ما الذي يجمع بين الأسواق والجدران والأبراج؟ العولمة. عندما انهار جدار برلين، جرى تصوير الحدث على أنه يرمز لا إلى انهيار المعسكر السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة وحسب وإنما هو الإيذان بانهيار كل أنواع الحواجز بين أجزاء العالم المختلفة. هكذا انطلقت الأسطورة المؤسسة للعولمة تعلن نهاية التاريخ لأن العالم قد توحّد أخيراً في ظل الرأسمالية المنتصرة. قالوا: بات «العالم قرية كونية»، تنعم لا بالسلام وحسب بل وأيضاً بحرية انتقال السلع والبشر والأفكار في ما بينها. الذين لم يصدّقوا حكاية القرية، تذكّروا أن سهولة الاتصال بين أهالي القرية الواحدة لم تكن لتحول مرة دون أن تنهض بينهم الجدران العازلة بين البيوت والحقول أو أن تنشب الخلافات والعداوات والنزاعات وصولاً إلى حد الاقتتال. لم يكن هؤلاء المتشككون يضربون بالرمل. كانوا ينظرون إلى الواقع بدل أن ينظّروا عنه. في عصر الرأسمالية المنتصرة، أعيد الاعتبار للأبراج، تلك العمارات ذات الهياكل الحديدية من مثل برج إيفل الفرنسي وناطحات السحاب الأميركية التي شكّلت التعبير المعماري عن حقبة الرأسمالية الصناعية. في عصر العولمة المستجدة، انتصبت الأبراج الآسيوية الشاهقة تعلن ولوج البشرية عصر رأسمالية الفقاعات المالية الترليونية الدولارات. سرى القانون ذاته على الجدران. سرعان ما تبيّن أن انهيار جدار برلين لم يختتم عصر تشييد الجدران، وإنما افتتح أكبر ورشة لبناء الجدران العازلة بين البلدان والبشر. فالعولمة، بقدر ما وحّدت في الأسواق والاتصالات والإعلام بقدر ما قسّمت البشر ونصبت بينهم الحواجز والجدران. سارت عملية «عولمة الجدران» تحت رايات حماية ذوي الامتيازات من الفقراء والمهمشين والعزل بين «الثقافات» و«الحضارات». في عصرنا الحاضر، تشكّل الجدران الواسطة التي يحمي بها العالم الغني في الشمال نفسه من العالم الفقير في الجنوب والشرق. والأسواق جدران عزل وتمييز بين البشر. كان لا بد من أزمة الأوراق المالية الأخيرة ليدرك كثيرون أن الأسواق المالية، هي أمهات الأسواق حالياً، هي واسطة لنقل المال من الفقراء ومتوسطي الحال إلى جيوب قلة متناقصة من كبار الأغنياء. الأسواق جدران. والحدود صارت جدران. والهويات جدران. والغنى والفقر جدران. كلها أشكال مختلفة من التمييز والتقسيم بين البشر. أعلن انهيار جدار برلين زحف جموع من أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية مدفوعة بأحلام راودت الكثيرين فترة الحرب الباردة. انتصبت في وجهها الجدران العازلة مجدداً. إلا أن زحف الشرق كان أرحم على أوروبا الغربية من غزوة فقراء الجنوب. فمع أن العولمة أدت إلى نقل صناعات أوروبية وأميركية بحالها إلى بلدان العالم الثالث، توخيا القرب من المواد الأولية واستغلال الأيدي العاملة الرخيصة وغير المنظمة، لم يخفف ذلك من البطالة والهجرة في تلك البلدان. بل بالعكس. بدأ هجوم الآسيويين والأفارقة نحو أوروبا. لصد الهجمات، انتصبت الجدران والحواجز تعلن انتهاء ميزة أخرى كان العولميون يتباهون بها: حرية انتقال البشر بين البلدان والقارات. هذه الحرية يبحث عن الجرائم المرتكبة في حقها الآن في المطارات وعلى الحدود وفي المعازل الأوروبية لعزل المتسللين قبل تسفيرهم إلى بلدانهم، ناهيكم عن جثث الأفارقة والآسيويين