قبل نشر كتاب « اللاهوت العربي وأصول العُنف الديني « بالقاهرة بفترة قصيرة وقعت حادثة أو قل كارثة « نجع حمادي « التي رجت المجتمع المصري وراح فيها خمسة من البسطاء الأقباط صباح عيد الميلاد المجيد في كانون الثاني الماضي، فسارع د. يوسف زيدات مؤلف الكتاب الى الإعلان عن تأجيل نشره، وصرح لصحيفة «اليوم السابع» المصرية «انه اجل نشر الكتاب لأجل غير مسمى حتى لا يشعر الأقباط أن صدور كتاب من هذا النوع جاء كرد فعل للأحداث بل ومؤيداً للمسلمين ضد الأقباط» على حد قوله»، لكن دار الشروق المصرية «ناشر الكتاب» استنكرت تأجيل «زيدان» وكذّبه أحد مسؤوليها في نفس الجريدة وسارعت الى نشر الكتاب وتوزيعه في المكتبات والمعارض المصرية والعربية مؤخراً. وهذا «التأجيل» و»الاستنكار» يرجعان لأن كتاب «اللاهوت العربي وأصول العنف الديني» في جوهره لا يختلف كثيرا عن رواية يوسف زيدان الشهيرة «عزازيل» التي فازت بالبوكر العربية واتهمت بالخوض في المقدسات المسيحية والقبطية خصوصا والتبشير بالاسلام قبل ظهوره بقرون وأثارت جدلا واسعا وصدر كتابان للرد عليها هما «الرد على البهتان» للأنبا بيشوى، و»عزازيل جهل بالتاريخ أم تزوير للتاريخ؟» للقس عبد المسيح بسيط أبو الخير . الصراع الكنسي فمن ناحية، يركز كتاب «اللاهوت العربي وأصول العنف الديني» وفي أطول فصوله على نفس الفترة التي تناولتها الرواية، وهي فترة الصراع الكنسي العالمي في القرن الثالث الميلادي، وبالتالي يشتمل على كل شخصيات رواية «عزازيل» «المهرطقة» بالنسبة لكنسية الاسكندرية القبطية الأرثوذكسية – باستثناء طبعا راويها «المختلق» هيبا- من أول «هيباتيا» فيلسوفة الاسكندرية التي اغتالها متطرفون مسيحيون في هذه الفترة، حتى «نسطور» اسقف القسطنطينية الذي خلع او شلح بجهود «كنسية» سكندرية في نفس الفترة . ومن ناحية اخرى يتبنى الكتاب نفس نهج الرواية في محاكمة تاريخ شرائع ومقدسات «كنيسة الاسكندرية» القبطية الارثوذكسية وشخصياتها المقدسة في عز تزعمها لكنائس العالم في القرن الثالث الميلادي بمنطق المهرطقين والخارجين والأدق منطق المسلمين البسطاء الذي لا يرى في تاريخ كنسية الاسكندرية القبطية الارثوذكسية إلا مسيرة ممتدة من الانحراف والتحريف والتشدد والانغلاق وحتى الارهاب الدموي خصوصا في عهد اسقفها الرابع والعشرين «البابا كيرُلس» عمود الدين. ديانة واحدة كتاب «اللاهوت العربي وأصول العنف الديني» يبدأ بمقدمة طويلة نسبيا، أطول من كل فصول الكتاب، وتتلخص في التأكيد على ان الكتاب بفصوله السبعة وخاتمته المسهبة منوط بإثبات فكرتين والأدق عقيدتين: الاولى ان الاديان السماوية او الرسولية الثلاثة (اليهودية والمسيحية والاسلامية) ديانة واحدة ذات تجليات ثلاثة، والثانية ان الديانة المسيحية لم تعرف اللاهوت إلا حينما انتقلت الى منطقة الهلال الخصيب (الشام والعراق)، «وهي المنطقة التي سادت فيها الثقافة العربية قبل ظهور الاسلام بل قبل انتشار المسيحية بقرون والتي ادت جهودها «اللاهوتية» بشكل مباشر الى ظهور الارثوذوكسية وسعت لإرساء لاهوت مسيحي عميق لكنها لم تنجح إلا بعدما ظهر الاسلام الذي نصرها على الكنسية الارثوذكسية التي كانت لا ترى فيها الا هرطقة نسطورية نسبة للأسقف نسطور الذي شلح عقبا على الهرطقة في الشرائع