افتتحت عروض مسرحية »مجنون ليلى« لإيلي لحود (نص احمد شوقي) مساء يوم الاثنين على خشبة المركز الثقافي الروسي. تمثيل: ماريو عبود، نسرين نعمة، جان عيسى، سيمون كيفوركيان، نجيب أبي نادر، ايلي ب. لحود، جهان ارسانيوس، لوريت اده، ريتا أوسابيوس، فابيولا عبده، منى أبي حنا، عصام عبد الله. هنا مقالة. »مجنون ليلى« لأحمد شوقي كلاسيكية. المسرحية الشعرية هذه تصادم كل من يحاول العمل عليها، لأنها تمتلك مسلماتها التاريخية والفنية. عاشق وعاشقة يحولان فضاء العرض الى مناخ من الهيام ويقترحان مصوغا تقليديا واحدا سوف يجهد المسرحيون في اختراقه. يصيبون أو لا يصيبون، هنا المسألة. ايلي لحود اختار »مجنون ليلى«. وحين اختارها اختارها كما هي. شخصيات نمطية وازياء هي ازياء العصر العادية كل حسب طبقته الاجتماعية. ويشترط في هذا المجال التدقيق والتمحيص في بلوغ الرؤية العامة الجديدة، من خلال قراءة متأنية. بيد ان الروح التقليدية الطاغية في المسرحية الشعرية هذه، تصعّب الامور تماما. لأنها صاحبة منهج، وهو منهج ايقاعي بالدرجة الاولى يتجلى في الكتابة الدرامية المتدرجة لأحمد شوقي في أوزان الشعر وبحوره وفي صور العلاقة المتبادلة بين العاشقين. ولانها جاهزة. وقد تقود الى نوع من الشعرية الغنائية التطريبية. وهي شعرية إذا حضرت قادت العرض الى واحد من أخطر اللقاءات بين الصوت وارتداده الى نفسه في بدايات وقفلات تحاكي نفسها وتغلق العالم عليها. ايلي لحود يخوض مغامرة في اختياره »مجنون ليلى«. لأن خياره هو خيار الخوض في هذه المسلمات. لا عوامل مساعدة هنا. لا كوميديا ولا فانتازيا ولا تخييل. عناصر التنافس الخبيثة والثرية هذه غائبة تماما، مما جعل العمل في مدار الدراما المهددة بالميلودراما وخصوصا في لحظات اللقاء بين قيس وليلى. وهي ميلودراما لا شعبية في العادية، مثلت في اكثر من زمان ومكان في المسرحية الشعرية. انها نموذج من نماذج قول الشعر فوق خشبة المسرح. وقول الشعر على الخشبة يغلب الفصاحة التي تزداد في »مجنون ليلى«. لان احمد شوقي فصيح فصاحة لا تخفى على أحد. وقعت المسرحة اذاً في ميلودراما واضحة. جاهر الأداء على ألسنة الممثلين، وهو ينفخون الشعر كما تنفخ النار الزجاج. كذلك تكسرت الاجساد تحت ثقل الشعر وادواره ذات الحساسية الداخلية. تلك التي تحتاج الى تبحر. ذلك ان حضور الميلودراما، من قلة خبرة الممثلين وليس من حضور فصاحة الشعر او كلاسيكية احمد شوقي فقط. لنقل ان »مجنون ليلى« احتاجت طاقما آخر من الممثلين، افراده على دراية بموقع المسرحية الشعرية ومسالكها الداخلية وطرقها. اختيار الممثلين شكل أولى المعاضل في »مجنون ليلى«. ممثلون في بداية دربهم المسلكي المسرحي، يخوضون في أجواء محترفية. وهي اجواء تبقى عصية على الفهم والممارسة في غياب فهم الممثل نفسه. واعتقد هنا أن الجو المحترفي الواضح في مسرحية ايلي لحود، لعب دورا بارزا في حضور الميلودراما التي تتضمن روح الحزن القصوى وروح الكوميديا ولكن في غير وقت الاخيرة. الفهم الغائب من قبل الممثلين للمسرحية الشعرية والروح المحترفية شكلا ثقلا من أثقال المسرحية، التي غذت حضورها من نواح دائم لم يحد لحظة واحدة الى رسم العلاقة بين الشخصيات على خلفية الدراما الفاقعة في مسرحية أحمد شوقي. تفخيم »فرقة النواة المسرحية« المنبثقة عن محترف المسرح في نادي عمشيت والمحترف الخاص للتأهيل العالي، بدت منهكة تحت شعرية النص. والوصول الى هذه الشعرية يستلزم دأبا. ثم ان هذا الوصول، يتيح التخلص من التفخيم والفصاحة. الاخيرة كالقدر في »مجنون ليلى«. اما التفخيم، فهو عنصر يتيح الانقلاب عليه. اننا أمام ما يسمح باستعمال »الغروتسك«. »الغروتسك« من التفخيم، حل من حلول مطروحة. وسفر الى اسلبة قد تذهب بعيدا في استخدام الدراما في غايات جمالية خالصة لا تنفر. قيس وليلى في مقتبل العمر، عاشقان متيمان، اوصوليان مجنونان يحيط بهما عالم ناضج وبالغ، قبل ان يصبح قيس رجلا وليلى امرأة. قيس وليلى من بني عامر، أغرما ببعضهما منذ الصغر. وحين شبا أظهر قيس حبه لليلى وشبب بها شعرا. فحرمت عليه بحسب تقاليد زمنها التي تقضي بأن لا يفصح عن حبه لها قبل طلب يدها وموافقة الأهل. كل فتاة يشبب بها يضحي جسمها عارا على الفور. وحين لم يتمكن قيس من نيل مراده، تاه في البراري والصحارى هائما على وجهه، أشعث الشعر حافي القدمين ممزق الثياب. وبعد ان ثبت للأهل جنونه، زوجوا ليلى بورد الشقفي. عندها بلغ جنون قيس ذروته. لكن ليلى وان رضخت لإرادة الأهل والتقاليد بقيت عذراء مع زوجها الى ان ماتت. لحقها في ما بعد قيس، إثر زيارته قبرها آملا وصالها في العالم الآخر. حكاية رومانسية شعرية، ضاعت الرومانسية والشعرية فيها في أداء الممثلين. لم ينج منهم أحد. لأن علاقة الممثل بالشعر بقيت علاقة برانية. أي علاقة تلاوة، لا أقل ولا أكثر. فرغ ذلك الشعر من مضامينه. كما انه صوّره وكأنه مثيل للشعر وليس الشعر. إسهام الأداء في الحد من البلاغة بدا بعيدا من جراء ذلك. ثم ان الصور الشعرية ضاعت في التلاوة الشعرية. يحتاج النص الى تعميق علاقته بمؤديه. هذا يعني ان المسرحية بحاجة الى زمن بعد، لكي تستقيم وتستوي على صورها الحقيقية ومعادلاتها الفنية. تحتاج بعد الى طبخ، وخصوصا انها تتضمن عناصر، يمكن بلورتها في أبسط الصور وأعمقها. السينوغرافيا بوابة العرض، انها سينوغرافيا لماحة وجميلة. غير انها فقدت قواها التعبيرية في الفصل الثاني. لأن اي تغيير لم يجر عليها. بقيت هي هي في الفصلين، حتى استنفدت حضورها في الفصل الثاني. وهي ألفت من اقمشة حريرية ذات ألوان متناغمة، طغى عليها الاخضر والبني. دغم المسرحية في فصل واحد، يوفر الكثير من قوى المسرحية ويوفر قوى المشاهد أمام الشواهد الشعرية البليغة. تجريد الفضاء يسمح بتجريد عناصر اخرى. الاسلبة تجريد. وهي قريبة الحضور في الأداء من الطبائع العفوية للمثلين. العمل على هذا العنصر يوفر مصدر قوة آخر تحتاج المسرحية اليه في دورانها الواقعي الرتيب حول حكاية العشق البوهيمية الملتهبة في »مجنون ليلى«. لست ادعو هنا الى السخرية او السخرية من المسرحية الشعرية، برغم ان لحود إذ يعيد تقديمها أمام أجيال لم يعد الحب العذري يعني لها ما عناه في ازمنة بعيدة وقريبة ماضية. بل لان الاسلبة قد تؤدي الى بزوغ نسق في »مجنون ليلى«، يحقق مشاريع المسرحية في زمننا الراهن، على صعيد السحر الغامض والغموض السحري. إذ ان المباشرة وسمت المسرحية من أولها الى آخرها. وإذا أضفناها الى الواقعية الأدائية وواقعية المناخ، فاننا لن نلبث ان نجد أنفسنا أمام منابع قديمة لا تسمح بالتجديد ولا بالترطيب حتى او باقتراحات حرية ترفع مفاتيح العمل الصعبة الى مطارح اخرى وترسم عتبة جديدة لعمل قديم لا يزال يذكر البعض بحضوره على الرغم من كلاسيكيته المشفوعة بالثقل والمبالغة والاستيهامات الجامدة. محاولة صوتية أحسب ان المحاولة الصوتية التي رسمها ايلي لحود جاءت لكي تخفف من ذلك. محاولة في ثلاثة مستويات؛ مستوى الصوت المباشر ومستوى الصوت المسجل ومستوى صوت الكورس. بلغت المسرحية من جراء ذلك مستوى ايقاعيا لطيفا في اجزاء منها. ترفيع هذه المحاولة ضرب من ضروب قلب المأساة الى محاكاة جادة بالعناصر الصوتية لفعل جاد وتام يحدث في وقت له طول ملائم. واللغة فيه زينت بكل انواع البلاغة التي طُبقت كل على حدة في الأجزاء المختلفة من المسرحية عبر بحور الشعر المتنوعة والالعاب الصوتية والكتابة الاسطورية. مأساة بدل ان تشجع المتفرج على الانفعال تخلصه منها. احسب ان هذه وظيفة نقيضة وغير محسوبة في »مجنون ليلى« ايلي لحود. غاية المأساة هنا ليس دحض الغاية الاخلاقية. العكس هو الصحيح. الغاية هي في تثبيتها. اما الشخصيات فهي في محنة دائمة، لذا فانها تصاب بالحسابات الخاطئة. خطأ حول فهم المأساوية بعيد إثارة الجدل حول النظرية. »مجنون ليلى« نموذج مثالي غلب محاولات ايلي لحود. لم يستطع لحود تطويع النص في خدمة اغراضه. لقد أخذه النص الى سراديبه وشروطه سواء في أوقات قليلة أما في أفكار لم تتبلور تماما. بالمستطاع المراهنة على هذه الافكار. عندها يحدث التعرف والاكتشاف. ولا يعود النص نصا ثابتا، بل مغاير في رؤية او تصور مختلفين. المسرحية هنا تتحدد بالاختيار الاخلاقي وليس بالميلاد. لا تولد الحكاية على الخشبة فهي مولودة قبلا ولا تولد الشخصية. تحديد الاطار عن هذه المعادلة الصعبة والكثيفة. لذا بدت الشخصيات الخيرة والشريرة مأساوية، اكثر منها شخصيات ذات سمات اجتماعية او سياسية. ولسنا بحاجة بعد، الى تأكيد إعلان أرسطو بأن المأساة الجيدة افضل من الشعر الملحمي لما فيها من تركيز وترابط وعوامل مساعدة اخرى من موسيقى ومشهد. غلبت الاهتمامات البلاغية لأحمد شوقي المسرحية. غلبت مقاييس البلاغة لديه وقضايا الاسلوب والبيان اشارات التأثير المحتمل عليها. بدت سيرة واستمرت سيرة منذ اللحظة الاولى. اتخاذ موقف اكثر حداثة من النص هو المطلوب. إذ ان قراءة النص نقديا هي في حقيقة الأمر اعادة احياء له. أما الوقوع في أخلاقيته او دينيته، فهو مطب بالغ التعقيد والأثر. وهذا ما تبدى في »مجنون ليلى« في عرضها على خشبة المركز الثقافي الروسي. اعادة النظر في نمو المسرحية دراميا وجماليا، يفترض اعادة العمل عليها. هذا ليس صعبا. الأصعب ترك التراكم والجدل في مهب اللحظة التاريخية لكتابة المسرحية من أحمد شوقي. عبيدو باشا