As Safir Logo
المصدر:

«اليهودي الحالي» لعلي المقرى مذهـــب فاطمـــة

المؤلف: الصباغ حكمت المجذوب التاريخ: 2010-02-19 رقم العدد:11522

«اليهودي الحالي». عنوان لافت لرواية تستوقفنا حكايتها. «الحالي»، صفة تعني المليح، وكانت فاطمة ابنة المفتي، في اليمن، تسمي بها «سالم اليهودي» كلما جاء دارهم ليقوم ببعض الخدمات لأسرتها. بدل «سالم اليهودي»، كما كان يُعرف بين قومها، كانت فاطمة تناديه بـ: «اليهودي الحالي». كأن يهوديته التي اعتبرها قومها كنية أو هوية له، أرادت فاطمة ان تقبلها ولكن من منظور مختلف: يهودي يستعلي عليه قومها المسلمون. وتنشد هي، المسلمة، القرب منه. كيف؟ فاطمة المسلمة تقع في غرام اليهودي، ولا تبوح، كانت تكبره بـ خمس سنوات، وكان سالم الذي يروي لنا الحكاية في الثانية عشرة من عمره. بدل البوح كانت فاطمة، وكما يقول سالم، ترفع من قدري، تكرمني، تقدم لي الشاي، «وتظل تحدّق مليا في وجهي، تأخذ أحيانا «رأسي بين يديها، تضمه إلى خصرها، أو تنحني إلى مستواه، ليلامس صدرها، تهمس: ما بك؟... ما بك؟ حكاية هذا الغرام بين المسلمة ابنة المفتي واليهودي سالم ابن النقاش المختص بصنع القمريات لبيوت اليمنيين، تنطوي على معنى آخر تقصده الرواية ويحيل على العلاقة التاريخية، بين المسلمين واليهود خلال القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر في اليمن. وليست حكاية هذا الغرام سوى حكاية هذا التاريخ العدائي حيث الدين هو هوية وانتماء وليس الوطن، بما هو موطن العيش والولادة والموت. تبدو فاطمة عنوان اختلاف، تسعى مدفوعة بغرامها، إلى تجاوز هذا العداء، أو إلى العودة لأسس الدين وما اتسم به من تسامح، وقبول بالآخر. أو بمن سموا بأهل الذمة، إضافة إلى اجتهادات إجازات للمرأة ان تكون سيدة حياتها ومصيرها. غرام مرفوض، يستدعيه فارق السن واختلاف الدين، ويبحث في الآن نفسه، عن سبل للتواصل تلائم الظرف وشروطه، وتهيء للقاء يؤرق النفس، وتحلم به الروح، قبل الجسد. تبدأ فاطمة بدعوة سالم اليهودي إلى بيتهم، بيت مفتي المسلمين، لتعلمه القراءة والكتابة. تسأله: «ألا يعلمونك يا يهودي الحالي... عندكم؟» تنسبه فاطمة، وبصفته يهودي، إليها، وتود، بصفته هذه، أن تعلّمه. ولكن ماذا؟ هكذا، وبعد أن صار يكتب ويقرأ كلمات وعبارات كاملة عربية، تطلب منه ان يقرأ في كتاب «كلماته مزخرفة»، صعب عليه قراءتها. غير أنه ما ان سمعها بصوت فاطمة، أو بصوت محب، حتى حفظها. وكان ما حفظ، ودون ان يعلم، سورة من القرآن. ولم يعترض، لكن أباه جن وراح يصرخ قائلا: «يا غارة الله... هذا قرآن.. دين الإسلام.. سيفسدون ابن اليهودي..» ما فعلته فاطمة كان كمن أشعل حريقا في الحي اليهودي. تقول لنا الرواية ناقلة السرد من الغرام إلى الدين، أو من سرد الحكاية الغرامية إلى بناء عقدتها الدينية القائمة على التداخل بين التخيلي والتاريخي، بين الخاص والعام، كما بين الأيديولوجي والنصي. الأيديولوجي بما هو وعي يفارق النصي وينحرف عنه. والسرد بذلك، أي بعقدته هذه، يبث التشويق في القراءة، ويولد رغبة المعرفة. يمنع النقاش ابنه «سالم اليهودي»، أو «اليهودي الحالي»، من الذهاب ثانية إلى بيت المفتي، لا بسبب الغرام بل بدافع الدين، لا يريد الأب ان يعتنق ابنه، في ما بعد، الإسلام. ففاطمة لا تعلّمه القراءة والكتابة كما قالت، او ادعت، بل دين الإسلام. لكن، وحين طال غياب اليهودي الحالي عن فاطمة، ذهبت إليه في بيت أهله. كانت زيارة مسلمة إلى الحي اليهودي «نوعا من المستحيل»، فكيف بهذه المسلمة في بيت يهودي. «معقول»؟ تهمس زوجة النقاش لنفسها. المهانة تكشف زيارة فاطمة، الملتبسة، عن المهانة التي يعانيها اليهود في علاقتهم بالمسلمين، في اليمن. مهانة يكتشفها «الحالي» في كلام أبيه الذي ود ان يصارح فاطمة بالحقيقة فراح يقول: «... وأبوكم على رأسنا وعيوننا، والمسلمون كلهم سادتنا ولا نقول لهم: لا، أبدا..» (ص15). كل هذا ليقول لها بأنه لا يرغب في تعلم ابنه القرآن. كما تكشف، زيارة فاطمة، عن بعد آخر، يداوي، إسلاميا، هذه المهانة... إذ تعبّر فاطمة لوالد «الحالي» عن احترامها لدين اليهود مشيرة إلى مساواة، منها تبدأ الخليقة وإليها تنتهي. كما تشير إلى كتب في رفوف بيوتهم، بيت المفتي نفسه، قراءتها تجعل المسلمين يحبون اليهود، واليهود يحبون المسلمين. ينطوي الالتباس الذي يغلّف زيارة فاطمة على أكثر من دلالة تثري الرواية وتضعنا أمام أسئلتها المضمرة. هل هو الوئام بين دينين ما تدعو إليه الرواية؟ أم هو إضاءة لوجه للإسلام يدين سلوك بعض المسلمين اتجاه من يعيشون معهم من اليهود؟ أم هو التاريخ وصراع الكراهية نقرأ في ضوئه حاضرا ينتقم فيه يهود اسرائيل من مسلمي فلسطين، وممن ليسوا من دينهم؟ أم هو كل ذلك، تضمره الرواية حين تروي، على لسان «اليهودي الحالي»، «حوليات اليهود اليمانية»، وما تعرضوا له من قتل وطرد، بعد ان جاهروا بانتقامهم من المسلمين وبحقهم في تولي الحكم بدلا عنهم. لكن فاطمة تبقى عنوانا فريدا في هذه الرواية، أو خطابا مميزا بالاختلاف الذي تنطق به أنثى عاشقة وتنتمي إلى جيل شاب يخرج على طاعة عمياء ويستنير بالمضيء في دين يناهض، حسب مذهب فاطمة، سلطة العنف، والجهل، والكراهية. هكذا يتراجع الأب اليهودي عن موقفه بعد زيارة فاطمة، ويعود اليهودي الحالي إلى تلقي دروسها وإلى مسرة عشقها. وكي يكون لكلام فاطمة، حول التسامح والقبول باليهودي المختلف، صدقيته، تطلب من اليهودي الحالي أن يعلمها العبرية، وتخبره بأنها «تعرف الكثير عن الديانة اليهودية، ربما أكثر من بعض اليهود». الحب والدين تبدو فاطمة عالمة بالديانة اليهودية وباحثة في الشريعة الإسلامية، تحتفي بالمجتهدين المتنورين: فأبو حنيفة، وكما تقول، أجاز «للمرأة البالغة الراشدة تزويج نفسها بدون ولي أمر»، و«أبو المعارف بهاء الدين الحسن ابن عبد الله» أفتى بزواج المسلمة من يهودي أو نصراني». وعليه، وحين بلغ «اليهودي الحالي» سن الرشد تزوجه فاطمة نفسها سراً، وترحل معه عن أهلها وأهله وعن بلدتهما. في طريق رحيلهما يسألها: «هل كنتِ تهدفين فعلاً ان أصبح مسلماً. وتجيب فاطمة بأنها لا تعرف إن كان هو الحب «أم حديث النبي عليه الصلاة والسلام، أم الاثنان معاً. مرة أخرى تشير الرواية إلى هذا اللقاء الجميل بين الحب والدين، بين قلوب البشر وعقولهم. هذا اللقاء الذي يؤسس لخلاصهم من العنف والقتل والدمار. كأن هذه الرواية في قراءتها للتاريخ، تتوجه إلى زمن حاضر نعيشه في أكثر من بلد عربي إن لم نقل فيها كلها. زمن صار فيه لليهود دولة هي فلسطين التي احتلوها وصار اسمها اسرائيل. ومع هذا تنتصر الكراهية المتبادلة. أما ما سمته الرواية «مذهب فاطمة» والذي سمح لها بالزواج من يهودي وسمح لكل منهما بالبقاء على دينه، فقد انتهى بالحكاية إلى مزيد من المآسي. تموت فاطمة وهي تلد. تاركة مولودها الذكر لأبيه. لكن لا جثمان فاطمة يحظى بقبر له، ولا طفلها بمن يؤويه. فهي مسلمة يرفضها اليهود، وهي متزوجة من يهودي ويرفضها المسلمون. أما طفلها فهو في نظر اليهود مسلم منسوب لأمه، وهو في نظر المسلمين يهودي منسوب لأبيه. يلوذ «اليهودي الحالي» بالإسلام، إسلام فاطمة، يقول: «شعرت بألم شديد، كدت معه أمقت كل يهودي ومسلم». ثم يسأل مستمدا العون من فاطمة التي تسكن روحه: «كيف لي ان أرمم انشطار الروح وانشقاق الجسد؟». وفي الجواب يجد نفسه يمضي في اتجاهها، أعني دخول الإسلام ولكن «ليس لأنني أعتقده دينا، بل لأني أردت حمل صفة منها، صفة دلتها إليّ، فاختارتني زوج حياة وأمل». هكذا يبرز الحب عنوانا أولا في هذه الرواية، ومعنى عميقاً لحياة تقبل بالاختلاف في العقيدة والدين. [ رواية للأديب اليمني علي المقري. دار الساقي. بيروت 2009.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة