I ـ أنوف متشابهة في زاوية مقهى، جلست أنتظر النادل. طال انتظاري. قلت: سأراقب الزبائن.. وصدف أن كان موضعي في المقهى، يقع على ممر إلزامي لكل راغب في الدخول والخروج. لَفَتَني، على غير عادة، وجه فتاة على القياس. لمحت معالم الشغل التجميلي فيه، وقلت كلاماً سخيفاً في سرّي. طال انتظار النادل. فرصة جديدة لتصريف حشريتي. أحصيت ست عشرة فتاة، أعدن تأهيل أنوفهن. عرفت ذلك من دون أن أكون اختصاصياً، فالتماثل بين الأنوف، يصفعك، يقول لك: فكّر قليلاً. فكرت. وببداهة، وصلت إلى النتيجة: في البدء كان «الجينز». المسألة أبعد من تجميل. قد تدخل في باب الاقتصاد، أو في أساليب الإغراء. ألا أنني توقفت عند الإصرار على التشابه. التشابه في الأنوف والصدور والشعر، ثم التشابه في لغة التخاطب الفرنكو ـ انكلو ـ آراب. ثم التشابه في لوائح الطعام، والتشابه في أنماط الحمية والرجيم، والتشابه في الأغاني والموسيقى، والتشابه في وسائل الإعلام، والتشابه في وسائل الترفيه، والتشابه في السير مسارات الربح السريع، والتشابه في الفوضى، والتشابه في الصلاة، والتشابه في الفسق والمخدرات، والتشابه في الانتظام الطائفي، والتشابه في اقتناء سيارات الدفع الرباعي والخماسي، إلى ان رسوت على التشابه في التفكير. خفت. نحن نشبه أجدادنا، أو، يخيّل لنا أننا نصنع أنفسنا على صورة أجدادنا، بأصولية متشابهة، وسلفية متماثلة، و... نصنع أنفسنا، على صورة غرب، رغبناه من أسفله، ورغب فينا من رأسنا. نشبهه كظله. هو الأصل ونحن التقليد. وتساءلت: لماذا لم يعد الشعب العربي ينهض لتأييد حق أطفال غزة بالخبز والدواء والسكن؟ وأجبت: أنوفهم تشبه عقولهم. II ـ هل يصبح السجن أفضل نظام؟ السجن، كلاسيكياً، هو الإقامة الإلزامية ضمن جدران، داخل غرف ضيّقة، خلف أبواب مغلقة بإحكام، وسط باحات محسوبة بالدقائق، خاضعة لحراسة دقيقة، يشعر فيها السجين، انه مقبوض عليه كل لحظة... لأنه متّهم «بجرم» ارتكبه أو سيرتكبه. أو لأنه يجب أن يكون قد ارتكب جرماً أو يلزم أن يرتكبه في المستقبل. السجن، في المفهوم الحديث للسياسة، وفق نظام العولمة وقيمها وقوانينها الصارمة، هو نظام للسيطرة يمارس على الأفراد، وعلى الشعوب كذلك. وقد نجد تفسيراً لمقولة فوكو وتدرج الانسان الفرد، من سجن صغير إلى سجن أكثر اتساعاً ومساحة، ولكنه أكثر صرامة وأشد فتكاً. فالفرد في نظر فوكو ينتقل من وسط مغلق، إلى وسط آخر مغلق (سجن). ينتقل من العائلة ونظامها وقيمها وقيودها، إلى نظام المدرسة، فالجيش، فالمصنع، فالمستشفى، فالسجن، كأن السجن هو «الموديل» المفضل للفرد. فكيف إذا نظرنا إلى الأطر الجماعية، حيث يخيل للأفراد، أنهم أحرار، فيما هم مواظبون بحماس على الالتزام، بقيود العائلية والعشائرية والطوائفية والمذهبية (نحن عند هذه المرتبة توقفنا) والحزبية المتزمتة، والدينية العصبوية. والنتيجة أن الإنسان العربي مخيّر، بين سجن الماضي، الديني والمذهبي، يقيم فيه براحته وحريته، والسجن «الحضاري» السلعي الترفيهي الغرائزي، الذي تطيب له الاقامة فيه. بلا هدف أو غاية إنسانية. يؤله الشبه ويسفه الفرادة. ولا يشك في أنه حر وفاضل وخيّر ومنطقي، فيما هو يمارس سجن نفسه في نظام المعتقلات الجماعية اللذيذة. يسقط فيما هو يظنّ أنه فاز. يخسر، فيما هو على يقين أنه ربح. ألا نشعر أن الطائفي كائن منسجم مع منطقه اللامنطقي، مع تفكيره المضاد للتفكير، مع حريته المضادة للحرية، مع فرديته المأكولة بنهم؟ الا يشعر بلذة الانتماء؟ لقد قيل له واقتنع: طائفته هي ذاته. هي فرديته. هي مصلحته. هي دينه. هي ربه. هي دنياه وآخرته، وهي كذلك نظام قيمه. ولذا، هو يتفانى في الانتظام والطاعة والعطاء والتضحية لممارسة واجبه إزاء نفسه المضخمة في طائفته. يساق هذا القول، على «المؤتلفة قلوبهم»، في مذاهبهم وعقائدهم وأحزابهم وقبائلهم ونيوليبرالياتهم. ويساق هذا القول أيضا، على الذين باتوا ضحايا مبتسمين لوضعهم في معركة الحرب الناعمة، التي تخاض ضدهم، وفق ما يناسب نشوتهم ولذتهم وكسلهم، وما شُبّه لهم أنه حاجة ماسة لهم. III ـ أولاد «الماركيتينغ» و«البروباغندا» نحن! كي لا تبدو متخلفاً، عليك أن ترتدي لباساً أو زياً، موقعاً عليه، من كبريات الشركات الغربية. إذا انتحلت لك لباساً وطنياً أو تراثياً، مهما بلغ جماله وذوقه، فإنك ستبدو في غاية الرجعية والشذوذ والخروج على «الأعراف المستقبلية». وكي تبدو حداثوياً، عليك أن تكفّ عن ارتداء عقائد متخلفة وخشبية، فبدل العروبة، اقتن التعددية، واذهب بها بعيداً. تولّ أمرها مذهبياً وطائفياً واقوامياً. العولمة، تعني توحيداً للسوق ودعوة للاعتراف بالتعدد العرقي والمذهبي. توحيد الأسواق، يقضي بأن تكون ثقافة الاعتراف بالآخر واحترامه، على قدم وساق. وعليه، فستجد نفسك اذا دخلت سوق «الماركيتينغ» المعولم، عارياً من العروبة بسبب عيوبها، إزاء الأقليات المتناسلة كالبراميسيا بلا هوادة، والمتفانية في إفناء الآخر. العراق نموذجاً. لبنان كذلك. السودان متأهب. اليمن شغّال... الجحيم في كل مكان. منطق «الماركيتينغ» الدولي يفرض عليك ان تتخلى عن لغة الحقوق القومية والوطنية، بما فيه حق التحرر من الاحتلال وحق الانتفاع بالثروات الوطنية، وحق حماية الإنتاج، لمصلحة لغة الوقائع المفروضة من مؤسسات الرقابة المالية الدولية، ومؤسسات الجباية المالية اللصوصية، وفق نهج قراصنة منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي، وبرامج الخصخصة (السرقة الشرعية) وبرامج إعادة الهيكلة (تشريد العاملين في الإدارة) وبرامج رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية الأساسية (تجويع الناس ورفع نسبة الجائعين في العالم إلى ما فوق المليار ومئتي مليون جائع، مرشحين للموت أو المرض أو الاعتلال المؤبد). لم يعد مغرياً أن تكون قومياً، أو عربياً، أو اشتراكياً، أو يسارياً، أو منادياً بالعدالة الاجتماعية. ليس مرحباً بك إن لم تكن متماثلا مع النظام الدولي (الفوضى الدامية) والقرارات الدولية (مجلس الحرب الدولي) والشرعية الدولية (منظمة خرق المواثيق)... وليس مغرياً أبداً أن تكون، فالأفضل أن لا تكون. إنها ثقافة «الماركيتينغ»، حيث الانبهار بدل الافكار، والسلعة بدل الحاجة. فالعالم المعاصر، في صناعاته، يهتم بإنتاج سلع لذيذة، لا حاجة للإنسان اليها. ولكنه، ما إن يوجدها، حتى يتم استحضار الحاجة إليها عبر تهييج عصبية لذائذه الشرسة... IV ـ سلطة الإغراء ونفط الأسواق أشار السيد حسن نصر الله، في خطابه الأخير في بيروت، بمناسبة انعقاد مؤتمر دعم المقاومة، إلى الحرب النفسية وإلى الحرب الناعمة، التي أسقطت الاتحاد السوفياتي، وحذّر من سقوطنا فيها. لتحذيره جدية بالغة... لقد أوشك كثيرنا على السقوط، باستثناء المقاومة ومن معها من المؤتلفة قلوبهم وسواعدهم ولغتهم وأفكارهم وقيمهم معها. قليل من التاريخ يفيدنا في قراءة واقعنا: في العام 1928، اخترع ادوارد برناي «الماركيتينغ» والعلاقات العامة. لقد اعتبر أن النفط الذي يحرك العجلة الاجتماعية، وسلوك الناس، هو النوازع والرغبات الانسانية والغرائز. وقال: حرية الرغبات بخار القطار الذي به تتقدم البشرية. وليس هناك أقوى من حرية الربح. كأن كل الحريات الأخرى لا تتحقق إلا بمقدار ما يتحقق من منسوب الربح المتزايد والذي لا يقف عند حد. (ألا يُلاحظ ان الأرقام المتداولة عالمياً لم تعد تعير اهتماماً للملايين، فتخطت حاجز المليارات لتصل إلى التريليونات وما فوقها؟). كان لا بد إذاً من مخاطبة النوازع الاستهلاكية لتحقيق الأرباح.. المستهلك عبد لذاته وإله الربح للشركات والمصانع. وكان السبق في هذا المسار، لصناعة الملذات، او صناعة التسلية، وفق طقس يعيد الاعتبار للرموز المقدسة: الماركات المسجلة المحمية والواجب الإخلاص لها، وإيفاء النذور لها. (قوانين الحماية الفكرية). إن تغيير الناس والجماعات والأفراد، الذي بدأ بأنوفهم، لا يتم بالعنف والدم والحرب إلا نادراً. وتحويل الناس من إلى، لا يحصل بالقمع والتسلط، بل بالإيحاء له، ان ما يعرض عليه، هو ما يطلبه تحديداً. انه فقط يلبي نداء من داخله. الأفكار المعروضة عليه، هي أفكاره التي لم يصنعها. السياسات التي يتبناها، هي سياساته التي اختيرت له، في إطار من الالتزام الذي تمليه قواعد القفص الدولي. في هذا السياق، لا سلطة محبذة، غير سلطة الإغراء: «ثقافة الحياة» في مواجهة «ثقافة الموت» مثلا، وقس على ذلك. ليس أفضل من نظام السوق لتغيير الناس، وهو جعل الناس سلعة دون السلعة المبتغاة.. للسلعة قيمة مالية وجمالية ونفعية، وللمستهلك قيمة أدنى من سلعته، هي الأول، وهو الثاني. الدين الجديد، الذي أرسل مبشريه من مثقفي السلطة والشركات ومستشاري المصانع، ومدراء الإعلام والشاشات، له طاقة تدميرية كونية، أفظع من النازية بكثير. هذا الدين أفلت الإنسان من ضوابط العقل والقيم والحقوق، لمصلحة التراكم الغرائزي الذي لا شبع له. وهكذا، اقتلعت عقيدة السوق، الثقافة والتاريخ، وألغت الحواجز والعادات الخاصة والتقاليد الاجتماعية، وأقامت نظاماً جديداً، يتفق مع «موديل واحد»، شبيه بأنوف النسوة والفتيات، وعقول المحافظين الجدد، وجلاوزة العسكريتاريا الصناعية والدولية، وأنظمة الحكم الدكتاتورية المطيعة، على ما يقوله بيار باولو بازوليني. VI ـ غزة نموذجاً.. ولكن ليست غزة إلا النموذج الدموي للسجن الدولي. غزة معاقبة لانها متهمة. من زمان هي متهمة. تمنوا أن تغرق في البحر. لم تغرق. لذا وجب إغراقها بالحصار. تهمتها انها فلسطينية. اسلامية. ارهابية. هو نظام السجن إذاً... ونحن من رواده، لأننا متهمون. لائحة الاتهام جاهزة. والعقاب، ان لم يكن الاعدام، بواسطة طائرات دون طيار، أو بواسطة الاجتياحات والاحتلالات المقيمة، فهو السجن، داخل جدران. والأنظمة العربية، البارعة في استخدام السجون، لاتهامها شعوبها، بالتخريب (لأنها تفكر) وبالعنف (لأنها تعرف الحقائق) وبالخيانة (لأنها تنشر الحرية)، وبالإرهاب (لأنها تسعى ولو في المنام من أجل فلسطين)، هذه الأنظمة أسيرة السجن الدولي. وهي مقتنعة، كزبون جدّي، بأنها تقوم بواجبها إزاء عقيدة السوق: تدفع الغالي من النفط والمال والمليارات، وترجو الصانع الأميركي، كي يقبلها في آلته السياسية والعسكرية والاقتصادية القابضة على الشعوب وفلسطين. أنظمة «البطر العربي» ترجو أميركا ومن معها وحتى إسرائيل، كي تقبلها وتوظفها في مشروع الانتهاء من فلسطين، مع الاحتفاظ فقط، بورقة التوت العربية/ الدينية، لا أكثر. غير أن الصورة ليست قاتمة جداً. داخل هذا السجن الدولي الكبير، قبضات قوية، طحنت الجدران، أزالت الاحتلال، تبني لثقافة الحرية والحياة، ولهذا، مطلوب قطع لسانها فضائياً، ومنع حضورها، على الرغم من ضآلة عددها. ثقافة المقاومة، ذات الرفعة القليلة في عالمنا، مطلوب إعدامها. يساعدها في ذلك، نظام رسمي عربي، متحالف مع مثقفي الحداثة النيوليبرالية، ووحوش المال والرأسمال، وجلاوزة الطوائف والقبائل والعشائر والأقوام. برغم كل ما ورد أعلاه، لا تزال المقاومة، تشكل المرجعية الواقعية، لإقامة نظام جديد، يعيد إلى الإنسان مكانته وأولويته، بعدما حوّلته الوثنية المعاصرة، إلى عبد يحب عبوديته ويتفانى من أجل من استعبده.([) [ نشرت مجلة Manière de voir، عدد 96 مجموعة من الدراسات والمقالات حول «التماثل». من المفـيد العودة إليها، للتوسع في فهم مآلات الشـعوب وقضاياها، في نظام العولمة الأميركي.