هذا ليس تسولاً. وليس توسلاً لأحد. عندما يسود الظلام وتشتد عتمته، يخرج رجل ثمانيني من غرفته الصغيرة، بخطوات ثقيلة، متكئاً على عكاز يتألف من أربعة قضبان حديدية متناسقة الطول، الى منطقة معروفة بـ«ساحة عين السكة» في برج البراجنة. يدلف الى نقطة تمركزه بحركة ليلية روتينية. ويمكث هناك حتى طلوع الفجر. يعكس وميض أضواء السيارات القليل من النور الخافت على وجهه، فيغلق أهدابه عنوة، حتى يستقر بصره على الأرض بخفة متناهية. يستند ساعده إلى لوح حديدي، وفي اليد الأخرى، ترقص سيجارة على إصبع واحد. ينتصف الليل. الرجل المسن لا يحيد بناظريه عن الأرض، إلا لهنيهة. سبابة يده اليسرى مبتورة. كان، منذ أربعة عقود خلت، يملك محلاً لتصليح الدراجات الهوائية في منطقة الشويفات. كان ميسور الحال. وقد رزق حينها بأربعة أولاد هم: فتاتان صغيرتان، طفل، وفتى. الفتاة ستقتل وهي في عامها التاسع لأسباب عائلية، والطفل سيموت حزناً على والدته التي غادرت المنزل، للأسباب نفسها. بعد تلك النكسة، وبعد نكسات متتالية، لاذ الرجل بالفرار من داره مظلوماً، تاركاً وراءه الزوجة وفلذتي كبده. وفيما دورة الحياة تمرر أيامها وسنواتها بتنظيمها المعهود، في ظل أتون حرب عصفت في لبنان، كان الرجل يتنقل بين الأزقة ويأخذ من سيارات الخردة مخدعاً له، فيستفيق لتتكرر تلك الدورة بالانتظام نفسه. الأولاد كبروا، والرجل بات عجوزاً. تتحلق في المساء، على مقربة من الحافة الاسمنتية التي يجلس إليها المسنّ، ثلة من الشبان حول عربة لبيع القهوة. تركن سيارة أجرة قرب ذاك الرجل المسن، ويمد سائقها يده، فيمتنع العجوز عن مدّ اليد. يغادر سائق الأجرة، بعد محاولات حثيثة لمساعدة المسنّ، باءت بالفشل. تعود نظرات العجوز الى الأرض، بينما يستمر توافد الزبائن لارتشاف القهوة. مرت الأيام، وعلى الرغم من مرارتها التي اجتاحت كل من عايشوا الحرب، فقد رأى فيها الرجل سحابة خير وأمان، مقارنة بأيامنا هذه، حسبما يقول. أيام أخرى مرت، وأضحت مهنة الرجل كنايةً عن جمع المعلبات الفارغة، وبعض الألبسة القديمة من الأزقة، ثم بيعها في سوق صبرا. كان سعيداً بتلك الأيام. وبين الحين والآخر، كانت تزوره كريمته التي تزوجت، تماماً كحال نجله. تركن سيارة فارهة قبالة العجوز، وتخرج من نافذتها راحة يد مفتوحة. يرفع المسن نظره عن الأرض، ويأخذ المال ليضعه في كيس نايلون تدلى من أحد القضبان. تغادر السيارة، ويعود العجوز الى ما كان عليه مغمغماً بضع كلمات. تخفي القبعة المعقودة على رأسه بعضاً من جبهته الرحبة. سترة صوفية رثة تلف النصف الأعلى من جسمه. استمرت الأيام بدورانها المنتظم، وراح الرجل يتابع حياته المهنية كما عهد على مر السنين، فلم يتوقف عن جمع المعلبات الفارغة والثياب الرثة، وكان يحصّل من المال ما يكفيه لتسديد إيجار الغرفة التي عاش فيها، وتأمين مأكل عادي.. إلى أن طرأ أمر مفاجئ على حياته: مرض فتك بجسم نجله، أفضى الى ضرورة زرع كليتين جديدتين في جسده، وهكذا كان. كان الوالد، كأي أب على كوكب الأرض، ينصهر في ميدان الحياة، شاهراً سيفه: معركة تلو الأخرى لمساعدة الابن بعد العملية، توازيها أهمية مساعدة النفس لاستكمال الحياة، من دون التوقف عن دق النبض في شريان الحياة، ومن دون اللجوء إلى التسول مهما كانت الأسباب. وهكذا، أيضاً، كان. تتابع دقات قلب الرجل نبضها، ولم تنضب، فيما تشاجر مع نجله عندما عرف الأخير بأن والده قد أخبر أحد الأقرباء بأنه زرع الكليتين. وهكذا، حتى عاد الفتى، بعد عشرين يوماً ليصالح أباه، وقال له آنذاك: «يا والدي، أرجو منك الاحتفاظ بهذه المعلومة سراً، فأنا بغنى عن شفقة الناس. هل تعدني بهذا الأمر؟». وعده معارضاً. لكنه وعد. منذ عامين من يومنا هذا، وفي أثناء مرور الرجل في أحد شوارع البرج، اجتاحت سيارة مسرعة الشارع ورمته على قارعة الطريق. كانت السائقة فتاة مراهقة تتعلم القيادة، برفقة والدتها. نقل المسن الى المستشفى، وتكفلت والدة الفتاة بدفع مستحقات العملية التي أجريت في المستشفى الحكومي. عاد الرجل، بعد العملية الجراحية، الى متابعة عمله من دون أي كلل. هكذا، حتى وقع، بعد ثلاثة أشهر، على الأرض بغتة. وقع في المكان نفسه حيث صدمته السيارة. لم يكن هناك سبب أدى إلى وقوعه. لا شيء. حينها، دبدب في اتجاه الرصيف. وخيّل إليه أن الأمر لن يعدو عن كونه كسراً خفيفاً وبعض الرضوض، ثم يعاود المشي كما كان. لن يمشي الرجل بعد هذه الحادثة. حتّمت العمليات الجراحية الثلاث التي أجريت له، بمساعدة مالية من نجله المتزوج والأب لطفل، أن يمكث في المنزل حتى إشعار آخر، محتفظاً بسيخ حديدي في ساقه اليمنى. وترتب على الحادثة علاج خاص، استلزم أدوية متعددة، بينما استحوذت على جسد العجوز أمراض ثلاثة: السكري، حريق في البول، أرق في النوم. لم يكن بمقدوره دفع مستحقات الأدوية للصيدلية المجاورة لمنزله، فاستدان الدواء، حتى بلغت فاتورته أكثر من مليون ليرة لبنانية. قالت له الفتاة التي تعمل في الصيدلية: «الدواء لا يصير ديناً يا حاج». لقد ألغت دينه. مذاك، اعتبر نفسه مديوناً لها. أردف في ثناياه أنه مهما فعل، لن يكافئها. أحبها جداً. المسن، قرر، لقاء ذاك الحب الأبوي، أن ينزل الى الشارع لتسديد دينه، ودفع إيجار المنزل. لا تلفاز في المنزل. غرفة، مساحتها لا تتعدى الأربعة أمتار طولاً، وثلاثة عرضاً. تعبق رائحة غريبة. هي الرطوبة ربما. صورة عالم دين وسياسي مشهور يعتمر عمامة سوداء، رفعت في ركن الغرفة، يجابهها حبل رقيق علقت عليه ثياب رثة، واستقرت بينهما طاولة خشبية صغيرة. أكياس مكومة، كدست بعضها فوق بعض. رائحة غريبة. تحضن هذه الغرفة صاحبها العجوز. لكنه يغادرها، بعد مكوث مغناطيسي فيها لأكثر من أربع عشرة ساعة يومياً. يغادرها ليلاً، فيشعر بانشراح صدره بعد سجنه النهاري الاختياري. يخرج من الغرفة ليلاً، فيجلس حيث يجلس دائماً. لا يعتبر نفسه متسولاً. يطلب الصحة والعافية ليعود الى العمل: يستطيع فتح حانوت صغير، أو بسطة لبيع السجائر. أمنيته في الحياة أن ينقل سكنه من تلك الغرفة. وحلمه الأسمى هو مكافأة فتاة الصيدلية، حتى لو تطلب منه الأمر أن يبيع دمه. هكذا يقول. يطلب عدم تدوين اسم نجله في النص. لكنه لا يعرف أن اسمه لن يدون أيضاً. نجل الرجل المسن لا يعرف أن والده يتسول ليلاً. فهذا ليس تسولاً. ضيق الحال وآلام الجسد أرغمته على ذلك. لكن ابنه لا يعرف. تركن سيارة أجرة قبالة العجوز، يرفض الأخير أخذ المال. يغادر السائق موقعه. هو لم يقبل منه المال، لأنه يدرك صعوبة الحياة التي يعيشها هذا السائق. يعتبر أن أولاده أولى من صحته هو. يتناول المال من أيدي الميسورين فقط، ويدعو لهم بالتوفيق. يفرح كثيراً من التحية التي يلقيها أي أحد عليه. يبقى صامتاً. لا يحيد بناظريه عن الأرض. يعود الى المنزل فجراً بسيارة أجرة، يدفع ألف ليرة. منهم من يقبل ومنهم من يطلب المزيد، وهناك من طلب، ذات يوم، أن يأخذ العكاز الحديدي لقاء أجرته الى المنزل الذي لا يبعد أكثر من دقيقة عن مركز التسول. عن تلك الحافة الاسمنتية. هذا ليس تسولاً. يصر العجوز على هذه الفكرة. عندما ينتشر الظلام وتشتد عتمته، سيخرج رجل ثمانيني من غرفة صغيرة، بخطوات ثقيلة، متكئاً على عكاز يتألف من أربعة قضبان حديدية متناسقة الطول، ويتجه الى منطقة معروفة بـ«ساحة عين السكة» في برج البراجنة. سيدلف الى نقطة تمركزه بحركة ليلية روتينية. وسيمكث هناك حتى طلوع الفجر.