أخيراً، مؤسسة تُعنى بالتوثيق والبحث في الموسيقى العربية في لبنان تحت عنوان «قمر» «amar» يرأسها المحامي اللبناني كمال قصار، أُعلن عن انطلاقها ظهر أمس في مؤتمر صحافي جرى في نقابة الصحافة اللبنانية في بيروت. أن يشغف المحامي، أو المهندس، أو الطبيب، أو رجل الشارع العادي بالموسيقى العربية، أمر عادي يُرد إلى العلاقة بالتراث والمزاج الشخصي والتربية البيئية والتأثر عبر متابعات، ومصادفات أيضاً. أما ان يصل الولع والشغف بصاحبه إلى التفاني الكامل في ولعه، منطلقاً من رغبة صغيرة تتلخص في جمع أسطوانات وتسجيلات موسيقية على علاقة بالطرب العربي والشرق ـ متوسطي لإنشاء مكتبة متواضعة تخدم ذوق ورغبة قصّار في السماع، إلى الانتهاء ـ وما من انتهاء في الشغف بالموسيقى ـ إلى التأسيس لهذا المرجع الفني الهائل، الذي دأب عليه قصار في هدوء، وفي غفلة منا نحن المتتبعين لمثل هذه الأنشطة المؤسسة، الهادفة إلى حفظ كل جميل، تراثاً وحاضراً في موسيقانا وغنائنا. أعترف بداية، وبشكل شخصي بضعفي حيال مثل هذا النشاط الجدي، المتعلق بالموسيقى العربية والغناء خصوصاً، وبانبهاري بما آلت إليه متابعات قصار ومنشأها الشغف، مطلقة على ما يبدو، أكبر مكتبة للموسيقى العربية في العالم!! من دون خوض مقارنات مع ما أنجزته مكتبة الموسيقى والغناء العربيين في الاسكندرية ـ مصر. عدم الخوض في مقارنات هنا، مبعثه حذرنا من الوقوع في مغالطات في هذا الشأن، فلم يتسن لنا للأسف، حتى اللحظة الوقوع على ما حوته مكتبة الاسكندرية في هذا الشأن. موضوعنا هنا، يتعلق بالاضطراد الذي شهده شغف قصار، الذي تنامى وئيدا لكن دؤوباً، آخذاً شكل البحث اللاهث خلف الأدوار، والقصائد والمواويل والموشحات والليالي وكافة تراثات الجماعات السريانية والكردية والقبطية والصوفية وكبار مقرئي القرآن، إلى الأصوات النادرة كأم كلثوم وفتحية أحمد وماري جبران ونادرة أمين ولور دكاش، وعظماء منسيين مثل محي الدين بعيون ومتري المر ومحمد العاشق ومحمد القبانجي. إضافة إلى أشرطة صوت حفلات حية نادرة لنجوم مثل صالح عبد الحي وعباس البليدي ومحمد خيري وكلها بصيغ مختلفة لما كان هؤلاء الرواد يسجلون إبداعاتهم بأشكال عدة وصيغ معينة بحسب «السلطنة». هذا ولا ننسى الحدث الأهم على هذا الصعيد، وهو اقتناء أو حيازة كمال قصار لمجموعة المؤرخ المصري الراحل عبد العزيز عناني التي تشحذ الهمة وتقدم المعرفة والمعلومة لمن يريد صون تراث الموسيقى العربية، ومن ثم حفظه من التلف. ومجموعة اسطوانات عبد العزيز عناني احدى أهم المراجع في دراسة الموسيقى العربية والثقافة الموسيقية وهي معين يفيد منه الموسيقيون والباحثون في مجال الموسيقى ومصدر إلهام يثري هذا التراث في قادم السنين. في المؤتمر الصحفي المنعقد لتقديم هذا العمل، قال قصار إن مدار اهتمامهم الرئيسي هو صيانة الجزء المتعلق بفترة عصر النهضة التي امتدت في مصر من سنة 1903 إلى سنة 1935، وحفظ ما تركه لنا الكثيرون من أصحاب الأصوات البديعة والعازفين الذين طبعوا تلك الفترة بطابعهم وكذلك أولئك تركوا بصمات لا تُنسى. شغف بدايات حب كمال قصار للموسيقى ـ على ما قال لنا ـ بدأت باكراً وتعززت في فترة حرجة من حياته، حين أصابه المرض، وأقعده في الفراش. فكانت الموسيقى رفيقته وسلواه لمدة أربعة أشهر، اكتشف إثرها أصوات عذبة برأيه، كان يجهلها، منها صوت موشي إلياهو (مطرب يهودي) الذي وجد قصار شبهاً بين صوته وصوت كارم محمود إلى حد ما. كما أنه اكتشف الموسيقى الكويتية، التي تختلف قليلا عن الموسيقى الخليجية عامة من حيث إنها أكثر غنى من حيث الايقاعات. كما أنه اكتشف في زيارة إلى دمشق، صوت المطربة السورية ماري جبران، ووقع في غرام صوتها منذ السماع الأول، الأمر الذي دفعه إلى جمع تسجيلاتها كافة. شغف قصار بالموسيقى المشرقية لا علاقة له بالانتماء أو بأي معنى سياسي آخر. هو شغف بالجمال فحسب امتد حتى جزر القمر وزنجبار وتركيا والبحرين، وكل البلدان، وجعل قصار أسير جميع تسجيلات الموسيقى القديمة. مجلس شورى المؤسسة والتخطيط لها، يتألف بالإضافة إلى قصار، من جان لامبير الأستاذ والباحث في علم الأجناس البشرية وعلم الموسيقى بمتحف الإنسان بباريس، ومن نداء أبو مراد أستاذ علم موسيقى التقاليد العامة وعازف كمان وملحن حامل للدكتوراه في مجالي الطب وعلم الموسيقى، وفرجينيا دانيلسون صاحبة كتاب: «صوت مصر: أم كلثوم والغناء العربي والمجتمع المصري الحديث»، ثم فريدريك لاغرانج الأستاذ المحاضر والمدير لقسم الدراسات العربية والعبرية بجامعة السوربون، كتب ونشر العديد من المقالات والدراسات حول بعض تسجيلات تلاوة القرآن في مصر، الى الطبيب التونسي لطفي المرايحي الذي قاده ولعه بالموسيقى الى تعلّم أصولها والغوص في تاريخها المعاصر، وأخيرا أستاذ الموسيقى مايكل فريشكوف المتخصص في علم موسيقى الشعوب والملحن الذي تخرج من جامعات ييل. ثم ماذا بعد ان أصبح شغفك مؤسسة ضخمة ـ سألنا قصار ـ قال بأن المسؤولية أصبحت كبيرة، خصوصاً أننا نملك ما يعادل تسعين بالمئة من النتاج المصري الفني، أي ينقصني عشرة بالمئة لأصل إلى ما وصله النتاج المصري برمته. عرّف كمال عن مؤسسته بحضور بعض أعضائها في المؤتمر الصحفي، من هي، وماذا تملك من أشرطة نادرة وغير نادرة لغاية اللحظة، وما هي مشاريعها المستقبلية التي تصب بغالبها إلى حفظ هذا المخزون الثمين الذي حصلت عليه، حفظه من التلف لأنه في الأساس غير قابل للبقاء مدة طويلة بحالته الراهنة. كما العمل على تنقية هذه الأشرطة لتصل إلى الآذان بشكل سليم وراق. وعن الرهان على مستمعين، وجيل جديد يلتفت إلى مثل هذا التراث الغني في موسيقانا، نفى قصار أي رهان على هذا الأمر، سوى أنها «أمانة» ـ قال ـ وعليّ ان أصونها وأقدمها نظيفة، وأتركها للأجيال. للتذكير تملك المؤسسة خمسة آلاف أسطوانة جلها من تسجيلات عصر النهضة، وقد اقتنت المؤسسة استديو مزوداً بأحدث الوسائل التقنية المخصصة لتحويل المواد الموسيقية إلى ملفات رقمية وحفظها حتى لا تضيع هذه المجموعة النادرة، كما ابتنت المؤسسة في مطلع 2010 قاعة متعددة الأغراض تتسع لثمانين شخصا. انطلاق المؤسسة جاء من خلال حلقة دراسية انتظمت بمقر المؤسسة بقرية قرنة شهوان في محافظة المتن بلبنان من السابع عشر إلى التاسع عشر من آب 2009 وبحثت خلالها أهداف المؤسسة واستراتيجيتها والجوانب التقنية في عملها بمشاركة المؤسسين. تسجيلات مصرية وسورية ولبنانية من فترة 1903 والثلاثينيات من القرن العشرين، بالإضافة إلى بعض المجموعات الجزئية من تسجيلات الأستوديو اللبنانية التي يعود تاريخها إلى الخمسينيات من القرن الماضي. كما تهدف المؤسسة إلى إقامة شبكة مؤلفة من مؤسسات وجمعيات مماثلة، عن طريق إنشاء رابطة أو اتحاد عربي يضمهم.