توقف تربية دود القز وإنتاج الحرير في لبنان نهائيا في نهاية العام 2001، ولكن ماذا بقي من هذه الصناعة في لبنان ؟ بقيت شجرة التوت في الوجدان الشعبي اللبناني نظرا لاهمية هذه الشجرة في تربية دود القز وإنتاج الحرير. فكانت بعض العقارات والبساتين تعرف مثلا «بجل التوت» أو بستان أو كرم او «حقل التوت»... ولا تزال هذه التسميات واردة على العديد من العقارات بمختلف المناطق اللبنانية. كما ان بعض العائلات تنسب إلى تربية دود القز مثل عائلة القزي والحريري. وكان المزارعون عندما يريدون تزويج أولادهم كانوا يقولون «على الموسم». وكانوا أيضا يؤجلون سداد الديون إلى الموسم (موسم تمزيق الكمبيالات). أما في المناطق الجبلية النائية فكان رب الأسرة يعمد إلى زراعة شجرتي توت وشجرة زنزلخت عند ولادة أحد أطفاله. والمغزى أن شجرة الزنزلخت كانت تستخدم جذعها لسقف بيت الابن مستقبلا، نظرا لوظيفتها البيئية في إبعاد الحشرات عن المنزل، أما شجرتا التوت فكانتا تزرعان لتكونا مورد رزق له. وكان الأهالي ينتظرون الموسم على أحر من الجمر. وأي موسم أثمن من هذا الموسم؟ كان الفرح يعم القرى عندما يأتي «الموسم»، فينقسم الأهالي جماعات ليساعدوا بعضهم بعضا (في ما يعرف بالعونة) في قطاف الموسم الذي كان يتسم بمظهر الضيافة السخية، فتقدم ما تصنعه ربة المنزل من حواضر البيت من المأكولات والحلويات الشعبية. وكانت نهاية الموسم موضع تهاد بين الزوج وزوجته وبين أفراد العائلة أو بين الجار والجار... مما يضفي على العائلة القروية جوا من السعادة. ماذا بقي من مواسم العز؟ يقتصر الانتاج على بعض الأفراد في منطقة الشوف وفي بعض الامكنة، للمحافظة على التراث. إذ تتم عملية تربية وإنتاج الحرير في معرض الحرير في بسوس في منطقة الشوف أمام الزوار والسياح، وفي مدرسة السيدة عائشة في صيدا وفي مدرسة الراهبات في بيروت. ويقتصر هذا الانتاج على صناعة بعض المطرزات والعرائس التي تعرض في بيت المحترف اللبناني أو بعض المعارض الشعبية الاخرى. وعلى الرغم من هذا الواقع الأليم الذي جسد موت هذه الصناعة التي رافقت اللبنانيين على مدى قرون من الزمن، يرفض (أبو نادر) وهو أحد موظفي مكتب الحرير المتقاعدين هذا الواقع. فما زال يربي دود القز ويعرض أمام الزوار مراحل التربية على الصواني الخشبية ويقوم بشرح باقي مراحل التربية والانتاج لمن يرغب ممن فاتهم مشاهدة هذه التربية وهذه الصناعة... وذلك على أمل أن تقوم قيامة الحرير في لبنان مرة أخرى. الحرير في لبنان عرف الحرير في لبنان منذ الفين وخمسمئة سنة, وكان يرد إليه من الصين عن طريق الحرير وهي أطول طريق تجارية عرفها التاريخ وذلك عبر بلاد فارس والعراق. هذا وقد ورد في كتاب غاستون ريكوسو الصادر سنة 1913، «أن الحرير كان يصل إلى البلاد الفينيقية بشكل خيوط أو نسائج وكانت ليبرة الحرير تباع سنة301 بـ 744 فرنكا». وكان الحرير الصيني أجود أصناف الحرير، وكان الفينيقيون ينتجون أجمل الارجوان لصبغه فكانت ليبرة الحرير تباع بعد الصباغ من 99200 إلى 105400 فرنك ذهبي. ويعمل في صور وصيدا صناع ماهرون يتقاضون الأجور العالية لقاء فصل خيوط الحرير التي اختصوا بها). هذا وقد كان أكثر تجار الحرير في روما من اللبنانيين أو السوريين ولهم سوق خاصة يعرضون فيه النسائج التي تتخللها الخيوط الحريرية والمحاكة في البلاد اللبنانية. وهكذا بقي الحرير طوال القرنين الاول والثاني بعد الميلاد يعد من أدوات الترف الاعلى. وأول من ارتدى في روما ثوبا حريريا (الامبراطور الحمصي هليو غلوبال) في أوائل القرن الثالث الميلادي . ثم وضع الامبراطور ديوكلسيانوس مع الشاه فرنسيس اتفاقية جعلت ثغر نصيبين الواقع شمال شرق البلاد السورية الجمرك الوحيد الذي يجوز ولوج الحرير منه إلى العالم الروماني. هذا وقد أغدق الحرير على الخزينة إيرادات طائلة. الصناعة من الصين الى لبنان كان أهل الصين يحرصون الحرص الشديد على حفظ أسرار إنتاج الحرير ويحيطون هذا الانتاج بقصص خرافية مرعبة. وفي أواخر القرن الرابع الميلادي كان الكتاب الرومان يعتقدون أن الحرير إنتاج نباتي يستخرج من بعض الأشجار، إلى أن خرج السر عن طريق أميرة صينية تزوجت من أمير بلاد الخوكان الذي أقنع الاميرة بأنه قد لا يستطيع أن يلبسها الحرير فأخرجت معها سرا بذور دود القز. وفي القرن الخامس الميلادي سعى الامبراطور (جوستيفيانوس) للتخلص من الاسعار التي يفرضها الفرس فكلف راهبين بإحضار بعض بذور القز فأتيا بها سنة 553م . وباشرت الدولة البيزنطية إنتاج الحرير. وفي عهد الامبراطور يوستينيانوس سلم أهالي سوريا ولبنان بذور القز للقيام بتربيتها، ووجد بذر القز في لبنان جوا صالحا في ورق التوت المنتشر فيه غذاء طيبا، حيث ازدهر إنتاج الحرير. ثم عاد الامبراطور إلى فرض الخناق على هذه الصناعة، وأجبر الفلاح على بيع الشرانق والحرير إلى المفوض الحكومي بالأسعار التي يحددها. وشلت هذه الأحكام نشاط صناعة الحرير في البلاد لفترة من الزمن. حرم الإسلام على الرجال لبس الحرير وحلل لبسه للنساء. واستمر الحال في عهد الخلفاء الراشدين إلى أن استلم معاوية الحكم، فحاكى الروم بالمظاهر والفخامة وسرعان ما غزت حياة البذخ البلاط الأموي. وفي سنة 665م أضاف معاوية إلى قصره مصنعا للحرير فنال شهرة واسعة، ولم يطل الأمر حتى أصبحت الدولة الاسلامية منافسا عنيدا للصين في مضمار الحرير. وكانت الحرب الدامية بين الدولتين وفي سنة 751 دارت معركة بين الفريقين على ضفاف نهر طلس وكان النصر للقائد زياد بن صالح الذي لم يشأ اللحاق بأعدائه بل اكتفى بجر العديد من الاسرى بينهم حاكة الحرير، فأحلهم في الكوفة يطبقون فيها ما لهم من خبرة. وانتشر الإقبال على الحرير في الدولة العباسية، وبعد فتح الاندلس ازدهرت تربية دود القز ومصانع إنتاج الحرير وأصبحت الاميرية من أنشط المدن في إنتاج الحرير حيث بلغ عدد الانوال 800 وبلغ عدد الاماكن التي تتعاطى تربية دود القز 300. وفي عهد الصليبيين تزايد إنتاج الحرير حيث أقبلوا على العادات الشرقية وتنعموا بالحياة وتنافسوا في ما بينهم برخاء العيش وترفه وكان لهذا الترف الأثر البعيد في إنتاج الحرير في المدن اللبنانية واشتهرت صور بإنتاج الحرير، حتى سميت النسائج الارجوانية بالغرب بالصورية. وكان في صور، في حي البنادقة، عدد من الحاكة الشرقيين يعملون في نسج حرائر اشتهرت بجودتها. وعندما دخل السلطان قلاوون مدينة طرابلس كانت الانوال تقارب 400 نول. وفي ظل حكم الامير فخر الدين (1580-1634) تطورت صناعة الحرير في الجبال اللبنانية، وقد بلغ اللبنانيون في هذا الميدان حدا كبيرا من المهارة حيث كان الحرير من أهم موارد الإمارة ويليه القطن وقد كان دخل الأمير من الحرير كبيرا فقد دفع سنة 1607 إلى الصدر الأعظم مراد باشا مبلغا قدره مليون وسبعمئة ألف قرش ذهبي نصفه من النقد والنصف الآخر من الحرير. وبعد القضاء على فخر الدين مر الحرير بأزمة شديدة يعود أسبابها إلى سياسة القناصل والباشوات الغاشمة. وفي القرن التاسع عشر، لعبت تربية دود القز دورا هاما في لبنان وذلك نظرا لفتك الأوبئة به في أقطار العالم، إذ بقيت زراعة التوت ناشطة في لبنان حتى أواخر القرن التاسع عشر. وقد أصبح هذا الموسم موسما تراثيا وقد أنقذت مواسم الحرير اللبنانيين من العوز خلال الحرب العالمية الاولى فحافظوا على عزتهم وكرامتهم. ففي بلدة إبل السقي على سبيل المثال كان مردود موسم الحرير حوالى 20000 ليرة ذهبية في بدايات القرن العشرين، كما أفاد رئيس بلدية إبل السقي عن والده المرحوم توفيق سعادة والذي كان يستورد البذور من فرنسا بواسطة مكتب لشركة فرنسية متخصصة. وهكذا دعي هذا الموسم بموسم العز أو موسم تمزيق الكمبيالات. وفي الازمة العالمية الكبرى 1929وبعد اختراع الخيوط الاصطناعية في الثلاثينيات من القرن العشرين وظروف الحرب العالمية الثانية وقف التصدير واحتكر الحلفاء مادة الحرير والتي اعتبرت سلعة حربية لتصنيع المظلات، فتدهور الموسم وانصرف المزارعون إلى اقتلاع أشجار التوت واستبدالها بالتفاح . وفي سنة 1930 وقبل الحرب العالمية الثانية بلغ دخل لبنان من الحرير خمسة ملايين ليرة لبنانية ما يساوي 50% من الدخل الزراعي العام. وما لبثت زراعة التوت وتربية دود القز أن تقهقرت أمام زراعة البرتقال لما فيها من مكاسب, وبعد سنة 1932 ازداد اقتلاع أشجار التوت واستبدلت بها أشجار الفاكهه من موز وحمضيات وتفاح. الأزمات لحق بإنتاج الفيالج والحرير أزمات متتالية بيولوجية واقتصادية وسياسية كما حصل مثلا أثناء الحرب العالمية الاولى إذ اقتلعت بساتين التوت وحلت محلها المزروعات المعيشية. أما صناعة الحرير فكانت تتغلب دوما على الازمات وتعود إلى الازدهار. بيد أن أزمة 1928و1930 الاقتصادية والتطور التكنولوجي الذي تبعها دون أن يلحق بلبنان منه نصيب، قد أضعف قدرتها على المقاومة والنمو تجاه هذا الواقع. وكان على الحكومة اللبنانية أن تقوم بعمل ما، فقررت في سنة 1950 إنشاء جهاز خاص هو مكتب الحرير. بدأ مكتب الحرير أعماله في سنة 1955، وفي شباط 1956 صدر قانون إنشاء مكتب الحرير وعدل في ما بعد بالمرسوم الاشتراعي رقم 59 بتاريخ 22/6/1977(ج/ر/عدد19) . أصناف التوت إن أصناف التوت القديمة المعروفة في لبنان مصدرها آسيا الوسطى حيث انتشرت إلى حوض البحر المتوسط وأوروبا . إن شجرة التوت قديمة وقليلة المتطلبات وذات نمو سريع ويمكن غرسها في لبنان من السواحل إلى الجرود. كما يمكن غرسها في الأتربة الكلسية في الاراضي المروية والبعلية. إن ورق التوت هو الغذاء الوحيد لدود القز ويحتوي على نسبة عالية من المواد الغذائية البروتينية والفيتامينات وهي في هذا المجال قيمتها في ورقها وليس في ثمرها أو حطبها. هذا وقد كان مكتب الحرير يبيع الحرير إلى السوق الأوروبية بسعر يتراوح ما بين 50 إلى 60 دولار أميركي للكلغ وأما سعر كلغ الحرير الصيني فهو 40 دولارا مما ساعد على إهمال هذه الزراعة بسبب المنافسة الصينية. وبسبب الأحداث المؤلمة تضرر مكتب الحرير في كفرشيما وتوقف عن إنتاج الفيالج في العام 1976 ثم عاد من العام 1977 إلى العام 1982 بكميات ضئيلة حتى العام1992, وفي هذه الاثناء تم ضم مكتب الحرير إلى وزارة الزراعة ابتداء من العام 1992 وأصبح دائرة في مديرية الزراعة وبادرت هذه الدائرة إلى إنشاء مشاتل للتوت للتعويض عما اقتلع من أشجار التوت. وقد وزعت عام 1999 أكثر من 200000 نصبة توت يابانية مؤصلة، كما أقامت مواسم تربية الحرير ابتداء من ربيع عام 1994، ثم تدهور الانتاج إلى أن توقف نهائيا عام 2001 .