاتورية.. أن يسقط ثانية في مهاوي التدهور والانحطاط«. »تحرير المرأة« بين مرجعيتين أحاطت الكثير من الأقاويل عوامل تأليف »تحرير المرأة«. ادعى خصوم محمد عبده، انه كُتب تلبية لرغبة »كرومر« لاستيائه من »المصريون« لدعوته للحجاب. ويروي (فارس نمر) أن محمد المويلحي، ومحمد بيرم، وسعد زغلول ساءهم »المصريون« لأنهم رأوا فيه تعريضا بالأميرة (نازلي) السافرة، فما كان من قاسم أمين إلا أن اعتذر إليها، ثم انتهى أخيرا بتأليف »تحرير المرأة«، مثيرا مسألة السفور، بعد أن كان في »المصريون« أكثر الناس حماسة للحجاب، تقرباً من الأميرة، حتى لا يفقد حزب عبده المعتدل، حسب داود بركات، نفوذه عندها. وذهب محمد عمارة، وإبراهيم عبده الى حد القول، ان الإمام محمد عبده شارك قاسم في تأليف الفصول المتعلقة بالحجاب الشرعي، والزواج، وتعدد الزوجات، والطلاق، لذا أيّد عبده الكتاب حين صدوره، وأطراه تلميذه رشيد رضا في مجلة المنار. على الرغم من اعتدال آرائه في »تحرير المرأة« حول قضايا المرأة، فهو لم يبتعد سوى بالدرجة عن »المصريون«. إلا أن منطقه الداخلي، وتعاطفه العميق مع المرأة، وانفتاحه على الحداثة، جعلت القارئ ينظر إليه وكأنه استدار على آرائه وتبنى آراء خصومه في »المصريون«! فهناك منطق الكتاب، ومنهجه، وأدواته التحليلية، المستندة إلى المرجعية الأوروبية، وهناك آراؤه، واقتراحاته حول تنظيم حياة المرأة، فتعايشت المرجعيتان، وتجاورتا في جميع صفحاته. منهجيا، ميّز قاسم بين الإسلام كمبادئ ثابتة، والحياة المدنية الإسلامية، مطوراً ما بدأه في كتابه الأول، فلكل أمة عوائدها وآدابها الموافقة لحالتها العقلية، والتي يمكن أن تستقل عن الدين، وبالتالي »لا يحق للأوروبي الزعم أن المرأة عنده ترقَّت بتأثير المسيحية، فلو كان للدين تأثير في العوائد، لكانت المرأة المسلمة اليوم في مقدمة نساء الأرض«، لأن الإسلام سبق كل شريعة في تقرير مساواة المرأة بالرجل، واعتبر لها كفاءة شرعية لا تنقص عن كفاءة الرجل في جميع الأحوال المدنية، وهي ميزة لم تصلها المرأة الغربية حتى اليوم. لذا، فإن انحطاط وضع المرأة المسلمة الراهن لا يعود إلى الإسلام كدين، بل بتأثير العوائد المستقلة عنه، فاتحا الطريق بذلك لإعطاء شرعية لإصلاح يمس العوائد، فهو يشير بوضوح إلى انه لم يأت بجديد على الإسلام، وإنما على العوائد. وقد عزز موقفه الاصلاحي منهجيا افتراضه أن العائلة أساس الأمة، وهذه أساسها المرأة، ليصل الى استنتاج »فارتفاع الأمة يحتاج الى عوامل متنوعة، من أهمها ارتقاء المرأة«. عندما صاغ اقتراحاته الاصلاحية لوضع المرأة، تناوب في استعمال المرجعيتين: فحرص على ان يضع لكل اقتراح قاعدة شرعية، يعقبها بمحاججة تعتمد الحداثة مرجعا. يدافع عن الحجاب، على ان يكون منطبقا مع الشريعة، مذكرا باتفاق الأئمة على استثناء الوجه والكفين، ووقع الخلاف بينهم في أعضاء أخرى كالذراعين والقدمين معتبرا الحجاب وسطا صحيحا بين غلو الغربيين في التكشف، وغلو المسلمين في التحجب بعدها، يورد حججا تنسف شرعية الحجاب من أساسها، حينما يعيد إلى العرف والعوائد، وأنه »دور من الأدوار التاريخية لحياة المرأة في العالم، وأن المسلمين لم يستحدثوه، فهو عادة عرضت عليهم من اختلاطهم بالأمم، وألبسوه لباس الدين« مؤكدا ان الإطلاق أدى بالنساء الى العفة من الحجاب الذي يهيئ ذهن النساء لتخيل الشهوة، بمجرد النظر أو سماع الصوت، وأن المرأة التي تخالط الرجال تكون أبعد عن الأفكار السيئة من المحجوبة، فنساء أميركا هن أكثر النساء تمتعا بالحرية، وأحفظهن للأعراض والأخلاق، ليصل الى اعتبار التربية الطريقة الناجعة للعفة، والحجاب الحصين للمرأة. فضّل الزواج القائم على المحبة، فانتقد تعريف الفقهاء القائل: »عقد يملك فيه الرجل بضع المرأة« لأنه أفقر التعريف القرآني: »ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة« (الروم: 21)، قائلاً: »لا أعلم شريعة من شرائع الأمم التي وصلت إلى أقصى درجات التمدن جاءت بأحسن منه... والذي يقارن التعريف الأول، والتعريف الثاني... يرى الى أي درجة وصل انحطاط المرأة في رأي الفقهاء، وسرى منه الى عامة المسلمين، ولا يستغرب بعد ذلك أن يرى المنزلة الوضيعة التي سقط إليها الزواج حيث صار عقدا غايته أن يتمتع الرجل بجسم المرأة ليتلذذ به، وتبع ذلك ما تبعه من الأحكام الفرعية التي رتبوها على هذا الأصل الشنيع«. يشدد، بعدها، على أن يكون للمرأة في انتخاب الرجل، ما للرجل في انتخاب زوجته. وبصدد تعدد الزوجات، لا يعذر أمين رجلاً يتزوج أكثر من امرأة، اللهم إلا في الضرورة القصوى: إذا كانت عاقرا، أو أصيبت بما يمنعها من تبادل حقوق الزوجية، ومذكرا بالاشتراط القرآني: »فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة«، بعدها يشير الى ان المروءة تقضي أن يتحمل الرجل ما تصاب به امرأته من علل، مثلما تتحمله هي في مصابه، أما في غير ذلك الاستثناء، فهو يرى في تعدد الزوجات حيلة شرعية لقضاء شهوة بهيمية، ودلالة على فساد الأخلاق، ثم يرجع ويعيد هذه الظاهرة الى »العوائد«، انتشرت في أنحاء العالم، ولها صلة بالحالة الاجتماعية، توجد في حال انحطاطها، وتزول عند رقيها. لذا فمنع الرقيق ساهم بإسقاطها، لما تتضمنه من احتقار شديد للمرأة، لأنك لا تجد امرأة ترضى ان تشاركها زوجها امرأة أخرى، كما لا يوجد رجل يقبل أن يشاركه غيره زوجته. »المرأة الجديدة« ورجحان المرجعية الغربية طغت في »المرأة الجديدة« المرجعية الأوروبية الحديثة على المرجعية الإسلامية، بعد أن افترض المؤلف توافق تلك المرجعية مع الإسلام، وافتراقها مع »مدينته«، مستخدماً بذلك تمييزه السابق، الذي طوره هنا، بين المدينة الإسلامية والإسلام، وموضحا الأمر بقوله: »وغني عن البيان اننا عند كلامنا عن المدينة الإسلامية، لم نقصد الحكم عليها من جهة الدين، بل من جهة العلوم والفنون والصنائع والعادات«، مميزا بذلك بين المدينة الإسلامية، كواقع تاريخي، وبين الإسلام كمبادئ عليا، متمسكا بالثاني بإجلال، وواضعا الأولى تحت مبضع نقده، بلا شفقة، ومطبقا عليها مبدأ التطور الداروني الصاعد، بعد أن جعل المدينة الأوروبية سقفا للتاريخ، أو ذروة له. يطري الشريعة الإسلامية على »أنها منحت المرأة منذ اثني عشر قرنا حقوقاً لم تنلها المرأة الغربية إلا في هذا القرن«. بالمقابل ينتقد المدينة الإسلامية، حتى في عصرها الذهبي، فيقول: »نحن لا نستغرب أن المدينة الإسلامية أخطأت في فهم طبيعة المرأة، وتقدير شأنها، وليس خطؤها في ذلك أكبر من خطئها في كثير من الأمور الأخرى«. فيرى أن شكل حكوماتهم كان عبارة عن خليفة أو سلطان غير مقيد، ولم تحدد المدينة الإسلامية حدود العقوبات، وتركت للحاكم حق تقديرها، ولم تعرف شيئا عن العلوم السياسية والاجتماعية الحديثة، والحالة العائلية مجردة عندها من كل نظام، حيث الرجل يكتفي عند عقد زواجه بشاهدين، ويطلق زوجته بلا سبب، أو بأوهى الأسباب، ثم إن المسلمين في جميع أدوارهم لم يبلغوا مبلغ اليونان. لذا يخلص إلى نتيجة مفادها، ان »الكمال البشري لا يجب أن نبحث عنه في الماضي« وإذا أردنا الرقي فما علينا »إلا أن نربي أولادنا على أن يعرفوا شؤون المدينة الغربية... فمن المستحيل إصلاح ما في أحوالنا، إذا لم يكن مؤسساً على العلوم العصرية الحديثة«. ويرجع الى التاريخ ليحدد المرأة فيه، فيرى تلازما بين الحالة السياسية والحالة العائلية، ففي كل مكان حط الرجل من منزلة المرأة، حط نفسه وأفقدها وجدان الحرية، وبالعكس في البلاد التي تتمتع فيها النساء بحريتهن الشخصية يتمتع الرجال بحريتهم السياسية«. ومن هذه النظرة التاريخية ينتقل الى تقسيم (جغرافي) ثنائي للحرية/ الاستبداد: الشرق الاستبدادي، وغرب الحرية، فيقترب من رأي (داركور) الذي انتقده سابقا، فيقول: »المرأة في بلاد الشرق في رق الرجل، والرجل في رق الحاكم، فهو ظالم في بيته، مظلوم خارجه، بينما نجد المرأة الأوروبية ارتفع شأنها لأن حكوماتها مؤسسة على الحرية«. ويعمِّم حكمه »وبالجملة فإن انحطاط الهندي، والصيني، وجميع سكان الشرق، إنما نشأ عن حالة العائلة في هذه المجتمعات«. فلقد أسسنا عائلتنا على الاستبداد، لأننا محكومون بالاستبداد، لذا »فلا يليق بنا أن نحافظ على العادات والتقاليد، ونحرص على عادات الحجاب، ونتخذها وحدها وسيلة لصيانة المرأة« ولا بد لنا من السير »في الطريق التي سبقتنا فيها الأمم الغربية«. ويجب أن لا نقصر اقتباسنا من الغرب على الجانب المادي، بل الروحي، فإنكارنا لتقدم الغرب الروحي، واعترافنا فقط بتفوقه المادي نوع من النفاق، لأن الارتقاء العلمي والمادي يصحبه الارتقاء الأدبي، والعلم هو الذي يتغذى منه الأدبي، ويهذب النفس، ويعظم الإحساس الديني، فقاسم أمين يضعنا في »المرأة الجديدة« أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الإبقاء على انحطاط المرأة، وبالتالي انحطاطنا، أو اعتماد المرجعية الحداثية للغرب، النموذج الوحيد لارتقاء الأمم. شمس الدين الكيلاني

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة