تنشر «السفير» ملامح من شخصية الراحل أنطوان شويري، التقطتها الزميلة مارلين خليفة، وسجّلتها في كتابها «بورتريه»، الصادر في نيسان من العام 2006، والذي ضمّ ملامح لخمس وأربعين شخصية، في السياسية والاقتصاد والثقافة والأدب والفن. وتجدر الإشارة إلى أن السنوات الأربع الأخيرة من حياة الراحل، وتطوره خلالها، تغيب عن هذه الملامح. فخلالها، أظهر الراحل جبروتاً كبيراً في مقاومته المرض. وتبقى صوره متبسّماً، رغم النحول، في المناسبات الإعلامية القليلة التي شارك فيها، خير دليل على هذه المقاومة، والقوة الإنسانية. كأن أنطوان شويري خُلق للتحدي. فهو نموذج الرجل العصامي، الذي أتقن منذ يفاعه «فن» تخطي الصعوبات ليبني على أنقاضها واقعاً مصدره حلم ما، يحققه عادة بالعمل الجدي والرصين المدعم بثقة لا متناهية بالنفس. يتميز أنطوان شويري بقامته المتوسطة المليئة وملابسه «السبور» الأنيقة كأي رجل أعمال عصري. صوته الرجولي الأجش لا يلغي استقباله الدمث واللطيف. أبرز هواياته: قهر التحديات والرياضة على أنواعها... واللعب مع أحفاده. اختط شويري مسار حياته بنفسه، سنده الرئيسي هو الطموح الجامح، فلا ثروة أبيه الموظف أوصلته إلى النجاح، ولا عائلته التي يصر على أن حالتها كانت «أقل من متوسطة». جازف للنجاح ورضي أن يقامر بالمستقبل متسلحاً بتصميم وعناد لا حدود لهما. سافر في الحرب إلى باريس وهو لا يملك إلا بعض المال، وسرعان ما تفوق ووسع إطار أعماله، لتشمل بعد لبنان البلدان العربية وأوروبا. لا تنقصه روح الدعابة ولا الكياسة ولا المرونة في حديثه، لكنه يطلق بضع عبارات تنم عن حزم وإرادة لا تكسرهما الشدائد. هكذا، تشعر أن المشقات تشحذ فيه حب التحدي والمغامرة. فهو قاس إذا تم تحديه والأفضل عدم إغاظته أو «زكزكته». لا يحب شويري كثرة المظاهر. ديكور مكتبه أنيق على بساطة، يمضي فيه يومياً أكثر من عشر ساعات، وأحيانا «تختلط» ساعات نهاره وليله على ما يقول أحد معاونيه. تلفت في غرفة الاجتماعات المحاذية مكتبة من عناوينها: مجموعة «كلمات الزمن الصعب» لغازي العريضي، «دائرة المعارف» لفؤاد افرام البستاني، جريدة «الاحرار المصورة» التي أصدرها جبران تويني المؤسس، «الموسوعة المسيحية المصورة» إلى كتب اخرى يغلب عليها الطابع الديني. قوة إرادة أنطوان شويري لا يكسرها شيء، وبعدما كان مدخناً من الطراز الأول يستهلك 45 سيكارة يوميا مثل جده الذي عاش 110 أعوام، أوقف هذه العادة بعد 40 عاما من التدخين المتواصل لأنه قرر ذلك فحسب. بين لقبي président وأستاذ، يفضل اسمه مجرداً من أي لقب: «انه أقرب إلى القلب». على طريق النجاح وُلد أنطوان شويري في 4 آب عام 1939 في الأشرفية لعائلة متواضعة. والده حليم شويري من بشري، كان موظفاً في سكة الحديد، ووالدته فريدة حداد ربة منزل. هو البكر لشقيقين: سمير ومارسيل. تابع دروسه الابتدائية في مدرسة «الحكمة» حتى الصف الأول المتوسط، ثم انتقل إلى «معهد الآباء الكرمليين» في طرابلس حيث بقي سنة، عاد بعدئذ إلى بيروت ليدرس العلوم التجارية سنة في «مدرسة الأخوة المريميين» في الجميزة. أوضاع عائلته الصعبة أرغمته على العمل في سن الـ16: «عملت محاسباً في شركة مرفأ بيروت 3 أعوام، وأذكر أنني اضطررت إلى أن أكذب في شأن عمري وأزيد عليه بضعة أشهر، إذ كان ممنوعا توظيف شخص لم يكمل الـ16 سنة». عمله المبكر لم يثنه عن متابعة الدراسة وحده وتقديم امتحانات في السفارة الفرنسية، ما خوّله نيل أعلى شهادة في العلوم التجارية والمحاسبة من فرنسا. أيام الطفولة والمراهقة كانت قصيرة بالنسبة إليه، لكنها حلوة وسعيدة، «أذكر جدتي خاتون التي كانت تعيش معنا، وأذكر أني كنت أمارس كل أنواع الشيطنة والمقالب والألعاب. اليوم، أرى صوراً من طفولتي في أحفادي، وخصوصاً الصبيان منهم». بعد عمله في المرفأ، تنقل شويري في وظائف عدة: من محاسب في محال جرجي نقولا شماس، إلى المدير المالي في شركة جورج أبو عضل، حيث مكث 7 أعوام، إلى المدير العام لـ«المؤسسة الشرقية للطباعة والنشر» التي تصدر مجلتي «الماغازين» و«الأسبوع العربي» وكان لا يتجاوز الـ26 من العمر: «كنت طموحاً إلى أقصى الحدود. وفي «المؤسسة الشرقية»، أدركت ان الايرادات أي الاعلانات هي أهم ما في المؤسسة، فخصصت اكثر من 90 في المئة من وقتي للاهتمام بالاعلانات و10 في المئة للأعمال الإدارية الأخرى، وبقيت في هذه الوظيفة 5 أعوام». على رغم نجاحه الكبير في ميدان الإعلانات في «المؤسسة الشرقية للطباعة والنشر»، لم يقتنع أنطوان شويري الحالم والطموح بمحدودية الوظيفة، ولو كان منصبه مديراً عاماً: في يوم من الأيام، وكان قد بلغ الـ30 من العمر، اتخذ قراراً بألا يبقى موظفاً عرضة لتحمل تبعات أي قرار يتخذه صاحب العمل، في حين يرغب بإنجاز الأعمال كما يريد وعلى هواه. اتخذ قرار ترك الوظيفة وأسس شركة «ريجي» في بيروت يعاونه فيها 3 موظفين. كان تأسيس الشركة مجازفة حقيقية إذ كان شويري بلا رأسمال، «لكنني نجحت بكثير من العمل وقليل من الحظ، وما لبثت أن تسلمت اعلانات جريدة «العمل» ومجلة «الديار» (قبل تحولها صحيفة) ومجلة «الموعد»، ثم اندلعت الحرب عام 1975 وتعثرت الأعمال وتقلصت الإعلانات». حاول شويري في العامين الأولين من الحرب توزيع بضائع من قبرص على المحال التجارية. وكانت هذه الأعمال لتأمين الاستمرارية. عام 1977، قرر السفر الى باريس، «كنت أملك ثمن بطاقة السفر وقليلا من المال يكفيني لأمكث بضعة ايام في الفندق. هناك، تسلمت تسويق اعلانات مجلة «الوطن العربي» وأسست مكتبا في فرنسا، وبعدها استلمت اعلانات مجلة «المستقبل» واعلانات «الحوادث»». يرد شويري ازدهار اعماله السريع الى اهتمامه بوسائل اعلام ناجحة: «فأنا لا يمكنني انجاح وسيلة فاشلة». أما سر النجاح في مجال الاعلانات فيرده الى «صدقية في التعامل»، والى انه يطرح سؤالا وحيدا على نفسه قبل التزام مشروع جديد فحواه: «إن كنت معلنا، فهل استخدم هذه الوسيلة لاعلاني ام لا؟». أما عن اتهامه باحتكار السوق الاعلانية فيقول: «انه احتكار نوعي وليس احتكارا عدديا. أنا اعمل في لبنان مع الوسائل الاعلامية الناجحة، اذا كان الاحتكار يعني احتكار الوسائل الناجحة فهذا ممكن، واذا كان احتكارا بالمعنى القبيح فأنا ارفضه. لقد اعتدت هذه التهمة لأني لا اسمعها إلا من الحاسدين او الفاشلين». بعد تفوّقه في عمله لبنانيا، وسع شويري بيكار اعماله ليشمل البلدان العربية، ويعتبر اليوم أن ثلث عمله في لبنان والثلثين في الخارج. رغم ازدهار اعماله، لا يزال شويري يعتبر نفسه من الطبقة المتوسطة: «أنا اعني ذلك. ليس الثراء بما يملكه الإنسان من مال بل في طريقة صرفه له». «لست قليلاً في التنافس» يحمل انطوان شويري الكثير من صفات ابن القرية على رغم نشوئه في بيروت: العنفوان، الصدق، عدم نكران الصديق وخصوصا في وقت الضيق، خصال يعتز بها. من جهة اخرى، يحمل شويري ايمانا كبيرا بالله: «أنا مسيحي مؤمن بالمعنى الحقيقي للكلمة. ايماني المسيحي يرتكز على قاعدة اولى هي التسامح ومحبة الآخرين». لكن، هل يسهل تطبيق التسامح والمبادئ المسيحية في عالم الاعلانات و«البزنس»؟ يقول: «لا يمكن التفكير في هذا الاتجاه، فأنا لست «قليلاً» في التنافس، بل اني عنيد جداً، لكن اتحدى ان يقول احد اني قمت، وطوال 45 عاما، بعمل واحد يتخطى نطاق الاخلاق والآداب. ومن ثم فإن التنافس في المطلق امر والتنافس الاخلاقي الشريف امر آخر». واذا واجهه منافس له بروح مخادعة فماذا يفعل؟ «اتركه، لأنه في نهاية المطاف سوف يكسر اسنانه وحده. فكلما تصرف الإنسان على نحو خاطئ كان عدو نفسه». يكره شويري المتزلفين ولا يتأثر بمن يقول له «يا بيك»، ولا بمن يقول له «يا شيخ»... «أحب في الإنسان الذي اعمل معه الصدق وعرفان الجميل». لكن الصدق والصراحة المفرطة، ألا يزعجان احيانا؟ يرفض شويري هذا القول معتبرا ان من يعمل معه ويقول له انه مخطئ ويدافع عن وجهة نظره يلقى منه اعتذاراً واحتراماً كبيراً. ثم يستطرد: «لكني من دون شك ديكتاتوري في اتخاذ القرار. استمع بانفتاح الى الآراء المختلفة، ولكن في العمل يجب اتخاذ قرار وبالطبع قراري هو الذي ينبغي ان ينفذ». هذا الحزم، يدفع الى السؤال عن حب السيطرة على الاخرين. ولا يخفي شويري انزعاجه من هذا القول، موضحا: «السيطرة المنبثقة من المركز او المقام او اللقب واهية و«طق حنك»، يعتقد اصحابها انهم مسيطرون، لكن ما ان يديروا ظهورهم حتى يضحك منهم الآخرون. أنا لا احب السيطرة في هذا المعنى بل احب القيادة، وأحرص على ان يحبني الذين يعملون معي، قبل ان ينفذوا أوامري». رغم قوله انه رجل مسالم، فإن شويري لا ينكر خوضه معارك يصفها بـ«المبدئية»، وخصوصا في ميدان الرياضة التي دخلها رسميا عام 1993 رئيسا لنادي «الحكمة»، (قدّم استقالته عام 2004) بعدما اجمع عليه الاعضاء إثر وفاة الرئيس هنري الاسمر. وكان شويري يساعد النادي سراً. اولى «معاركه» بدأت في كرة السلة، عندما قرر عام 1993 ايصال اللعبة الى البطولات اللبنانية والعربية والآسيوية. عندما تلفظ بهذا الكلام آنذاك، اثار ضحك سامعيه... لكنه نجح وضحك منهم، بعدما أوصل نادي «الحكمة» الى البطولة اللبنانية 8 مرات، والعربية مرتين، والآسيوية 3 مرات. وظيفة الجد هذه الصلابة في مجابهة التحديات تقابلها عاطفة جامحة تظهر جلية، حين يتحدث عن أحفاده. لهم يخصص «الويك أند» فينسى انه رجل اعمال ويعود ولداً. واللافت انه يؤدي دور الجد بامتياز: فقد جلب لهم حماراً حقيقياً وحيوانات كثيرة منها البط والدجاج والخراف والكلاب. أما وظيفته معهم فيحددها «بتغنيجهم ومداعبتهم وتلبية متطلباتهم كافة». واذا حذرته من اخطار الدلع يسارع الى القول: «ليست وظيفة الجد التعليم والتثقيف بل التغنيج. أما التربية فعلى الأبوين». ويخبرك بفخر انه مرة «طلب منه لسبب ما ان يقل بسيارته اثنتين من حفيداته حين كانتا صغيرتين الى المدرسة، ولم تكونا ترغبان في ذلك، فما كان مني إلا ان هربت معهما وتنزهنا طوال النهار ثم عدنا في المساء وكأن شيئا لم يكن». وإذا كان شويري يأبى الحديث عن نفسه فإنه يسهب في الكلام على زوجته روز «يدي اليمنى»، وقد تزوجها عام 1961 بعد حب وغرام: «كنت اشعر بسعادة مطلقة حين أمسك بيدها في السينما»، ويصفها بأنها صاحبة قلب كبير تحب عائلتها، وقد اهتمت بتربية ولديه لينا وبيار وحدها في الفترة الاولى من عمله. ثم عاونته كثيرا في اعماله ولا تزال، ولها نشاطات عدة ولا سيما في بشري بواسطة «أوكسيليا» حيث انشأت عيادة مجانية وأقامت مشروعاً لصناعة المونة تعمل فيه النساء البشراويات. كانت طموحات انطوان شويري دائما أحلاماً. حلم في بداياته بشراء سيارة «رينو» تقله وزوجته بدلا من السير وركوب «الترمواي»، ثم حلم بالنجاح في العمل وحلم بأن يحوز لبنان بطولة آسيا في كرة السلة وتحقق حلمه، وهو لا يطمح اليوم إلا الى رؤية ولديه ينجحان بعدما استلم بيار اعماله في دبي وأصبحت لينا مساعدته الخاصة... كذلك يتمتع بمشاهدة أحفاده يكبرون قبالة ناظريه. التشييع والدفن غيب الموت ظهر أمس رجل الاعمال اللبناني انطوان شويري، عن عمر 69 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض، وتقام مراسم الجناز، عند الحادية عشرة من قبل ظهر غد الخميس في كاتدرائية مار جرجس وسط بيروت، على أن يوارى في الثرى في مسقطه في بشري. وتتقبل العائلة التعازي بالفقيد اعتبارا من اليوم الأربعاء، وحتى يوم السبت المقبل، في الكاتدرائية. وكان شويري قد أدخل قسم العناية الفائقة المركزة في «مستشفى اوتيل ديو» منذ حوالى عشرين يوماً.