منذ بداية شهر تشرين الثاني تحط في مطار بيروت يوميا عند الخامسة عصرا طائرة تابعة لشركة طيران الشرق الأوسط آتية من بغداد، وفي آخر آذار سوف تحط طائرة أخرى يوميا آتية من أربيل. لقد أصبح لبنان مقصد الزوار العراقيين، كما يؤكد كل من السفير العراقي في لبنان عمر البرزنجي ورئيس شركة طيران الشرق الأوسط محمد الحوت. ويقول الحوت إن العراقيين أصبحوا في المرتبة الثالثة بين الزوار العرب، بعد الأردنيين وهم في المرتبة الأولى، والسعوديين في الثانية، وهم يتوزعون حسب معطيات كل من الحوت والبرزنجي، بين رجال الأعمال والتجار، والسياح، وطلاب جامعات، ومرضى يأتون للطبابة والاستشفاء، وأحيانا أشخاص يرغبون بإجراء عمليات تجميل. واستنادا إلى معطيات غرفة التجارة والصناعة بلغ العراق العام الماضي المرتبة الثالثة أيضا على لائحة أهم أسواق الصادرات اللبنانية، وبلغت ما يقارب مئتين وسبعين مليون وثمانمئة ألف دولار، أي ما نسبته 7,8% من مجمل الصادرات اللبنانية. وتفرض الأوضاع السياسية والأمنية التي يعيشها العراق، إجراءات أمنية خاصة بركاب الطائرة العراقية، فقد تأخر خروج الركاب، ما يقارب الساعة ونصف ساعة، لكن المسافرين يعرفون أن تلك الاجراءات في انتظارهم، وقد أجمع الذين تم لقاؤهم في المطار على أن زيارة لبنان كان حلما بالنسبة إليهم، وقد تحقق ذلك الحلم. يقول أحمد وهو أستاذ جامعي عراقي إنه يزور لبنان، بعد انتظار دام سنوات، خصوصاً أن شقيقه يقيم في بيروت منذ ثلاثة عشر عاما، ويوضح أنه سينتقل من المطار مباشرة إلى مزار السيدة العذراء في حاريصا، ثم إلى منزل شقيقه الذي كان في استقباله. ويعتبر أحمد أن بيروت هي باريس الشرق، وسيحاول التعرف إليها عبر زيارة مناطق الآثارات والمتاحف والمتاجر: كنت أتمنى لو استطعت المجيء برفقة زوجتي وابني، لكن لا أملك تكاليف الرحلة والإقامة لثلاثة أشخاص، سوف أخبر زوجتي عن بيروت وان شاء الله ترافقني في زيارة مقبلة. يتقاضى أحمد من تعليمه في الجامعة مبلغا يوازي الألف دولار، ويعتبر أن الوضع الأمني في بغداد تحسن قليلا عما كان عليه سابقا، فقد كانت الجامعات تقفل عند الرابعة بعد الظهر، والآن تقفل عند السادسة مساء. لكن الوضع الأمني في بيروت لا يقارن بالنسبة له بالوضع في بغداد، فعلى الرغم من المشاكل الأمنية والسياسية التي تحصل في بيروت تبقى مركزا آمنا للزوار وخاصة العرب بينهم. في المطار أيضاً، تحلق وفد طبي قادم من بغداد للمشاركة في أحد المؤتمرات الطبية في بيروت حول إحدى الطبيبات لدى الحديث معها، وعبر الأطباء عن فرحهم بالوصول إلى لبنان الذي لا يعرفونه، فيما قالت الطبيبة إنها لا تملك فكرة عن ماهية الأماكن التي ستزورها، لكن لبنان بالنسبة لها عالم ثان، «كل شيء في بيروت حلو»، موضحة أنها سوف تبقى في بيروت لمدة أسبوع. ويؤكد مسؤولون في ثلاثة فنادق في العاصمة هي الكافالييه والكومودور والكراون بلازا أن عدد العراقيين الذين يحجزون في الفنادق زاد كثيرا عن السنة الماضية، وخصوصا منذ ما يقارب الشهرين. وتعني الحجوزات في الفنادق أن أصحابها من الميسورين، وهم من العراقيين غير المقيمين في لبنان، بسبب النزوح الناتج من الحروب أو الاضطهاد السياسي. يقول السفير العراقي عمر البرزنجي إن قرار تسيير رحلات الطيران اتخذ بناء لاتفاق عقد بين شركة طيران الشرق الأوسط وبين وزارة النقل العراقية، موضحا أن الخطوط الجوية العراقية تسير أيضا ثلاث رحلات أسبوعيا إلى بيروت، ويمكن أن تصبح رحلاتها يومية بسبب الإقبال الكبير على لبنان، وهناك شركة طيران ثالثة تنقل الركاب أيضا وتدعى بساط الريح. ويضيف أن المواطن العراقي، سواء كان تاجرا أو طالب علم أو سائحا، أصبح يفضل المجيء إلى لبنان، كما اتخذت غالبية الوفود العراقية الرسمية من بيروت محطة ترانزيت لها من أجل الانتقال إلى بلد ثالث، لتحل بيروت بذلك بديلا من سوريا والأردن، مذكرا بأن الطيران العراقي كان يسير رحلات مستمرة إلى لبنان حتى التسعينيات، ثم انقطعت تلك الرحلات بعد الحصار. وقد ساهم في إقبال العراقيين على لبنان التسهيلات التي تعطى لهم، فهم يحصلون على تأشيرات الدخول في مطار بيروت، شرط أن يكون لدى كل منهم بطاقة سفر وحجز فندقي وألفا دولار. ويبدو أن التجارة بين لبنان وبين العراق أصبحت تأخذ حيزا هاما، إذ يشير البرزنجي إلى أنها تتوسع باطّراد، والمواد الأكثر تداولا في التجارة حتى الآن هي: البيض، والمواد الغذائية المعلبة والطحين، والمولدات الكهربائية بسبب التقنين الموجود في العراق، بالاضافة إلى أدوات التنظيف المنزلية، والأسمدة الكيمائية والعطور. وتعتبر المواد الغذائية المصنعة من أكثر المواد التي يتم تصديرها، وتشمل حسب رئيس نقابة مصنعي المواد الغذائية في لبنان جورج نصراوي الخضار، مثل اللوبياء والباذنجان والبندورة، والحبوب مثل الحمص والفول المدمس والأخضر، بالإضافة إلى الليمون الحامض والعصائر المطلوبة بشدة، وماء الزهر وماء الورد. وينسحب التوسع العراقي على الكتب والدراسة، إذ يوضح البرزنجي أن عددا كبيرا من الكتب المدرسية العراقية تطبع في بيروت، لكن ضمن مناهج التعليم العراقي. كما يتزايد عدد الطلاب العراقيين، في عدد من جامعات لبنان، تدريجيا، وأبرزها جامعات «بيروت العربية»، و«الأميركية»، و«الجنان» في طرابلس. ويؤكد البرزنجي هنا أن العديد من طلبة العلم يفضلون الحصول على شهادات الدراسات العليا من لبنان، موضحا أن عدد الطلاب يبلغ حاليا ما يقارب الأربعمئة، بينهم مئة وستون طالبا، فُتحت لهم ملفات في الملحقية الثقافية التابعة للسفارة، لأنه يترتب على كل طالب يدرس في الخارج فتح ملف دراسي له في الملحقيات الثقافية، من أجل معادلة شهادته لدى وزارة الثقافة العراقية، ومن لم يفتح ملفا فهو غير مهتم على ما يبدو بمعادلة الشهادة. ويقول البرزنجي إن الحكومة العراقية هي الآن في صدد العمل على تشجيع الاستثمارات اللبنانية في العراق، وخاصة في منطقة كردستان، وسوف تطال الاستثمارات، حسب غرفة التجارة والصناعة بشكل رئيسي، قطاعات الاتصالات والمصارف، والبناء، وهي قطاعات أصبح روادها معروفين في لبنان، فيما تبقى التجارة الفردية، هي الصيغة الأكثر رواجا من خلال علاقات يقيمها التجار اللبنانيون مع العراقيين.