الارثوذكسية» حسبما جاء في الكتاب. غير ان اللافت في مقدمة الكتاب الانشغال بالرد بل السخرية ان لم نقل التطاول على الرافضين أو المهاجمين المتوقعين للكتاب بدلا من التركيز على تقديم مادته ومضمونه، ومن هنا سقطت المقدمة المفترض انها علمية رصينة في تنبيهات وتحذيرات بدت انفاعلية من قبيل الإلحاح على ان الكتاب لم يوضع أساسا «للقارئ الكسول، ولا لأولئك الذين أدمنوا الإجابات الجاهزة وانما وضع للقارئ الذكي»، وبالتالي الاتهام المسبق والمهدد لأي معارض «في علم الغيب» بصير ذلك «القارئ الكسول المعتاد على تلقى الاجابات الجاهزة على الاسئلة النمطية»، ومن هنا ايضا ظل الشطر الثاني من عنوان الكتاب «أصول العنف الديني» غائما وغير مبرر سواء في مقدمة الكتاب أو في فصوله السبعة، وبدا وكأنه أقحم على الكتاب لاغراض تجارية، أو ان المقصود به فقط أصول العنف الديني في «تاريخ الكنسية القبطية الارثوذكسية» خصوصا ان تاريخ اضطهادها للمهرطقين والخارجين عليها يستغرق أطول فصول الكتاب وأهمها وأكثرها أحكاما وتركيزا في تناول موضوعها وهي فصول «الحل المسيحي: من المثيولوجيا الى الكرستولوجيا» و»النبوة والبنوة: فهم الديانة شرقا وغربا»، وأخيرا «جدل المهرطقين والأرثوذكسية: الاختلاف القديم بين العقليتين». اليهودية وبناء على فكرة او عقيدة ان الأديان الثلاثة ديانة واحدة يناقش الفصل الاول من كتاب «اللاهوت العربي وأصول العنف الديني» «جذور الإشكال: الله والأنبياء في التوراة» ويناقش فيه تاريخ وتراث الديانة اليهودية منذ ظهورها حتى ظهور المسيح، ولكنه بدلاً من التركيز على المشتركات والجوهر الواحد الذي يجمعها بالمسيحية والاسلام كما وعدت المقدمة - ركز هذا الفصل على انتقاد النصوص اليهودية المقدسة والسخرية منها بل محاكمتها بالمنطق الاسلامي الذي لا يرى فيها إلا تحريفا مغرضا للنصوص الاصيلة، وبالتالي بدا منطقياً ان يسخر من صفات الله في التوراة ولا يرى فيه إلا نموذجا للانسان «القلق الحسود الغضوب المغلوب المحب لرائحة الشواء»، ليتوصل في نهاية الفصل الى «ان اليهودية عبر تاريخها الطويل وحتى المسيحية فيما بعد رسخت صفات إلهية خطيرة لا يستحب أصلا إطلاقها على البشر ناهيك عن الله»، على حد قوله، والتأكيد على ان «الصورة التوراتية للآباء الأوائل بل الأنبياء ورجال الدين اليهودي عموما مفزعة» فهم على حد قوله «لا يتورعون عن الإتيان بأفعال مهولة في فداحة معصية» آدم «أو استخدام المرأة للحصول على المال كما فعل» ابراهيم «أو السكر والزنى بالمحارم (لوط وابنتيه) أو النتكر للجميل (ابراهيم مع اويباك) أو السرقة ونهب الجيران والقتل (موسى) أو الإمعان في إبادة الناس (يوشع بن نون) أو الاستيلاء على النساء بقتل أزواجهن ظلما بعد الزنى بهن (داود) او قتل الاخوة للانفراد بالحكم (سليمان) ناهيك عن تبجح القتلة وحماية الله لهم حسبما ورد في حكاية قابيل وهابيل التوراتية». واللافت في هذا الفصل وفي الكتاب عموما انه رغم تباهيه بانه يستمد مصادرة من المخطوطات النادرة العصية المنال تجاهل مصدرا قريبا وسهلا ويتمتع بشهرة عالمية وهو كتاب «التوراة جاءت من الجزيرة العربية» للمؤرخ والمفكر كمال الصليبي رغم انه يتناول نفس موضوع الفصل والكتاب عموما، وتوصل الى نتائج مذهلة يصعب تجاهلها في أي محاولة جادة للبحث في التاريخ اليهودي!! وأغلب الظن ان هذا التجاهل متعمد ويرجع الى روح الباحث المتفرد والمفكر السبّاق الذي لا يليق به الاستعانة بجهود مفكر زميل حتى لو كان في حجم كمال الصليبي، وما يؤكد ذلك النبرة «الأنوية» «الذاتية» المتفشية في الكتاب، والولع المفرط بتأكيد الأسبقية في الاكتشاف والتنظير وصك المصطلح، ومن ناحية اخرى انتقد جهود الباحثين العرب وحتى المستشرقين في النظر الى تاريخ اللاهوت اليهودي والمسيحي والاسلامي واتهامها بالقصور وافتقاد القدرة على «الوقوف عند مفهوم «اللاهوت العربي» الذي طرحناه هنا لأول مرة!! المسيحية وعلى هذه المنوال، أي انتقاد التاريخ والنصوص المقدسة اليهودية بدلا من البحث عن جذور التواصل بينها وبين المسيحية والاسلام – جاءت الفصول الثاني والثالث والرابع من «اللاهوت العربي» والتي يمكن اعتبارها متنه وحاملة فكرته الاساسية وبالطبع نبوءته غير المسبوقة «اللاهوت العربي»، وفيها يستعرض تاريخ الديانة المسيحية من اول ظهور المسيح حتى ظهور الاسلام، ويركز على تاريخ كنيسة الاسكندرية القبطية الارثوذكسية باعتبارها معقلا للتشدد بل العنف والارهاب الديني منذ القرن الاول الميلادي حتى ظهور الاسلام وربما حتى اليوم، وبالطبع ينتقدها والديانة المسيحية عموما، ويفند شرائعها ومقدساتها وينسبها ابتداء من «الثالوث المقدس» الديانات الفرعونية وثالوث (إيزيس وحور وأوزيريس). وفي هذا السياق يشكك المؤلف في اعز مقدسات كنيسة الاسكندرية القبطية الارثوذكسية والديانة المسيحية عبر اسلوب الأسئلة او التساؤلات الاستنكارية «المفحمة» مثل هذا الهامش الوارد في الصفحة 71 من الكتاب «هناك إشكال عقائدي في الديانة المسيحية: إذا كان المسيح هو الرب فمن كان يدبر العالم خلال أيام موته الثلاثة؟ فإذا أجيب بأن (الآب) كان هو المدبر، جاء السؤال آخر: ما دام الآب هو المدبر في الأيام الثلاثة فلماذا لا يكون هو المدبر دائما؟ وجاء سؤال آخر ما دام المسيح قد انفصل عن الآب بالموت، وعاد بعد ثلاثة أيام فهما إذن ليسا من طبيعة واحدة لأن الانفصال بينهما وقع، فكيف يقال انهما من روح القدس: إله واحد؟»!! الجوهر وعلى النقيض من هذه النظرة الانتقادية «التفنيدية» وبالتالي «الإفحامية» للتراثين اليهودي والمسيحي جاء الفصلان الخامس والسادس «الحل القرآني إعادة البناء» و»كلام الأسلام : الوصلة الشامية العراقية» اللذان تناولا التاريخ والتراث الاسلامي، ففيهما حلت محلها لجهة تسليمية لو صح الوصف، نظرة المؤمن البسيط ان لم نقل التعصب لنصوصه ومقدساته، وفي هذين الفصلين في الكتاب يتذكر الكاتب سؤاله او فكرته او عقيدته الاولى «الأديان الثلاثة في الاصل ديانه واحدة»، وسرعان ما يجدها في الاسلام «دين الفطرة الذي جاء في غمرة القتامة المسكونية» وظهر «في لحظة مسيحية حرجة ليحل اختلال العقائد والتقاليد المسيحية المتعاندة الموروثة من تعاليم الآباء وبنود اللعنات التي يصبها الكل فوق رأس الكل» على حد وصف الكتاب الذي توصل في النهاية الى ما يمكن اعتباره هدفه ومبتغاه ألا وهو «ان الاسلام بمفهومه الشامل يتسع ليشمل الديانات الثلاث جميعها، ويجعل أنبياءهم مسلمين كلهم، وهو المعبّر عنه بدين الفطرة ودين ابراهيم (عليه السلام) ودين القيّمة» وبالتالي يشتمل جوهر الديانات الثلاث!!