يتجمع عدد من الشبان والشابات داخل قاعة في فندق «موفنبيك». ينتظر كل واحد منهم استلام شهادته. يتبادلون الأحاديث. يحتفلون ويشربون نخب فرحتهم. شباب حضروا من محافظات لبنان الست، يختلفون من حيث الطائفة والانتماء السياسي، ولكل واحد منهم لكنة خاصة بالمنطقة التي ينتمي إليها، إلاّ أنهم لا ينقسمون ضمن مجموعات، بل نراهم مندمجين مع بعضهم البعض. سبب الاحتفال هنا لا يعود إلى تخرج هؤلاء من اختصاص معيّن قد اختاروه. هم ببساطة يحتفلون بنجاحهم في اختتام نشاط اجتماعي وشبابي، حمل عنوان «مشروع تمكين الشباب»، الذي أقيم بالتعاون مع الهيئة الدولية للأبحاث والتعاون ـ أوروبا، وبتمويل من السفارة البريطانية في بيروت. أما حصيلة المشروع فتمثّلت بإطلاق «الشبكة اللبنانية لعمل الشباب الاجتماعي»، التي تضم الجمعيات الست التي شاركت في البرنامج المذكور أعلاه، وهي: «بيئتنا»، «خطى الشباب»، «صدى البقاع»، «سوا»، «شباب من أجل التسامح» أو «Youth for Tolerance»، «نحن نحب طرابلس» أو «We Love Tripoli». انطلق المشروع في آذار من العام 2009 واستمرّ لمدة سنتين. أما هدفه فهو الترويج لثقافة التسامح وحلّ النزاعات سلمياً واحترام التنوع الديني والمجتمعي في لبنان، عبر تمكين الشباب اللبناني ودعم مبادراتهم من مختلف المناطق. وأقامت الجمعيات الست ورش عمل ونشاطات خلال سنتين كاملتين، بالتعاون مع «الهيئة الدولية للأبحاث والتعاون». وفي ختام المشروع اتفقت هذه الجمعيات على خلق شبكة للتواصل، يتابعون من خلالها نهج العمل الذي كانوا انطلقوا به منذ عامين. في عيون المشاركين الديموقراطية، تقبل الآخر، التسامح والمساواة.. معتقدات اتفق عليها شباب البرنامج، من الجمعيات الست، ليخلقوا حلقة حوار خاصة بهم، تساعدهم على التعبير عن أنفسهم بحرية، ومن دون أي تدخلات، كما يقول عدد من المشاركين. تريد روان أن تذكر المواطنين في لبنان كيف كانوا يحبون بعضهم البعض قبل الحروب التي شهدها لبنان. أما مصطفى فيسعى إلى التأكيد على أن الشباب قادرون على إيصال صوتهم لتحقيق تغيير ما في المجتمع. جورج أيضاً يعتبر أن الشهادة التي نالها من البرنامج توفّر جزءا من حقه في العمل الذي بدء فيه منذ سنتين، وبرأيه مشاركة الشباب في التطوع هي تنمية للمجتمع المدني. ويعود سبب وجود سافو بين المشتركين إلى رغبته في «تفجير» طاقته ونيل فرصة التعرف على أشخاص جدد من عدة مناطق، كما يقول. ولا يختلف رضا كثيرا في الدافع وراء المشاركة، فهو يشدد على أهمية أن يكون للشاب اللبناني تأثير على المجتمع من خلال الصراخ عاليا: «نحن هنا». ويمتعض رضا من فكرة أن السياسيين يقررون عن الشباب في كل شيء، لافتا هنا إلى أن خفض سن الاقتراع كان سيعطي الشاب فرصة كبيرة ليختار من يريد أن يمثله. زينب، بدورها، تحاول من خلال اشتراكها في البرنامج أن تغير نظرة المجتمع إلى الواقع. تقول إن هناك مسافة بين الكبار (أي السياسيين الذين يحكمون البلد) وبين الشباب، «لكن إذا عبّر هؤلاء الشباب عن فكرتهم نستطيع تغيير فكرة التنظيمات السياسية». البرنامج.. والمشاريع تعرّف «الهيئة الدولية للأبحاث والتعاون ـ أوروبا» عن نفسها بأنها منظمة دولية غير ربحية، متخصصة في تصميم مشاريع تنفذ ضمن جمعيات المجتمع المدني ووسائل الإعلام المستقلة، والتعليم، وبرامج الوصول إلى الإنترنت. كما تؤكد على نهج تطوير الشراكات مع المنظمات المحلية لتوسيع نطاق القدرات، وبناء مؤسسات مستدامة وإحداث التغيير. ويأتي برنامج تمكين الشباب في إطار تمكين المجتمعات المحلية، بتمويل من صندوق الفرص العالمية لوزارة الخارجية البريطانية. وتحاول المنظمة من خلال البرنامج بناء قدرات الشباب وتعبئة المجتمعات المحلية، لتخفيف حدة الصراعات، ومن ثم دعم عملها لنقل هذه الخبرة إلى منظمات المجتمع المدني. وكانت المنظمة قد بدأت البرنامج مع جمعية «نحب طرابلس». وقامت هذه الجمعية بعدد من ورش العمل في مركز بيت الفن في الميناء بمشاركة عدد كبير من الشباب والشابات. وجرت حينها مناقشات بين المشاركين تمحورت حول إيجاد حلول للمشاكل التي تواجه طرابلس، كتلوث شاطئ الميناء الذي نال اهتماماً كبيراً من المشاركين، إضافة إلى المشاريع التي اقترحها الشباب للمساهمة في إنماء طرابلس كدعم المعالم الأثرية المهملة من قبل الدولة، كقلعة طرابلس والأسواق القديمة. ثم انضمت إلى البرنامج جمعية «خطى الشباب» في عاليه، وهي جمعية شبابية غير حكومية، يديرها ناشطون اجتماعيون وتتبنى مبادئ الوعي والثقافة وحقوق الإنسان كركيزة للتنمية المستدامة، كما تشرح عن نفسها. أحد المشاريع التي تبنتها الجمعية مشروع «تنذكر وتنعاد» الذي مولته الهيئة الدولية للأبحاث والتعاون. ويهدف المشروع إلى إعادة إحياء وتوثيق الذاكرة الإيجابية المشتركة للأنشطة الاجتماعية التي كانت قائمة قبل الحرب اللبنانية، وتشجيع الشباب على المبادرة إلى القيام بأنشطة مماثلة. كما يظهر المشروع ان فكرة العيش المشترك ليست مستحيلة، ولا حتى ظاهرة جديدة غير مألوفة لدى أبناء المنطقة وسكانها.