كيف يمكن قراءة الخيال الممتد بين برج «خليفة» في دبي، المتشامخ والمحتفي بالأضواء والألعاب النارية، وبين برجي مركز التجارة العالمي في نيوريورك؟ لعلها مفارقة ان يستهل القرن الـ 21 والألفية الأولى للميلاد على انهيار أبراج في قلب عاصمة الحداثة المعاصرة، خصوصاً مع وصف القرن العشرين بأنه أميركي، واندفاع مشروع لقرن أميركي جديد في القرن الـ 21، وأن يستهل العقد الثاني من القرن الـ 21 على برج يتشامخ في بلد عربي وإسلامي، «تصله» خيوط كثيرة مع تلك الطائرات التي صنعت مشهداً سوريالياً يصلح لتأسيس أسطوري في نيويورك وواشنطن في 11/9/2001. لنترك إغواء السهولة في المقارنات الشكلية والمفارقات البصرية. وفي فخ السهولة، من المستطاع الحديث عن تنافر وتضاد، عن صعود وارتفاع يقابلان الهبوط والانهيار، عن عولمة ضربت «هناك»، لكنها لملمت قواها وضربت وتعالت «هنا» في قلب المساحة التي خرج منها إرهابيو المشهد النيويوركي السوريالي. لنتذكر ان برج دبي من صنع تفاعلها القوي، الذي رآه البعض فائضاً، مع العولمة وقواها ومركزها الأميركي أيضاً، ما يجعل البرج رداً أميركياً في قلب الجزيرة العربية على 11/9. ومن المستطاع أيضاً الحديث عن الحضور المباشر للنار في المشهدين، مع تذكّر ان النار والأضواء هي استعارات ذكورية قوية. ويغري ذلك بالقول، من دون كبير تبصّر، ان ذكورية الولايات المتحدة ضربت صورة سطوتها في 11/9، فيما صعدت ذكورة خليجية في دبي. في نَفَسٍ مُشابه، يمكن الحديث عن الغياب المباشر بصرياً لأجساد البشر عن المشهدين، مرّة لأن التلفزة الأميركية استفظعت ان تضيف الى فظاعة الحدث الإرهابي منظر سقوط الأجسام من أبراج نيويورك (ومبنى البنتاغون)، ومرّة لأن التباهي الرمزي باندفاع الألعاب النارية من البرج ملأ مساحة المشهد التلفزيوني خليجياً، في غيبة الأجساد عنه. يمكن كثيراً الاستمرار في تلك المقارنات السهلة. هل من جدوى من تلك الأمور؟ مشهدان لنجرب هجران السهولة. في الخيال المندفع من المشهدين، بدت هيبة السلطة مهتزّة وموضع تساؤل. في نيويورك وواشنطن، كان تحطّم الهيبة مريراً، واستفز عنفها الى حدّ لا يزال يتطاول يومياً على مدار عقد، منتشراً بين أفغانستان والعراق وأخيراً...اليمن. لا تستطيع أي سلطة في أميركا ألا تشعر بالتحدي الذي يفوق التصوّر في ضربتي واشنطن ونيويورك، خصوصاً مع الإحساس العميق الترسخ أميركياً بالأمان خلف جدار المحيطين الأطلسي والهادئ. وفي دبي، بدت السلطة معلّقة رهاناتها على برج خليفة. قيل، بسهولة، ان دبي حاولت ان تدعم صورتها التي هزّتها أزمة الاقتصاد العالمي (هبوط قيمة عقاراتها، خروج الكثيرين منها، عدم قدرة الشركة القريبة من حكومتها على دفع ديونها...)، خصوصاً في العقارات التي ينتمي البرج إليها. ونقل اسمه من «برج دبي» الى «برج خليفة». نقل الاسم بما يكرّس «الاسطورة» الدبيانية التي حلا، ولا زال يحلو، للكثيرين الترويج لها ولتميّزها عن محيطها عربياً وخليجياً، (ولأسباب لا نهاية لكثرتها) الى اسم يحرص على ربط الإنجاز الذي قدّمته دبي بأعلى رنين لفظي (الأعلى، الأكثر كلفة، المنصة الأشد ارتفاعاً...)، مع ما يجعل تلك الإمارة جزءاً من دولة الإمارات العربية المتحدة، ورئيسها الراحل الذي كان، برأي كثيرين، من دعاة الاعتدال في نبرة تميّز دبي عن محيطها. ولا يصعب ربط تلك الأمور بأزمة دبي اقتصادياً. وفي السياق نفسه، اندفاعة مسؤولي دبي، في ظلال البرج المتشامخ، لإزاحة ظلال الأزمة ونفيها بالكلمات التي تؤكد استمرار تلك الاسطورة. في 11/9، رأى المفكر الفرنسي جان بودريار صداماً بين أسطورتين تأسيسيتين: العولمة والأصولية الإسلامية (المرتكزة على استعادة منفلتة ومؤسطرة ومنفكة عن التاريخ للإسلام. وفي كتابه المثير «برج السلطة المحترق» Power Inferno 2002، رأى بودريار ان العولمة جمعت بين يديها قوى هائلة، تفوق ما هو إنساني في المعنى المباشر والمعيش. ووصف الشركات المعولمة العملاقة بأنها الآلهة الحديثة التي لا تطلب من أتباعها سوى التصديق والطاعة، كي تغدق عليهم بعيش أبعد من خيالهم. ولاحظ ان ذلك لم يكن إلا وهماً، وأن حقائق العولمة تتصادم يومياً مع الأساطير التي تروجها آلهة العالم المعولم. وردت الآلهة القديمة بارسال أجساد مصدقيها وأتباعها الى موت لا فكاك منه في الطائرات التي ضربت الأبراج، بحسب بودريار. وفي نفس مُشابه، يمكن القول ان ثمة «التباسا» في أن الآلهة القديمة استخدمت وسائل العولمة في ضرب الآلهة الحديثة، التي ساهمت في تغريبها عن نفسها وجموعها، في ذلك النزاع الذي دار في السماء. واستعملت «القاعدة» طائرات الحداثة، ودرّبت أتباعها عبر برنامج «فلايت سميولايتر» للمحاكاة الافتراضية، الآتي من قلب عولمة ما بعد الحداثة. يبدو تشامخ برج خليفة ونيرانه المحتفية بنفسها، كأنه رد آلهة العولمة الحديثة، الذي يحمل معه «التباساً» لا يخلو من إرادة: الرد في قلب العالم الإسلامي، وبهندسة استقت تراث الإسلام، في محاولة لتجديد الحلم الحديث القائل ان الانخراط في الحداثة هو السبيل للاتصال بالزمن والعالم والذات والآخر. ثمة لاعقلانية عربية هائلة في ضربة الإرهاب في 9/11 (وما تلاه) بحيث فاقت سورياليته الوصف بداية من مشاهد الذبح وقطع الرؤوس والتفخيخ الانتحاري وضرب المؤسسات المدنية وأهلها واستهداف بنى الحضارة المعاصرة ـ وصولاً الى المدارس ـ وفتاوى تغيب عن الحاضر لتغرق في التاريخ وفتنه ومعاركه التي لا ينتهي كرّ خيالاتها واستعاداتها وكل ما يخرج بالبشر عن إيقاع العيش ويدخلهم في غياهب أخيلة عن أزمنة لم تعد موجودة. ولم تسلم معالم الحداثة العربية، على رغم التباساتها، من تلك الضربات، لعل مثله الأبرز جسد المرأة مقتولاً ومصادراً لمصلحة ذكورية أصولية متمادية الانفلات. ثمة حداثة خليجية لا تخلو من التباسات وتناقضات، بحيث يصبح إدراجها في الثنائيات (مثل «حداثة» و«قدامة»، «استنارة» و«تخلف»)، أمراً صعباً. ولقد حضرت نساء عن تلك «الحداثة» العربية في افتتاح البرج. ويمثّل حضورهن التباسات لاعقلانية في تلك «الحداثة» التي لا تحسم أمر اتصالها بالعالم ولا سبيل تواصلها نقدياً (وذلك أساسي) مع ارثها وهويتها. لا فردية عربية فعلياً، ولا حسم حتى في شأن الجماعات التي تتنازع على الأفراد، فيسهل اندفاعهم صوب عصبيات شتى. الارجح انه برج لا يصلح لـ«تقنيع» فشل مشروع الدولة في العالم العربي، ولا لإخفاء الغياب الفعلي للبديل، ولا للتناقضات اللاعقلانية التي لا تكف عن التفجّر في كل لحظة. ويشبه ذلك ان سقوط البرجين وتغوّل السلطة الأميركية بعده، لا يخفيان عــمق التناقضات التي تضرب أســـطورة الآلهـــة الجديــدة، خصوصاً بعد ان مرّت الســنوات ووصــلت الى أزمــة اقتــصاد هائلــة تنجـــح في ربــط المخيلات بــين نيويورك ودبي.