As Safir Logo
المصدر:

شعرية الدّغل في «فراشة من هيدروجين» للشاعر مبارك وساط

لوحة للفنانة السوري ريما سلمون
المؤلف: الوراري عبد اللطيف التاريخ: 2010-03-19 رقم العدد:11545

يُمثِّل الشاعر مبارك وسّاط، داخل الشّعر المغربي وحداثته، وضْعاً اعتباريّاً وخاصّاً، اليوم. من باكورته «على درج المياه العميقة» 1990، مروراً بعمله المركَّب والمفكَّر فيه «محفوفاً بأرخبيلات...، يليه «على درج المياه العميقة» {طبعة مراجعة ومنقحة}، وبعده: «راية الهواء»2001، وانتهاءً بعمله الجديد»فراشة من هيدروجين»2007، لا يتوانى الشّاعر، بوافر الخبرة الّتي ورثها عن سلالة الحوليّين ومحكِّكي الشعر وعبيده، عن أن يُطوِّر قصيدته الّتي تصدع بانْشِقاقٍ جماليّ وتيماتيّ بائن ومتصاعد مثل نشيدٍ لانِهائيّ، لما توافر لديه من متاعٍ تخييليّ وفلسفيّ يقدم من الوجود والكتابة، ومن مقروئيّته الخصبة والمتنوّعة لعيون الشعر الإنساني. يتجاوز ذلك المتاع منطق الكلّيات والقرائن والأشباه إلى حميّا الحياة وتجربتها الفارهة والمغمورة بماء النّسبي واليوْمي، الّتي تهَبُ الذّات عبورَها وزمنيّتَها، ومن خلالها تتعرَّف الى ماضي الآخرين، وتنتزع آثارهم من النّسيان. يُدشِّن مبارك وسّاط مصير عمله «فراشة من هيدروجين» (دار النهضة العربية، بيروت) وميثاقه في تأويل القروءة، بنصّ «ظـهـيـرة»، الشّبيه بـ «مانيفستو» أو بيانٍ شعريّ: « كنتُ على وشك الغرق/في البحر/البسيط/حين أنقذني/بحّارةٌ/عَرُوضيون/هكذا بقيتُ على الرّمال/ملفوفاً في بُغام الظهيرة/الذي تَـنْـبَجـسُ منه/نُمورٌ وديعة/لقد حُكم عليّ بالتّسكّع/فبيتي/الشِّعري/قد جرفته الأمواج/وعليّ بمساعدة نموري/أن أبنيه/ثانية». ـ [الديوان، ص. 7 و 8 من البدء يضع الشّاعر بيته الشعري بوصفه مأوىً رمزيّاً في الضوء، إذ يُريد أن يُعيد بناء الدالّ النصّي مجدَّداً، فيما هو يجعله خارج «البحر العروضي»، منذوراً للأوضاع المتبدِّلة التي لا قياس لها في منطق الأمواج المتلاطمة التي نشأ عنها الإيقاع. وإذا كان من الصّريح أنّ الشاعر لا يربط شعريّته برهان الوزن، وهو تحصيل حاصل أصلاً، بحكم انْخِراطه الأوّلي في قصيدة النثر وخيارات نسبها الجمالي والرمزي، فإنّ ما يلفت إليه، تحديداً، هو استحقاقات رهان المعنى بوصفه مأوى اليوتوبيا المبحوث عنه، وما يتطلّبه ذلك من إحساسٍ خاصّ بقلق الجدوى من عدمها، لأنّ بحثاً كهذا لا يُعوِّل على التجديف، إلا إذا كان المقصود بالتجديف، هنا، مُعاركة الأمواج وشهوتها بيديْن سعيدتيْن، واعتباره ذلك مُغامرةً لا تكلّ، ونشيداً لانهائيّاً من الطفولة، متصاعداً وطائراً. بـ «هوىً نواسيٍّ» يأخذنا الشاعر إلى أرضه البكر يستكشفها خارج مدارها، فلا جاذبيّة تشدّه إليها: «نُنصت، نُدخّن لفائف / سحرية، يخفّ / وزننا، نرتفعُ / مُبدّدَيْن في الهواء، مطراً / ونُدف ثلج.../ الأرْض نفْسُها / داخَتْ، فما عادتْ / تجتذبنا / ويبدو أنّها / كفتْ / عن الدّوران!». ـ [ الديوان، ص. 11 و12 يتعدّى ذلك أن يكون لعباً لغويّاً، بل هو يُعلن عن نفسه، تصاعديّاً، بصفته استراتيجية لفعْلٍ كتابيٍّ يدفعُ بالذّات المنتشية بمعرفتها إلى أقصاها، والمثقلة بقلق أسئلتها ورغائبها واستيهاماتها إلى أقصاها، وهو ما يجعلها تنهمك، من داخل وجودها، في صوْغ متخيَّل شعريٍّ يرى إلى الأشياء والعناصر في غير مكانها، فيُصغي إليها، ويضايفُها، ويأتيها بمنطق الغزو والنفاذ إلى جوهرها، ويعمل ـ بالنّتيجة ـ على التحويل في كيميائها المسكونة بالتوتُّرات. ما يلفتنا في هذا المتخيّل أنّه «متخيَّل أثيريّ» له قدرةٌ عجيبة على التّحليق، وعلى العمل بطريقٍ سحريّ في الأشياء والعناصر، بحيث يقدم إلينا من/ في الهسيس، والدخان، والهواء، والنسيم، والرفيف، والعواطف الزرقاء، ومن ثمّة نجد أنفسنا مغمورين بـ «أنْفاس الغابة» التي تبتدعُها ذات الشاعر، وتشقُّ طريقها إليها بـ «أثير الريبة»، وإن بدا الطريق «وعراً»، كلّما «بدأ الضّوء يتخفّى في الذهب»، وبدا هو مُحاطاً «بكلّ تلك الجبال/ التي ستتدلّى/ من هاتيك الثُّقوب» (ص. 35). الغابة هكذا نمضي مع الشاعر إلى الغابة الّتي يتفيّأ في حدائقها، تحت ظلال أبي نواس وطرفة وماياكوفسكي وجورج سيمنون وسواهم، بلا نيّةٍ في القتل، بل برغبة التنزُّه التي تسكنها أهواء الذّكرى والحنين، فلا ينصب فخّاً لطائرٍ، ولا يقول لجدْولٍ اصمتْ، ولا يُحبّ أن يُؤلم حجراً، ولا يحتمل أنْ يزدري زهرةً، لأنّ ذلك ميراثَه الّذي انْتَهى إليه علمه، وانْتَشى به: «وها أنا الآن أصنعُ سهاماً / من قطرات / نبيذ « (ص30.). ليست الغابة مُعطىً خارجيّاً ناجزاً، بل هي تنتسجُ باستمرارٍ، عبر المتخيَّل وعمله الّذي يُنادي على البدايات، وعلى ميثات العَوْد الأزلي. فهي تتجلّى إنْ بصورة حلم أو كابوس: «تركنا رأسيْنا في غابة» (ص23.)، أو بصورة ذكرى: «تذكّرت غابةً بأكملها» (ص71.)، أو بصورةٍ تطفح بالرغبة: «على شكل شعيْراتٍ سوداء/ في عانة غادة» (ص72.)، أو بصورة الغبش الذي يتكاثف حتّى يصير البحث عن «الأسرار المخبوءة تحت ياقة فراشةٍ» ـ صمّاء أو من هيدروجين ـ سؤالاً هاذياً على مدار التجربة الّتي تجترحها الذّات كمن «ينكش ريش اللّيْل» (ص56.)، و»يتهادى هاذياً / على خطوط/ الرماد» (ص60.). هكذا، سرعان ما تتحوّل الغابة إلى دغلٍ يتعيّش عليه الشاعر، ويُوغل في أهوائه حين لا نكون نراه: في الكأس، في جراح الحليب الّتي تتخثّر، وتحت النافذة الّتي تُؤجّجها الريح بسعير ناياتها، وفي القوقعة الّتي تدور حول أذنيه وتأتيه بأخبار شاطئ بعيد، بالمعنى الذي يُفيد أنّ الشاعر يستدرج الدّغل إلى غرفة نومه، فلا يرى في الحلم سوى شجرة من ماء يغرق فيها العصفور، وفي غربته رائحة النمل والأقفال الّتي تصدأ في المرآة، كما الماء يغضبُ تحت المخدّات، بعيداً عن المدينة المسحوقة. من خلال هذه الملفوظات الشعرية المسكونة بالهذيان والحلم والكوابيس، يعمل المُتخيَّل ويتوهّج في غفلةٍ عن ذات الشاعر الّذي يظلّ «أسير هاء الهواء» (ص43.)، و»يسكنُ بيتاً من دخان» (ص92.). وإذا كانت الذّات تعاني الوحشة والفراغ والعزلة والقلق الوجودي مثلما تصدع بذلك قصائد «ليت لي» (ص31.) و»زمن القتلة» (ص48.) و»اكتئاب» (ص50.)، إلا أنّ الذّات لا تستكينُ إلى ذلك، بل هي تطفحُ بروح المغامرة والتجاوز وعدم التراجع، حتّى وإنْ كان ذلك في»يوتوبيا» (ص61.)، وفي «وهْم الواقعيّ» الذي تنهض عليه نصوص الحلم والتخييل في «إنْ كنت منذ الصباح..» (ص66.)، والأمل في «لو شددْنا الريح» (ص76.)