تعود بي الذكريات للعام 1956، عندما كانت سوريا تتعرض لضغوطات الأحلاف الغربية، كحلف بغداد، والى العدوان الثلاثي على مصر في خريف العام نفسه، حيث بلغت حماسة الأمة العربية الأوج لمساعدة مصر بعد العدوان الثلاثي (البريطاني ـ الفرنسي ـ الصهيوني) وكل منهم جاء بحسب رغباته وأهوائه، فما إن بدأ العدوان الثلاثي على مصر، حتى سارعت قيادة الجيش السوري الى تشكيل قوة ضاربة بكامل عديدها وعتادها، واسندت قيادة هذه المجموعة للعقيد الركن سهيل العشي، واجتازت الحدود السورية، بالاتفاق مع الاردن، لتنتشر على الحدود الأردنية الفلسطينية ومساعدة الجيش الاردني، بقيادته الجديدة، بعد عزل الجنرال غلوب باشا من منصبه، ليتكامل الجيشان بكل ما في الكلمة من معنى. وتداعى الضباط في الجيش السوري، السادة عفيف البزري، هيثم كيلاني، عبد الحميد السراج، أكرم ديري، مصطفى حمدون، طعمة العودة الله، أحمد حنيدي، جادو عز الدين، زياد الحريري، حسين القاضي، وآخرون من رتب مختلفة، واستقر رأيهم بأنه لا يجوز السكوت على العدوان في الوقت الذي يهاجَم فيه القطر العربي المصري، واستقر الرأي على تفجير محطات البترول العراقي ـ البريطاني، الذي ينساب الى مرفأ بانياس في سوريا، والى طرابلس في لبنان، والى حيفا في فلسطين، ليغذي دول العدوان الثلاث. وأُوكل الأمر للعقيد عبد الحميد السراج مدير المخابرات العامة والعقيد أكرم ديري مدير الشرطة العسكرية للتصرف، فقام السراج باستدعاء زمرة من الضباط الذين خبرهم في الملمات وهم الملازم الأول عبدو الحكيم باتخاذ الترتبيات اللازمة، والذي كلف بنسف المحطة الثانية T-2 في محافظة دير الزور القريبة من الحدود العراقية، ومعه ضباط الهندسة الملازم كامل عرنوس، كما كلف الملازم أول هيثم الأيوبي، بنسف المحطة الثالثة T-3 التي تقع الى الشرق من تدمر. كما كلف الملازم أول (بهزاد عمّار) نسف المحطة الرابعة T-4 ومعه الملازم شايش تركاوي. وبما أن المحطة الثانية قريبة من الحدود العراقية، فقد خشيت القيادة افتضاح أمرها للانكليز ولحكومة نوري السعيد، فأخذت الاحتياطات الكافية لرد أي هجوم محتمل عليها. وانطلق الجميع عصر يوم 31/10/1956 وتوجه كل منهم لتنفيذ المهمة الملقاة على عاتقه، أما المحطة الأولى T-1 فكانت تقع في العراق. وقد قُطعت الطرق من والى المحطات الثلاث وما بينها حفاظاً على سرية العملية وقد تفهم الجميع طبيعة المهام وبدأوا بتنفيذ خططهم: بإقصاء حراس محطات الضخ من أماكن الحراسة، بإشاعة أن البدو يهاجمون المحطة بقصد السرقة. (ب) إبعاد العمال عن مناطق أعمالهم ومساكنهم القريبة من المحطة، وذلك تفادياً لوقوع خسائر بالأرواح. (ج) وفي ذات الوقت، بدأوا بإطلاق الرصاص بحجة مقاتلة البدو، وطردهم من المحطة وكانت المفاجأة في محطة T-2 التي كان مديرها المستر (كولير) وكان يقود سيارته بنفسه وغير مصدّق لما يجري أمام عينيه، غير أن الملازم أول عبدو الحكيم أمر جنوده بإطلاق صليات رشاشة باتجاهه كانت كافية لعودته من حيث أتى... وبعد أن قام الضباط بتنفيذ المهمة على أكمل وجه، اتصل السراج من تدمر بالملازم الأول عبدو الحكيم وقال له: أنا مكلف من القيادة السياسية للاشراف على التحقيق بموضوع الانفجارات... فأسقط في يدي. وإذا به يقول: لا تكملوا التحقيق، واضاف بما معناه (لتفعل القيادة السياسية ما تشاء لها أن تفعل...) (رسالة شخصية موجودة بعهدتي). وهكذا انقطع شريان الحياة الرئيسي الذي كان يغذي الأعداء انقطاعاً كلياً، فكان أولئك القادة هم المقررين، وأصبح هؤلاء الضباط وجنودهم المنفذين، وانطلت التمثيلية على الطاقم السياسي، بعد أن انتهى تحقيق السراج...!... وكان من نتائج هذه العملية التي ساهمت فيها عناصر كفاحية من الأمة، ان أشرف الجنيه الاسترليني على السقوط، وانزوى رئيس وزراء بريطانيا (المستر ايدن) في جزيرة (جامايكا) حزينا على ما أقدم عليه وباء الفشل، وخرج عبد الناصر زعيماً، تحررت على ايدي رجاله ومقاومته، بور سعيد وقناة السويس، ما فتح الطريق لاستكمال التحرير بالوحدة بين مصر وسوريا. تلك كانت أيام... فهل ما نعيشه يمت الى الزمن العربي أم الى الزمن الصهيوني؟