في خطوة جريئة ولافتة اتخذت اتجاهاً ثقافياً ـ شعرياً ـ فلسفياً خالصاً، كرم مكتب علاقات المتخرجين في الجامعة اللبنانية الأميركية (L.A.U) الشاعر فؤاد رفقة، الأستاذ في هذه الجامعة سابقاً، بحضور ومشاركة أصدقائه وتلامذته ومحبيه، بعد أن صدر له كتاب شعري جديد بعنوان «مرثية طائر القطا». شارك بالأمسية التي أُقيمت مساء الجمعة الماضي في مسرح الأروين في حرم الجامعة، كل من أمين الباشا الذي وضع رسوم الكتاب، وحولها الى جداريات معلقة في خلفية المسرح، كما شارك الناشر سليمان بختي في الإلقاء وإيفون الهاشم ورفعت طربيه الذي وضع بصماته على الإخراج واتقن حضوره المسرحي في الإلقاء. حضر الاحتفال رئيس الجامعة جوزيف جبرا وعدد من نواب الرئيس والعمداء والمسؤولين فيها. وقد ركز رئيس الجامعة في كلمته التكريمية لرفقة على تقديره «لأكاديميته» وسموه الإنساني، و«هو الذي تخطى في عطائه حدود الوطن، لتترجم سبع من مجموعاته الشعرية الى الالمانية والايطالية والفرنسية والانكليزية والايطالية والهولندية»، كما شارك في ترجمة عشر مجموعات شعرية عن الالمانية والانكليزية الى العربية، وساهم في ترجمة العهد القديم الى العربية. تناوب الإلقاء المتناسق تحاور صانعو الأمسية الشعرية مع نصوص «مرثية طائر القطا» برؤية بسيطة، وان جاءت أحياناً مسطحة، لا بهرجة فيها ولا عرض عضلات. حاول طربيه ان يحترم شعرية نص رفقة ورهافة بنيته الأسلوبية، فتجمدت الحركة المسرحية لمصلحة إلقاء الشعر. وحاول طربية والممثلة الهاشم أن يقتربا من الخفر والتلميح والمعاني المستبطنة التي ترشح من النص مستعينين بنحاسيات تصدر أصواتاً وتستعمل في معابد التبت لتخلق مناخاً طقوسياً، تأملياً وروحانياً. يختصر النص تجربة شاعر يحاول أن يعبر من الواقع الى الخيال ليتخطى حدود اليومي والمكرر، متنقلاً من الجانب المظلم من الوجود الى الجانب المضيء بالمعاني الشعرية ـ الفلسفية. المحاولة جاءت مقترحاً لقراءة الشعر الحديث التصوفي، من خلال مشهدية مسرحية متقشفة في تلاوة نص طقوسي وصوفي وتأملي ـ فلسفي، بتجليات أصوات تؤدي إلقاء متشابهاً أوقعها في الرتابة مع أن التناوب في الإلقاء بقي متناسقاً ومموسقاً. مجلة شعر اندمج إلقاء الشعر بالتراتيل الدينية التي لم تأتِ مسيحية خالصة ولا بوذية خالصة بل مزيج من الاثنتين مع رجحان لكفة التأمل الفلسفي المخترق حواجز الأديان: «وجهي محته الريح/ صار وجهي كألغاز غريبة/ ـ من على الباب يدق؟/ ـ ربما كان القلق/ غير أن الحب ناقوس بعيد../ ... عند هذي المصطبة/ سابقى ووجهي عتبة/ ما الحقيقة؟/ أرى انك لا ترى/ ما الحقيقة؟/ أن ترى الدرب وتمضي/ ما الحقيقة؟/ أن تلمح شمساً/ خلف جلد الليل/ في شرايين الخليقة../. هكذا يزاوج نص رفقة بين الفكر والفلسفة، بين الصمت والتعبير. لقد بلغ رفقة الثمانين ولا يزال يكتب الشعر، متقمصاً في نص «طائر القطا»: البيدر والحطاب وطائر القطا والصوفي والعاشق والزوج والحبيب والمسافر. لقد كانت تلك الأمسية تكريماً للكلمة الشعرية، أي لجسد الحقيقة وروحها، بحسب تعبير رفقة في كلمته الافتتاحية. فالكلمة الشعرية عند رفقة، «جسر حواري بين الشعوب» وتأسيس للحقيقة على الأرض، في «أزمنة الجمع والصرف والأرقام والصواريخ والقنابل الذكية والقحط الفكري» والضحالة الفلسفية. فؤاد رفقة شاعر يستحق التكريم لا لبطولة أنجزها، ولا لمنحة مالية تبرع بها، بل لأنه واحد من أبرز الشعراء الذين أسسوا مجلة شعر في الخمسينيات من القرن الماضي مع يوسف الخال وكوكبة من الشعراء الرواد الكبار. وإذا كان لرفقة منحى يميزه عن شعراء مجلة شعر فإنه التواضعُ والخَفَرُ والصوفية والتنسك والتأمل الفلسفي. لقد أتى رفقة الى الشعر من عالم الفلسفة، وخصوصاً، الفلسفة الالمانية التي دَرَّسَها.