، والانتشاء بتمارين الاستعارة الّتي يُحْدثها رنين «الشراب الزُّعاف» (ص78.). لا نفْصل، هنا، وضع الذّات عن شرطها الإنساني الذي تكتبه قصائد أخرى تتّخذ صفة الحكاية الرّمزية وتتحرّك بالسّرْد أليغوريّاً، فيما هي تُفصح عن سيرة الذّات الشعريّة بصفاءٍ نادر، وتكشف سُخريّتها السوداء من زمنها الشائه والشائخ والمتصحِّر برُؤيا حداديّة، كما في»البئر» و»وقائع» و»انتظار»، أو في «حكاية» حيث يقول: في كل مرة، يطرق الباب مُطَوّلاً/ ولا من مُجيب/ بَدأ شكه ينكشُ لحيته/ وأخيراً، أدرك أنّ الأحد قد اختفى/ أنّ الأيام المُتبقية/ في حداد/ وأنّه يطرقُ باب غرفة فارغة/ إلا من رائحة الدّم/ وبقايا / كوابيس» (ص. 75). الكابوسي والديونيزوس لكن ما يثيرنا في هذه القصائد ـ الحكايات الرمزيّة ليس بناؤها الشذريّ الّذي يشعُّ بصورٍ رُؤيوية تجعل الهامش بين الحسِّي والمجرّد ضيِّقاً للغاية، بشكْلٍ يُجدّد حياة الاستعارات ويبعث فيها عِلْم جمال اليوميّ والواخز، بل هذا التعايش بين زوجي الكابوسيّ والديونيزوسيّ الذي يُزنِّر المتخيّل راقِصاً على الأجناب، إذ ما تني الكوابيس والهذيانات المثيرة للدهشة تُهيمن على القصيدة، حتّى يُكسِّر أفقَها رغائب الانتشاء في شكْل استيهاماتٍ مُبْهجة، كأنّ الألم واللذّة من رَحِمٍ واحدٍ، من أرُومةٍ واحدةٍ: «كلّما اعتصرْتِ إسفنجة الألم/ على جبيني/ سرتْ رعشاتُك في كتفيّ/ وبلّل هذيانُك شَعْري/ فانْـتَـشـيْـت» (ص. 17). إنّ الذّات الّتي يترعها الإحساس بالألم بسببٍ منْ زمنها، هي نفسها الّتي يترعها الإحساس بالمتعة، من متعة التنزُّه في دغل تتوالد شعريّتُه باطِّرادٍ، إلى متعة الإنزلاق في الدالّ الشعري الّذي لا يقول شيئاً، فيتداعى في سلسلةٍ من المدلولات لا تنتهي: «أحياناً، أستدرجُ كوابيسَ/ إلى غرفة نوْمي/ صمتي جبلٌ/ مكسوٌّ بالجليد/ فما عليّ إلا أن أُمسك عن الكلام/ لأتزلّج وأنْتشي» (ص 38). نكتشفُ بعد هذه المغامرة الّتي عبرتْها ذات الشّاعر، بأريحيّة من ذاعتْ أشواقُه في مياه الشكّ والحلم والهذيان والمفارقة الساخرة والتّخييل، أنّنا بصدد شخصٍ عاديٍّ جدّاً، لا هو بنبيٍّ أو قدّيس أو مُخلِّص: «عاديّ تماماً، ذكرياتي ذات أجنحة من ثلج،/ أمسحُ النوم عن فمي،/ لأدخِّن سيجارتي،/ أمطُّ قليلاً شفتي/ لأرشف من قهوتي» (ص 92 ـ 93). وأمّا الفراشة الهيدروجينيّة الّتي يتسمّى بها الديوان، ورغم معاني الرماد المتكثِّرة الّتي توحي بها، فإنّها ليست أكثر من خيْط رجاء يُشعشِع بالآتي في حِجْر امْرأةٍ، حتّى «قالت إنّها بدورها ربّتْ فراشةً من هيدروجين في شعرها». (ص91.). بين الشّذْرة والمتتالية والحوارية، تتحوّل القصيدة كفعلٍ كتابيّ وأليغوريّ يَصْعد بإواليّة البناء إلى توتُّرٍ كيميائيٍّ يفتح أفق القصيدة على المحتمل، ويُجدّد وعي عناصرها بالعالم. ثمّةَ سورياليّة ينجح الشاعر في دسّ التماعاتها التخييليّة المدهشة داخل قصيدته بقوّة الكثافة الّتي تؤذينا في الصّميم، وبقوّة النّفَس الشعري الّذي يرتفع بمعماريّة العمل الشّعري إلى مستوى الرُّوح المرئيّة للأشياء والعناصر والرؤى الّتي تضع العالم في وجْه مُفارقاته، وهذا ما يجعل القصيدة تنزع نحو بصريّتها، ويُنقذها من لعبة الذّهني ـ الصّدفوي المكرورة والمفترضة الّتي تُحْبط رهان الشعريّة، شعريّة الدّغَل التي كلّما أَدْغل الشاعر في مباهجها، كلّما شفّت عنه. للقارئ، ليس الدَّغَل يُفيد ـ بالضرورة ـ كلَّ موضعٍ يخاف فيه الاغتيال، كما قال الشاعرُ العربيّ: سايَرْتُه ساعةً ما بي مَخـافَـتُـهُ إِلا التَّلَفُّت حَوْلي، هلْ أَرى دَغَلا؟ لكن لا مشكلة أنْ يتَّخذ «فراشة من هيدروجين» دَغَلاً، فيُدْغلها في التّأويل. وللشاعر مبارك وساط، أقول إنّي قضيْتُ أوقاتاً طيّبة مع فراشتك المتمرّدة، كما أملْت في إهدائك لي. (شاعر وناقد من المغرب)

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة