كتاب علي أبو شادي الناقد السينمائي المصري المعروف «خمسون فيلماً من كلاسيكيات السينما المصرية» ليس موسوعة في السينما المصرية ولا تاريخاً. إنه أقرب إلى أن يكون متحفاً لهذه السينما التي تعاني اليوم، باعتراف الجميع، ركوداً وتراجعاً. يأتي كتاب أبو شادي ليقول إنه صار لهذه السينما تاريخ وصارت لها «كلاسيكيات» وربما آن الوقت لتحليلها ورصد بنياتها ومساراتها الأسلوبية والشكلية. ليس كتاب أبو شادي تاريخاً خالصاً ولا نقداً خالصاً ولا تحليلاً خالصاً. وليس خلاصات صحافية ولا أبحاثاً أكاديمية وإنما هو مزيج من كل ذلك. على سبيل التاريخ نعلم أن فيلم «لاشين» الذي أخرجه ألماني هو فرتيز كرامب عام 1938 هو أول فيلم مصري يتم منعه ومصادرته، فقد أحس الرقيب أن الفيلم الذي يتذرع بالتاريخ ويدور في القرن الثامن عشر هو إسقاط للتاريخ الماضي على الحاضر. فالملك المتردد اللاهي الذي يعطي أذناً لهذا وذاك ويعيش في هاجس المؤامرة ليس بعيداً عن الملك المصري، كما أن قصره ومؤامرات الحاشية ومكائدها لا تبعد عما يجري في القصر المصري. كان طلعت حرب بطل الاستقلال الاقتصادي المصري، استقدم كرامب من ألمانيا ليساهم في تأسيس صناعة السينما المصرية، رغم ذلك عانى كرامب ما عانى من غيرة زملائه وافترائهم، الأمر الذي يتدخل أبو شادي لتصحيحه. نعلم من علي أبو شادي أن مصر كانت تحوي عام 1952 مئة وعشرين شركة إنتاجية للسينما وتنتج عام 1957 ما يعادل 55 فيلماً سنوياً. نعلم أن مثقفين كبيرين خاضا غمار السينما بأفلام عُدّ بعضها من الكلاسيكيات: أحمد كامل مرسي وكامل التلمساني والأخير رسام معروف أسس «جماعة الفن والحرية» السيريالية التي أطلقت رمسيس يونان وجورج حنين وجويس منصور والجزار. ويمكن القول إنها الحركة السيريالية العربية الأنضج والأكثر رسوخاً. نعلم السجال الذي دار بين توفيق صالح المخرج الشاب العائد من فرنسا آنذاك والكاتب عبد الحميد جودة السحار الذي اشتكى من جدية صالح وإصراره على حذف كل نكتة في سيناريو السحار بدون الرجوع له. فيما توفيق صالح يريد أن يجرد الفيلم من «افيهات» الكوميديا المصرية التقليدية. أما النتيجة فكانت تحفة سينمائية هي «درب المهابيل». نعلم أن «باب الحديد» الذي صار فيما بعد علامة في السينما المصرية فشل في حينه فشلاً ذريعاً. نعلم أن كمال الشيخ قد حاد عن نصوص نجيب محفوظ ليحولها بالدرجة الأولى إلى نقد مر للثورة المصرية. كل هذا من التاريخ، لكننا مع ذلك لا نجد بالطبع تاريخاً متسلسلاً، بل لا نفهم أحياناً كيف خرج فيلم «العزيمة» الشهير لأحمد سالم وفيلم «باب الحديد» من كلاسيكيات السينما المصرية، رغم أن أبو شادي يذكرهما في أمكنة من الكتاب بما يستحقانه. هل تجنب أبو شادي تخصيصهما لفرط ما كتب عنهما؟ وهل أراد أن يلقي الضوء على أفلام ليس لها شهرتهما كفيلمي «أبو أمين» و«جميلة» ليوسف شاهين صاحب باب الحديد؟ لسنا أمام أرشيف إذن ولا بحث تاريخي. قد يكون من أسباب اختيار الأفلام نفض الغبار عن بعضها (كما جاء في المقدمة)، وتأكيد أهمية البعض الآخر، بيد أننا مع ذلك نسأل عن الرؤيا النقدية التي حكمت الاختيار. يتراءى أن أبو شادي يقصد بكلاسيكيات السينما، السينما التي خرجت من ميلودرامية وفارسية (من الفارس) وأرستقراطية وديكورية واستعراضية ووعظية وسطحية السينما السائدة. إنها السينما التي تقترب أكثر من المصري المتوسط في الريف أو المدينة. من الحياة اليومية للواقع المصري، من الأزمات الاجتماعية والرغبات والاستيهامات والتوترات الفردية، إنها السينما النقدية والجادة وذات المضمون الاجتماعي أو التحليل النفسي. قد تكون الواقعية المفتوحة والتي بلا ضفاف في أساس الرؤيا الأبو شادية. بيد أن أبو شادي في مقدمته يحصي أسماء تجمع بين كرامب وأحمد سالم والتلمساني وشاهين وتوفيق صالح وكمال الشيخ وعاطف سالم، أي بين النقد الاجتماعي والدقة والرقة والسلاسة. ينتهي أبو شادي بعد كل فيلم إلى تحليل أسلوبي للشكل السينمائي. هكذا بين التاريخ والنقد والأرشفة يقع كتاب أبو شادي، كما يقع بين البحث والصحافة، والنتيجة كتاب ممتع وحار ومتنوع وجدي في الوقت نفسه، ليست دراساتنا السينمائية، إلا في النادر، بهذا الغنى والشغف.