As Safir Logo
المصدر:

كتاب «صبيان شيكاغو» وعقيدة الصدمة

المؤلف: رزق عفيف التاريخ: 2010-01-29 رقم العدد:11505

«انهم يتواجدون في كل مكان», ان لم يكــن بأجــسادهم فأفكارهم حاضرة وكتاباتهم موثقة وتعاليمهم ملزمة: في المخروط الجنوبي ـ (التشيلي والارجنتين وغواتيمالا), عند الجنرال اوغسـتو بينوشيه قبل وخلال وبعد الانقلاب العسكري الدامي عام 1973 على الرئيس سلفادور آلندي، ومع إطلاق 24 قذيفة مدفعـية على 36 مــدني عُزَل بمن فيهم آلندي في القصر الرئاسي. وهم متواجدون في الارجنتين، عندما تولت «الطغمة العسكرية» الحكم عام 1976 وقامت بعملية «إخفاء» مفاجئ لثلاثين الف مواطن كان معظمهم من الناشــطين اليساريين، وما زالت شوارع العاصمة والمدن الكبرى الارجنتينية تتــشح بالسـواد لذكراهم؛ وهم متواجدون في الارغواي، حيث نظامها السياسي يوازي النظام الارجنتيني فظاعة بتمركز مواقع التعذيب الاساسية في ثكنات الاسطول البحري... هم ايضا في بولندا حيث تخلت «التضامن» عن مؤسسها ليش فاليسا عندما خان برنامجها السياسي وباع المصانع البولندية للشركات الاجنبية بناء على نصيحة احدهم؛ وفي روسيا لدى تلقي الدبابات الثقيلة الاوامر من بوريس يلتسين لدك مبنى مجلس «الدوما» للقضاء على المعارضة السياسية، لتخلو الساحة من امام «أقلية حاكمة» متعاونة مع الخارج، لتبعث الفوضى في الإرث السوفياتي فتمتلئ جيوب هذه الاقلية بالمال العام المجبول بعرق الكادحين العمال. وهم ايضا في بريطانيا عندما انتصرت مارغريت تاتشر على الارجنتين في جزر فوكلاند عام 1982 وأطلقت على «مرشدهم الكبير «لقب» مكافح الحرية الفكرية»، وتطيح اعتصام العمال المطالبين بتحسين اوضاعهم المادية بما يتناسب مع اعمالهم الشاقة، وتطلق عملية الخصخصة للقطاع العام في اول بلد اوروبي ديموقراطي حسب مبادئ هذه الجماعة. اما في الصين فقد حلَ هذا «المرشد الكبير» ضيفا عزيزا على قادة الصين في ايلول 1988 فالتقى بحضور الاعلام الرســمي «زهاو زيانغ» الامين العام للحزب الشيوعي الصيني و«جيانغ زيــمين» الرئيس المستقبلي, وكرر نصيحته لهذا الاخير قائلاً له «لا تستــسلم ولا يرف لك جفن»، مشدداً له «على اهمية الخصخصة والاسواق الحرة، من جهة, والتحرير السريع للاسعار، من جهة اخرى. لكن النتيــجة كانت مظاهرات شعبية حاشدة ضد طبيعة الاصلاحات التي اوحى بها وسرعة التــنفيذ وقساوتها وطابعها المضاد للديموقراطية. وهم موجدون في الولايــات المتحدة، منذ عهد الرئيس الأسبق رونالد ريـغن الذي لوّح بكتاب «المرشــد» خلال حملته الانتخابية الرئاسية، معتبراً ان الكتاب يتضمن الدواء الشافي لأي معضلة اقتصادية، أما مع الرئيس السابق جورج بوش الابن، فقد وجدناهم يحكمون من داخل البيت الابيض فيزوّرون الحقائق ويكذبون لغزو العراق ويتركونه بأيدي «بول بريمر» المبعوث الخاص لبوش ليصبح ساحة لمرتزقة «بلاك ووتر» وللشركات الاجنبية، لتنهب وتسرق ثرواته الطبيعية وإرثه الثقافي والحضاري. لقد وصف الناطق الرســمي الســابق باسم البيت الابيض «سكوت مكيــلان» بأن تعاطي ادارة بوش مع إعصار «كاترينا» عام 2005 شكًل الخــطيئة الوطنية الثانــية التي ارتكبــتها هــذه الادارة بعد خطيــئتها الاولى لدى غزوها العــراق. ولم تسلم مناطق في جنوب شرق آســيا من عـبث هؤلاء «الصــبية»، فهم حولوا الشاطئ الجميل في سيرلانكا، بعد الإعــصار الذي ضربها عام 2004، الى منتجعات سياحية انشأتها الشركات الاجنبية الخاصة على انقاض اكواخ صيادي الاسماك الذين طُردوا من المنطقة فحُرموا من تأمين لقمة العيش والمأوى لعائلاتهم. وكان هؤلاء قد حلوا في اندونيسيا لتقديم الدعم المادي والعسكري للجنرال سوهارتو في الانقلاب الذي اطاح بحكم سوكارنو الوطني. وكان نتيجة ذلك انسداد مجاري الانهار والينابيع في الريف الاندونيسي، من تراكم الجثث فيها. هذه بعض الوقائــع التي تذكرها الــكاتبة الكندية «نعومي كلاين» في كتابها «عقيدة الصــدمة، صعود رأسمالية الكوارث»، وتقول إن كل شيء بدأ مطلع خمسينيات القرن الماضي عندما برز في كلية الاقتصاد في جامعة شيكاغو استاذ الاقتصاد «ميلتــون فريــدمان» منظّر «الرأسمالية المعاصــرة» والداعي الى اعتـناق «عقيدة الصدمة» في الاقتصاد والقائل: «وحـدها الازمة، سواء اكانت واقعة ام منظورة، هي التي تحدث التغيير الحقيقي»، ووظيفته هو وأتــباعه تطويــر بدائل للسياسات الموجودة «ليصبح المستــحيل في السياسة حتمية سياسية»، فانتشر تلامذته في مختلف البلدان لتطبيق هذه المفاهيم بأي ثمن ومهما كــانت النـتائج. في هذه الأثناء كان التيار الاقتصادي السائد، في الــعالم الغربي, هو تيار جون كيـــنيز الداعي الى ضرورة تدخل الدورية في العملية الاقتصادية بهدف قيام دولة الرعاية الاجتماعية الحديثة، اذ بعد انهيار السوق عام 1929 و«الكساد الكبير»، حصل إجماع ساحق لدى المعنيين والمسؤولين السياسيين والاقتصاديين، على ان سياسة الاقتصاد الحر فشلت، وأن ثمة حاجة الى تدخل الحكومات في الاقتصاد من اجل إعادة توزيع الثروة وتنظيم المؤسسات وجمع الثروات واستخدامها في بناء مجتعات اكثر عدلا. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وإعادة إعمار اوروبا اعتمدت القوى العظمى الغربية المبدأ القائل بضرورة الحفاظ على كرامة المواطنين، فكان الضمان الاجتماعي في الولايات المتحدة والعناية الصحية العامة في كندا، الرعاية الاجتماعية في بريطانيا، وحماية العمال في كل من فرنسا وفي المانيا. اما العالم النامي فقد تبنى «التنموية» او «قومية العالم الثالث»، اذ اقتنع الاقتصاديون في هذا العالم ان من الضروري إبعاد حلقة الفقرعن بلدانهم وهذا لن يتم إلا عن طريق اعتماد استراتيجية تصنيع داخلية بدلا من الاعتماد على تصدير الموارد الطبيعية الى كل من اوروبا واميركا الشمالية. مع حلول الستينيات تمكن التنمويون من التفاخر بسلسلة من النجاحات المهمة, على غرار أتباع كينيز والديموقراطين الاجتماعيين في البلدان الغنية. لقد نظّر لهذه السياسة التنموية العالم الاقتصادي «راوول بريتش» بين عامي 1950 و1963، فدرب فرقا من الاقتصاديين لتطبيق هذه السياسة وأرسل الكثير منهم للعمل كمستشارين اقتصاديين لدى حكومات بلدان العالم الثالث. فحققت هذه السياسة تقدما ملحوظا في ردم الهوة بين الطبقات العمالية والفلاحين وبين الاغنياء، وازدهر التعليم على مختلف المستويات. خلال هذه الفتــرة كان تيار ميلــتون فريدمــان الاقتصادي مهمشاً، لكـنه لـم يســتسلم، بل كان يهيئ الارضية الفكرية لمعتــقداته لينــطلق علــى ارض الواقـع مشــددا على ان مسـيرة الاقتــصاد «سلكت المســلك الخاطئ»، لان الســياسين اصغوا وطبــقوا مفاهيم كينيز، فشــكل مع مجموعــة من الاكاديمــيين المحافــظين متراساً صــلباً في وجه تدخل الحكومة في العملية الاقتصادية، وأصبحت كلية الاقتصاد في جامعة شيكاغــو مدرسة في عـلم الاقتــصاد اكثر منها كــلية جامعية. امتاز فريدمان بأنه شخص طمــوح وجذاب فسيطر بشكل تام على نشاط الكلــية التي يديرها وسعى الى احداث انقلاب جذري في هذا الميدان وكان حلمه الذي كرس حياته له إقامة رأسمالية نقية. عام 1953 التقى ملتون فريدمان، رئيس كــلية العــلوم الاقتـصادية في جامعة شيكاغــو، بمدير الوكــالة لادارة التعــاون الدولي في التشيلي، واتفقا ان على الولايات المتحدة تتــويج معــركتها الفــكرية ضد الماركسية باتباع خطة تقوم على: اولاً اختــيار بلد يـكون موئلا للسياسات الاقتصادية الجديدة، ومختبراً تجري فــيه تجارب السوق الحرة، وتم اختيار التشيلي. ثانياً تقدم الولايات المتحدة منحاً دراسية للطلاب التشيليين كي يدرسوا العلوم الاقتصادية في جامعة شيكاغو التي تعتبر من اكثر الجامعات الاميركية مناهضة للاشتراكية المعتدلة في العالم. وثالثاً تتحمل الحكومة الاميركية ايضا تكاليف سفر اساتذة الاقتصاد في الجامعة المذكورة والاقامة في التشيلي لدراسة الاقتصاد التشيلي . أُطلق المشروع رسميا عام 1956 بإرسال مئة طالب تشيلي الى جامعة شيكاغو لدراسة العلوم الاقتصادية فيها، ثم توسع عام 1965 ليشمل طلابا من مختلف بلدان اميركا اللاتينية كالارجنتين والبرازيل وكذلك المكسيك وبلدانا اخرى. تجدر الاشارة الى ان الفريق التشيلي العائد من شيكاغو كان «متحيزاً لأفكار فريدمان اكثر مما كان هو متحيزاً لها»، وعُرف اعضاء هذا الفريق في ارجاء المنطقة بـ«صبيان شيكاغو التشيليين» . ومع الدعم الاميركي، المادي والمعنوي، لهؤلاء شغلوا مراكز مهمة كمستشارين إقليميين ومحليين وناشرين للأفكار التي اطلق عليها الاميركيون اللاتينيون بـ«الليبرالية الجديدة ». وتشير الكاتبة الى ان فريدمان شغل منــصب مستشار للجنرال بينوشيه، كما تتلمذ على يديه رؤساء للجمهــورية عــديدون ورؤساء وزراء بريطانيون وكثيرون من وزراء مالية بولنديون وطغاة من العالم الثالث ووزراء من الحزب الشيوعي الصيني ومدراء لصندوق النقد الدولي، وآخر ثلاثة مدراء تعاقبوا على رئاسة المصرف الاحتياطي الفيديرالي الاميركي. يُعتبر ميلتون فريدمان المرشد الاكبر لحركة الرأسمالية غير المقيدة والرجل الذي يعود اليه الفضل في وضع اسس النظام الاقتصادي العالمي المعاصر السريع الحركة، وقد عمل مع تياره على مدى اكثــر من ثلاثة عقود على تعزيز تلك الاستراتيجية عن طريــق وقــوع ازمة كـبيرة لفرض تغيير سريع لا رجوع عنه يستبق استيقاظ المجتمع المرهق من الصدمة، يقول في هذا المجال: «سيكون أمام الادارة الجديدة القادمة مهلة زمنية من ستة الى تسعة شهور، حتى تحقق تغييرات كبيرة، وفي حال لم تنتهز الفرصة كي تتصرف بحزم في خلال تلك الفترة، فإنها ستكون قد ضيعت فرصتها الوحيدة»، فالخوف والفوضى لدى وقوع الانقلابات والحروب او الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل والتسونامي، جميعها محفزات لكل قفزة جديدة الى الامام وهذا هو الطريق الصحيح. اما التحول الجذري الذي دعا اليه فريدمان فيقوم على تخفيض الضرائب وثباتها على ان تفرض على الفقير والغني من دون استثناء, وتعـزيز التجارة الحرة، وخصخصة القطاعات الخدماتية، وخفض الانفاق الحكومي الاجتماعي الى ابعد حد ممكن، والحد، ان لم يكن إلغاء، التدخل الحكومي في العملية الاقتصادية. فالقوى الاقتصادية، اي العرض والطلب والتضخم والبطالة، ثابتة وراسخة، كما قوى الطبيعة التي تكون في حالة توازن مثالي، فيتفاعل العرض مع الطلب، مثلما يُحرك القمر المد والجزر . يعود الازدهار الذي يتمتع به اي مجتمع، في رأي فريدمان، الى الاسواق الحرة، والاسعار الحرة ايضا، وحرية المستهلك في الاختيار . والسبب الكامن وراء معاناة السوق من مستويات عالية من التضخم «فيُعزى، بشكل حصري، الى السماح لصناع السياسات الضالين بضخ الاموال بدلا من ترك الاسواق تجد توازنها بشكل تلقائي ووفقا لآلياتها الذاتية. في كتابه الأكثر شعبية «الرأسمالية والحرية»، الذي اصبح في ما بعد دفتر قواعد السوق الحرة العالمية والذي سيُشكل، في الولايات المتحدة، جدول اعمال السياسة الاقتصادية لحركة المحافظين الجدد, كما تقول الكاتبة، يرى فريدمان ان على الحكومات إلغاء جميع القواعد والانظمة التي تعرقل تراكم الارباح، وبيع اي اصول تملكها الحكومة «لشركات قادرة على إدارتها وجني الارباح منها»، وبما ان السوق هي التي تحدد جميع الاسعار بما فيها اجر اليد العاملة لذا «يجب ان لا يكون هناك حد ادنى للأجور» كما يعتقد مرشد الرأسمالية النقية...

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة