بهاء طاهر من أركان جيل الستينيات القصصي المصري. قلة نتاجه التي تسم جيله بأكمله لم تمنع »قالت ضحى« و»خالتي صفية والدير« و»حب في المنفى« من ان تكون علامات في الرواية العربية. نتاج استحق عليه جائزة الدولة التقديرية، هذا الحوار معه يستبق حضوره الى بيروت لتوقيع كتابيه »قالت ضحى« و»خالتي صفية والدير« في طبعتهما البيروتية عن »دار الآداب« وندوة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية: { ما هي رؤيتك للحياة الثقافية في مصر وتقييمك سلبا أو إيجابا لسيل الانتاج الثقافي، سواء عند الرواد، أو عبر الجيل الجديد؟ أنا أحد القلائل الذين يعلنون تفاؤلهم الكامل بالحياة الثقافية في مصر. أرى أن هناك انفجارا إبداعيا في الوقت الحالي، تسمو فيه أجيال متعاقبة، وشباب ناشئ، لم يلق حظا من التعريف الاعلامي. غير أنني أراهن انه سيتصدر عما قريب المشهد الثقافي بكل جدارة. في هذا العام مثلا، الذي هو بمثابة ستارة سوف تسدل على هذا القرن، تجدين ان هناك أعمالا إبداعية بدءا من نجيب محفوظ الذي أصدر كتابا بعنوان »59 قصة قصيرة« أسميتها أنا بعد قراءتها »59 دُرّة« تجدين فيها أن نجيب محفوظ وصل الى مرحلة الشعر القصصي. تجربته أضحت مصفاة ومبلورة، ومكثفة وتنطوي على شحنة وجدانية هائلة. عندما يفرغ القارئ من قراءة المجموعة يتولد لديه انطباع من قرأ ديوانا شعريا. قصة منها أحببتها كثيرا اسمها »اليمامة« يتجسد فيها التوق الى الحياة. { ماذا عن الجيل الروائي الجديد؟ آخر رواية قرأتها للأستاذ علاء الديب اسمها »عيون البنفسج«. وما دمنا أيضا نتكلم عن شعر الرواية، فهذه أيضا، أي »عيون البنفسج« تدور في جو مختلف وبيئة مختلفة عن عمل نجيب محفوظ، غير انها تسمو الى شاعرية عالية، وتحكي مشكلة ابن وحيد لأبوين مهاجرين في الخليج. طابعها شاعري خالص، الأمر الذي يسم الرواية أو الكتابة الروائية في الوقت الحالي. { ما هو تعريفك لشاعرية الرواية؟ أعني أن يتخلف الشعر من مفردات العمل الروائي وتكوينه، لا من لغته وأسلوبه فقط. ثمة أيضا عمل محمد البساطي »ويأتي القطار« الذي يعد تجربة في عالم البساطي عند أطراف قرية ساحلية غير مسماة، مروية أحداثها على لسان طفل. البساطي ينجح أيضا كعادته، عبر التفاصيل المتناهية البساطة والعفوية في تشكيل عالم يجمع بين الواقع بكل خشونته، والحلم بكل صفائه. أيضاً للجيل الأحدث قرأت رواية »البشموري« لسلوى بكر، وأعتقد انها تمثل نقلة في إبداع هذه الكاتبة، لأنها تغوص هذه المرة في أعماق التاريخ في محاولة فهم دلالات الحاضر. وللجيل الأكثر حداثة قرأت دواوين شعرية مختلفة لكتاب من أجيال متعاقبة. فاروق شوشة مثلا لاحظت في ديوانه الأخير محاولة تكوين ما يسمى بالقصيدة الدرامية التي لا تخفت فيها الغنائية، ولكن يبرز فيها بشكل واضح الجدل الدرامي. قرأت أيضا ديواناً لقصيدة النثر، يصالحني للمرة الأولى على قصيدة النثر التي لا أحبها كثيرا، وهو لشاب صغير اسمه سمير درويش. أحدثك الآن كقارئ فقط، عن نماذج لأعمال إبداعية أسهمت فيها أجيال مختلفة وتؤكد ما ذهبت إليه في بداية حديثي عن ريادة الأجيال، هناك فاطمة قنديل أيضا، وإيمان مرسال ونورا أمين ومي التلمساني. لأول مرة تتحقق المساواة في مجتمعنا من خلال الأدب لا السياسة.. ولا حاجة. اننا نعيش الآن طفرة غير مسبوقة في الإبداع الأدبي. وهذا مثل وليس حصرا أو دراسة متكاملة للأعمال الإبداعية، مجرد مثل. { بهاء طاهر ذهب بعيدا في غربته الجغرافية عن مصر سويسرا. ثم استقر فيها أخيرا، هل أضافت هذه الغربة لأدب بهاء وماهية الاضافة؟ أنا لم أذهب طوعا للإقامة الطويلة في الخارج. ذهبت قسرا اثر منعي من الكتابة نهائيا في الانقلاب الساداتي الذي حصل، ومن سنة 1975 لغاية سنة 1982. وما حصل لي، حدث للعشرات أمثالي من المثقفين في منتصف السبعينيات. كل من كان يوصف بأنه يساري أو يشاع عنه أنه يساري يُحرم من فرصة العيش في مصر، بشكل بسيط. هذا السبب عينه الذي دعا ألفرد فرج وعبد المعطي حجازي وسواهما الى الغربة. كانت سياسة السادات حيال المثقفين، التجويع والطرد، أو التسليم الكامل. من جهتي لم أستسلم غير أنني خرجت من مصر للعمل. »وأنا كان عندي بنات لازم ياكلوا.. مش كده«؟ ثم من الطبيعي أن يتأثر الكاتب بتغيير البيئة التي تحيط به عندما يكتب وهذا جواب عن بداية سؤالك وبما أن تجربتي في الغربة كانت تجربة طويلة الأمد، فلقد أثرت بطبيعة الحال على موضوعات الكتابة، وربما أيضا على تقنية الكتابة. ولكن هناك شيئا مهما جدا في الموضوع، وهو انني كنت عن وعي حريصا على ألا أجعل من الاغتراب نوعا من الغربة عن الواقع. أي باختصار ألا تتحول كتابتي الى كتابة مهجر، بمعنى بعدها عن هموم الواقع في الوطن. ولهذا فإن النقاد عندما يتناولون ما كتبت، يدرجونه في سياق الإبداع المصري الصرف، ولا يعتبرونه أعمالا مكتوبة في الخارج. { معروف عنك تشجيعك للأجيال الجديدة، وشعبيتك لدى الكتّاب الجدد، بمعنى ممارستك دورا أبويا نقديا عليهم، على عكس أبناء جيلك. ماذا ترى في هذه الرعاية الثقافية؟ هذه استمرار لأفضل التقاليد في الحياة الثقافية المصرية. أذكر أنني عندما بدأت أولى كتاباتي، كان أول من قدمني كقاص بمقدمة أعتز بها، هو الكاتب العظيم يوسف إدريس، ولغاية الآن أعتز كثيرا بما قاله عني في هذه المقدمة تحت عنوان »قصة المظاهرة« عندما قال: هذا كاتب لا يستعمل أصابع غيره ولا يقلد أحدا. هذا كاتب بهائي طاهري. لك ان تتصوري ما يمكن أن تحدثه عبارة كهذه من التشجيع لكاتب ناشئ في العشرينيات، تصدر عن عملاق في القصة كيوسف إدريس. احتضنني أيضا عملاق هو يحيى حقي في مطبوعته الفريدة »مجلة المجلة«، وأيضا كاتب غير معروف خارج مصر، ولكن له مكانة كبيرة فيها هو الأستاذ عبد الفتاح الجمل. كان من تقاليد الحياة الأدبية في مصر، ان يقدم الجيل الراسخ، الأجيال الناشئة. وعندما كنت مسؤولاً عن البرنامج الثاني الثقافي في الاذاعة المصرية، حرصت على مواصلة هذا التقليد الجميل. وأفخر كثيرا بأن معظم الأسماء الأدبية التي ملأت الساحة بعد جيلنا، قد كان لي شرف تقديمها لأول مرة، من على منبر البرنامج الثاني الثقافي. { المعروف أن الترجمة طالت عديد أعمالك الابداعية، ما الذي تعنيه لك ترجمة أعمالك، ما الذي تضيفه الترجمة الى شهرة بهاء طاهر الروائية؟ الافتراض القائل بأننا نغزو العالم أدبيا من خلال الترجمة افتراض خاطئ أو بالغ السذاجة يكذبه العالم يوما بعد آخر. الترجمة لا تقدم الشهرة، ولا أعتقدها تقدم شيئا باستثناء العائد المادي الذي يعود على الكاتب، وهو ليس كثيرا على كل حال. عشت في الخارج فترة طويلة كافية لإزالة أية أوهام في ما يخص هذا الموضوع. حتى كاتبنا الكبير نجيب محفوظ الحائز جائزة »نوبل« والمترجَم الى جميع اللغات تقريبا يقتصر الاهتمام بأعماله على »الصفوة« من القراء في كثير من الأحيان. ولكنني أستبعد أن يكون قد وصل الى قارئ الأدب العادي مثل غراهام غرين أو ألبير كامو أو أرنست همنغواي وغيرهم من الكتّاب الذين يشكلون وجدان القارئ العادي. لعدم فاعلية الترجمة على مستوى الانتشار على الأقل عشرون سببا، منها في كثير من الأحيان رداءة الترجمات الى اللغات الأجنبية ورداءة الاختيارات المترجمة. وأول هذه الأسباب وأهمها وعلى رأسها، ان المسيطرين على الاعلام والنشر والترويج لأسماء بعينها، وقتل أسماء أخرى، هم من أبناء عمومتنا غير الأعزاء أصحاب الاتجاهات الصهيونية. { روايتك »خالتي صفية والدير« تعيد »دار الآداب« اللبنانية طبعها حاليا، وأنت على مقربة من توقيعك عليها في بيروت. »خالتي صفية والدير« انتشرت أكثر كمسلسل تلفزيوني عُرض على الأقنية التلفزيونية اللبنانية، هل زاد المسلسل التلفزيوني من شعبية العمل، والسينما أيضا، ما الذي تضيفه الى الأعمال المكتوبة؟ الرواج. التلفزيون والسينما يضيفان الرواج الى الأعمال المكتوبة. و»خالتي صفية والدير« عُرف أكثر... للأسف، عبر الأقنية التلفزيونية، ولكن ثمة أعمالا إبداعية، لا مجال الآن لذكرها بقيت على هيبتها الأصلية وتفوقت على الإعلام المرئي. حاورته / عناية جابر