والعرب تلفظها الأمواج على شواطئ إسبانيا وفرنسا وإيطاليا. اكتفت أوروبا بتشييد الجدران القانونية والأمنية. لصد زحف فقراء الجنوب على جنة «الحلم الأميركي» شيّدت الولايات المتحدة جدارها الحديدي المكهرب على حدودها مع المكسيك. بوشر العمل فيه قبيل سقوط جدار برلين. إلا أنه توسّع واستكمل بعده. طوله 3141 كيلومترا. وقد قُتل عليه إلى الآن خمسة آلاف من المكسيكيين وسائر أبناء أميركا الجنوبية. في كلا الحالين، صارت جدران العولمة شبيهة بالأسوار الشهيرة التي كانت الإمبراطوريات القديمة (الصينية أو الرومانية) ترفعها لصد هجمات «البرابرة» عن مراكز «الحضارة» والازدهار. نالت المنطقة العربية نصيبها من عولمة الجدران هذه. أقدم الجدران العربية الحديثة جدار الفصل المغربي في الصحراء الغربية. وقد استحق لقب «ملك الجدران». إلا أن المنطقة تملك جدار الفصل الوحيد المتحرّك في العالم. يمكن تسمية الجدار الإسرائيلي عند خطوط حرب 1967 «الجدار الأكول»، أو «الجدار السارق». لا يكتفي بالحجز والتمييز العنصري، يضيف إلى هذا وتلك وظيفة الضم، ضم الأراضي والمزروعات. سوف يبلغ طول الجدار الإسرائيلي 703 كيلومترات عند انتهاء العمل به في خلال العام الحالي. ويصعب تقدير مساحة الأراضي الإضافية التي سوف يضمها وقد شيد منه ثلثاه فقط. ولا ننسى الجدران العازلة بين أحياء بغداد والمدن العراقية. إنها تذكّر بالجدران العازلة التي ابتنتها الإدارة البريطانية للفصل بين أحياء الكاثوليك وأحياء البروتستانت في مدينة بلفاست بإيرلندا الشمالية. بها تمارس الإدارة العراقية اللعبة السحرية للاحتلال الأميركي، تخفي بواسطتها العراق العربي تحت «طاقية» الإثنية الكردية والمذهبين الإسلاميين. أخيراً ليس آخراً، ليس صدفة أن يتم بناء الجدار المصري على الحدود مع غزة بواسطة آلات أميركية وحشية استقدمتها شركة مقاولات صاحبها من أبرز «القطط السمان» بشراكة مع شركات فرنسية. إلا أن «جدار مبارك» يستحق تعليقين: الأول، أن في الجدار الجديد من الحديد والتكنولوجيا أقل بكثير مما في غزة من مقاومة وصمود. والثاني، أن قبضة المواطنين الذين جاؤوا من أصقاع الأرض المختلفة لنصرة غزة وخرق الجدار والحصار هم وحدهم أنصار العولمة الفعلية، لأنهم وحدهم يفهمون العولمة تضامناً بين الشعوب ضد الظلم والجدران ومن أجل الحرية والعدالة والمساواة. ما من جدار يستطيع حبس البشر إلى ما لا نهاية. في الانتظار، يقوّضون أجزاء منه. كما فعل شبان فلسطينيون في ذكرى الانتفاضة. أو يتحدى البشر الجدران بالقفز فوقها، كما في تخييل إيليا سليمان البديع في مشهد القفز العالي في فيلمه الأخير. أو هم يسخرون من الجدران ببناء الأنفاق تحتها، بالضد من كل أنواع التكنولوجيا من المجسّات الكهربائية إلى أنابيب الإغراق بالمياه. أو يتحايل الناس على الجدران بتزيينها. يبددون جلافة الإسمنت بزهو الألوان وشفافية الضوء. لم تتقاعس المنطقة عن عولمة الأبراج. قد يكون جدار «مبارك» عازلاً أفقياً وبرج «خليفة» (دبي سابقاً) مسلّة عمودية تسعى لمناطحة حدود السماء. هي العولمة تجمع بين الجدار والبرج. قيل في برج دبي الكثير. لم يقل بما فيه الكفاية إلى أي مدى يشبه «برج بابل». إنه «برج بابل العولمة». لأن «بابل» الأسطورة هي هي العولمة: اختلاط الألسن وانهيار البنيان. [email protected]