As Safir Logo
المصدر:

«2/1 ملغ نيكوتين» لمحمد عبد العزيز الجمال هو المستقبل

مي سكاف في لقطة من الفيلم
المؤلف: محمد انور التاريخ: 2010-01-28 رقم العدد:11504

ليس فيلماً كلاسيكياً تقليدياً, وليس فيلماً تجارياً مع أنَّ المنتج رجل أعمال هو نبيل طعمة, فيكون سرده ساذجاً وممِّلاً, أو يبعث الرعب فيحرِّض الغرائز فننثار ونهتاج. بل إنَّه فيلم تتصارع فيه الأفكار والآراء كانت لأطفالٍ كما عند الطفلين زين حمدان وسهاد الصارع, أو لشبابٍ كما عند كمال الفنَّان التشكيلي – حسن سليمان وأروى - رهام عزيز, أو لكهولٍ كما عند زكريا – خالد تاجا وناديا – مي اسكاف. الفيلم يقدِّم فيه المخرج محمد عبد العزيز بحثاً دقيقاً لهسهسة العقل حين يتعامل بشاعرية عقلانية مع قضايا تمسُّ أمنه ومستقبله. فأبطاله على اختلاف آرائهم ومعتقداتهم إنما يدارون الحياة ويحبونها. فزكريا الفنَّان التشكيلي وهو شاب مسيحي عندما يحب أروى الفتاة المسلمة المتحجِّبة ابنة رجل دين هو الشيخ «رازي» يؤدي دوره عبد الفتاح مزيَّن الذي يعمل مؤذناً في مسجد وله ماله من كرامات؛ إذ يطير كما يقول مريدوه من مسجد إلى مسجد كما الحمائم – لا يصطدم بجبلٍ من المتزمِّتين أو المتطرِّفين الذين يرون في أقرانهم ومواطنيهم من المسيحيين خصوماً أو أعداء إيديولوجيين. بالعكس فعندما يواجه الرسَّام زكريا الشيخ رازي ليطلب منه يد ابنته أروى فهو يتعرَّف الى فنَّان رسَّام مثله , فتقوم بينهما علاقة فيها الكثير من النديَّة وهو يشرح له كيف فقدَ بصره حين كان يرسم في أحد المقامات (مزار وليّْ) لوحة على الأبيض الذي هو لون الفردوس, فلا يرى الريشة التي يمسكها بيده فيصرخ: إلهي؟!. ولحظتها كما يقول ونشوف يعرف الشيخ رازي أنَّ الأسوَد وإن كان لون العمى إلا إنه اللون الأوَّل لون العدم. كمال الرسَّام يعرض على الشيخ الرسَّام – مع إنَّ الإسلام حرَّم الرسم - الزواج من ابنته أروى ويعلن له عن استعداده للإسلام؛ عن استعداده للتضحية بالمعتقد الديني من أجل الحب الذي ينمو بطريقة عذرية, بعكس ما نرى من غرائز مهتاجة؛ غرائز تشعلُ حرائقها في من يقترب منها عند ناديا – مي اسكاف؛ المومس التي تنشر جوعها وظمأها للحياة الكريمة التي طارت منها بزواجها من رجل لا يُنجب أطفالاً يشتغل سائقاً على طريق دمشق بيروت - خالد تاجا, ويُفاجأ بأنًّ زوجته قد ولدت له طفلة ما ان تكبر حتى يقوم بقتلها فيُسجن, ثمَّ يخرج من سجنه ويعيش في شكٍّ من فحولته ومن أنوثة امرأته, فيحاول الانتحار لكنه وإن صعقه تيار كهربائي فهو لا يموت كما مات الطفل «زين» ماسح الأحذية المثقَّف المتأمِّل؟.. بعد أن رسم السمكة التي طالما حلم بأن يمتلكها في وسط شارع عام؛ سمكة كثيراً ما كان يحبها حين تدهسه سيارة عابرة وينزل الدم من فمه, فيما تلفه الطفلة التي تستذكر نيكوتين تلك القبلة التي قبَّلته إيَّاها بعد سنوات وسنوات. محمد عبد العزيز في «2/1 ملغ من النيكوتين» يقدِّم فيلماً جريئاً, إذ يكشف عن مخرج يؤلِّف صورة، لأوَّل مرَّة في السينما السورية ترقص؛ صورة تعزف موسيقى, وليس صورةً تتكلَّم. فلقد تخلَّص كثيراً مما هو خيالي فقدَّم نقداً جمالياً قاسياً لمشاريع – مشروعات التخلف الفكري والعمى الإيديولوجي, فأقام أكثر من حوار بين المتصارعين, حوار بالصورة متجنباً الحروب وإن كانت كلامية. وهو موقف تشاركي مع نبيل طعمة بصفته مموِّلاً ومنتجاً لهذا الفيلم النظيف؛ فيلم سيُحسب كثيراً للقطاع الخاص الذي بدأ ينافس القطاع العام المتمثِّل بالمؤسسة العامة للسينما السورية التي طقّ الشيب في رأسها وشاخت رغم أنَّها لا تزال في عمر الشباب.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة