منذ مئة عام، بالتحديد في الخامس من شباط العام 1909، أطلق شيخ جليل مجلة اسمها «العرفان». وفي مرحلة لاحقة، أنشأ الشيخ نفسه جريدة أسماها «جبل عامل». الجريدة لم يكتب لها الاستمرار سوى سنة واحدة. أما المجلة، فقد أصبحت منبراً إعلامياً رائداً، وأقفلت صفحاتها في العام 1996، عقب ظروف مادية صعبة. ثمة أجيال، ربما، لا تعرف الشيخ الجليل ذاك. لم تسمع في الجامعات اسم الشيخ أحمد عارف الزين، ولا حتى مجلة «العرفان». وعند الايغال في صوَر الشيخ «الكلامية»، يتفاجأ المرء أنه يسمع عن رجل لبناني، سطّر معاني جديدة للصحافة، منذ مئة عام. الحديث، مساء أمس الأول، في المهرجان التكريمي الذي أقامته جمعية «آل البيت» الخيرية بمناسبة مرور مئة سنة على إصدار مجلة «العرفان» في مجمع «الامام الصادق»، كان لمن عاصروه وعاشوا أيامه الأخيرة. كثر تحدثوا في الحفل الذي حضره راعي المهرجان الشيخ عبد الأمير قبلان والنائب علي بزي ممثلاً رئيس مجلس النواب نبيه بري، والنائب محمد رعد ممثلاً الامين العام «لحزب الله» السيد حسن نصر الله، وشخصيات ثقافية وسياسية وإعلامية متنوعة. كلمات المتحدثين، ستكون كافية للتعريف عن الشيخ الجليل وفكره.. وعن المجلة. بداية، استهل عريف الحفل، الزميل واصف عواضة، الحديث عن فكر الشيخ عارف «النهضوي في زمن كان جبل عامل بأمسّ الحاجة الى النهوض»، واستأذن عواضة من الحضور ليقول لهم: «يهمني أن أتحدث قليلاً عن الصحافي الشيخ أحمد عارف الزين، فقد عرفت أنه عمل في التجارة ومني بخسارة كبيرة. حينها تأكدت أنه صحافي، لأنه قلما اجتمعت الصحافة مع مهنة أخرى». وأولى الكلمات كانت لجمعية «آل البيت» التي ألقاها رئيس الجمعية حامد الخفاف، تحدث فيها عن الأوضاع التي تمر فيها الدول العربية و الاسلامية، معرجاً على سؤال: «ماذا عن مجلة العرفان وصاحبها؟ ماذا قالت وماذا قال؟». «لقد رأى الشيخ الزين أن المعرفة والعلم هما الطريق لبلوغ الغاية في التقدم والرقي، فدعا الى تأسيس المدارس، وإلزامية التعليم، واتباع المناهج التربوية الحديثة، وضرورة تدريس العلوم الدينية والطبيعية والآلية، وفتح المكتبات العامة، وطباعة الكتب العلمية ونشرها، وتعميم الصحافة الشعبية» قال خفاف. كما لفت الى أن «المرأة التي أرادها الشيخ الزين عالمة وطبيبة وشاعرة تتحلى بالأخلاق الفاضلة، وتمارس حقوقها الشرعية والطبيعية. لكن، هنا فينا - و للأسف - من يناقش حقها في قيادة السيارة، وحقها في التصويت، فضلاً عن الترشح في الاستحقاقات الانتخابية». من جهته، بدأ النائب السابق غسان مطر كلمة «اتحاد الكتّاب اللبنانيين» بعبارات وجدانية تذكرت الجنوب، قائلاً: «جنوباً يرحل القلب، كلما حن الى روعة الكلام، وجنوباً يشتاق ويهفو، وكأن الجنوب امرأة تغري بتفاحها المقدس»، وسأل مطر: «هل نحن هنا محتشدون لنتذكر ما به نعتز ونباهي، أم نحن في مأتم أحلامنا الكبيرة؟». بدوره، تحدث رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور زهير شكر عن أهمية تكريم الشيخ عارف الزين وأمثاله، قائلاً: «ان شعباً لا يستذكر عظماءه، ينسى تاريخه. ومن لا تاريخ له، لا مستقبل له». ولفت الى أن «حرباً تشن علينا بذريعة أننا شعب مقاوم متشبث بحق الدفاع عن نفسه، ملاذنا الآمن في المواجهة الفكرية والوجودية، هو ما لنا في تراثنا من رجال عظام.. من أفكارهم وسيرهم نستمد منعتنا». واستذكر الدكتور محمد المجذوب الأيام التي كانت تحضن الشيخ الزين، فقال إن «ظهور مجلة العرفان في بداية كل شهر كان يوم عيد وحركة وفرح في صيدا. ولأن التوزيع كان يتم آنذاك باليد، لا بالبريد، فقد كنا، نحن الفتيان، نتساءل دوماً عن سر التهافت على أبواب المطبعة في مطلع كل شهر. وكنا نسمع اجابة واحدة: لقد صدرت مجلة العرفان». وأشار المجذوب، الذي كان منزل جده مجاوراً لمنزل الشيخ، عن خصال الشيخ الزين وفضائله، لافتاً الى أن «الشيخ الزين لا يعرف الحلول الوسط في القضايا الوطنية والقومية، ولا يتقن كغيره فن التزلف والتملق للمستعمرين، وبسبب هذا العنفوان حكم عليه عام 1913 بالسجن لتهجمه على السلطة الطاغية و جمعية «الاتحاد والترقي» العنصرية. وسيق الى السجن، مرة أخرى، في العام 1915، بتهمة تأليف جمعية سرية(جمعية فتاة العروبة)». مزايا الشيخ الزين، وسماته الحميدة، تحدث عنها بلال شرارة بكلمة للحركة الثقافية في لبنان. أما الشيخ أكرم بركات فألقى كلمة جمعية «المعارف الاسلامية» عن ظروف وعوامل نشأة المجلة من جهة، والبيئة السياسية التي رافقت الشيخ الزين ونضاله. وأضاف: «لكن الباحث يتفاجأ، فصاحب العرفان في سن السادسة والعشرين قام منفرداً بنفسه، معتمداً على طموحه وشغفه بحب المعالي بإصدار مجلته، ولم يكن في سعة من المال. بل كان، بتعبير الواقف على أسرار حياته الشيخ سليمان ضاهر، مديوناً. لا لأجل الإنفاق على أسرته، بل على المجلة نفسها!». في موازاة هذه الكلمات، أراد الدكتور أنطوان سيف أن يذكر الحضور، بكلمته عن الحركة الثقافية - انطلياس، برائد آخر. اذ لفت الى أن «الشاب العاملي، عندما جلخ إرادته لركوب مغامرة الصحافة، كان يعي أنه يلحق متأخراً نصف قرن بالتمام عن رعيل من الرواد». سيف يقصد خليل الخوري، الذي «كان في الثانية والعشرين من عمره عندما أسس «حديقة الأخبار» عام 1859، أول جريدة عربية غير رسمية أرست بانطلاقتها هذه غير المسبوقة بالمسلك اللاحق لعديدها». وأضاف: «مئة سنة على «العرفان»، ومئة وخمسون على «حديقة الأخبار». وبين اللحظتين، كما أشار سيف، خليط متداخل وهادر، من «كبوات وإنجازات أرست العديد من وجوه الثقافة العربية الجديدة، حيث المطبوع، السريع التداول، المكتنز حروفاً داكنة على أوراق متشبهة بالبياض. لقد انخرط اليافع المتوثب الشيخ الزين في يم الدربة». عن فكرة المجلة، تحدث الدكتور ابراهيم بيضون - كلمة كتّاب العرفان - مشيراً الى أن «ذلك الفتى القادم من شحور الى النبطية، فصيدا، لم تراوده مصادفة فكرة المجلة. بل كانت هذه وليدة أحداث مدوية، رهص بها المشرق العربي من باب السلطنة المفتوح على القهر». وبعد عام على المعاناة والظروف القاسية التي واجهت جبل عامل، «صدرت «العرفان» اقتصادية مع النبرة القومية الصاعدة. وقدمت نفسها منبر قضية، من دون أن تغرق في الجدال السياسي العقيم» قال بيضون. أضاف: «كانت «العرفان» وفية للمبادئ التي صدّرت عددها الأول، ومن ذلك تشجيع المواهب الناشئة، واحتضان البراعم التي أزهرت على صفحاتها. ولقد كنت بين تلك البراعم. ولقيت، على صغر سني، رعاية من الشيخ الذي سعدت بلقاء وحيد معه». ختاماً، كانت كلمة لراعي الحفل، نائب رئيس المجلس الاسلامي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان الذي دعا، عقب حديثه عن ميزات الشيخ الزين وحياته وأهميته «أن نتذكر الرجال الرجال»، وزارة الثقافة أن تدعم مشروع «العرفان» و«أن تحيي ذكرى الشيخ أحمد عارف الزين، لأنه من أعلام لبنان. بل من أعلام العرب. كان ولا يزال، قريباً من الناس.. بعيداً عن الطائفية». ولفت السيد فؤاد الزين لـ«السفير»، وهو حفيد الشيخ أحمد عارف الزين، الى أن المجلة توقفت عن الصدور في العام 1996 «بعد ظروف مادية صعبة، خصوصاً أن المجلة كانت مستقلة وتعتمد الربح من المشتركين»، وأشار الزين الى أن المجلة، وبعدما توفي الشيخ الزين انتقلت إدارتها الى نجله نزار من العام 1960 حتى العام 1981، و«في العام 1982 واكبت المجلة حتى اضطررنا الى إغلاقها». وعن إمكانية إعادة إصدارها، أجاب الزين: «نعم، لكن اذا تأمنت الظروف المادية المناسبة، اذ اننا مجلة مستقلة. هكذا كان شعارها، وهكذا سيبقى». تجدر الاشـــارة الى أن التكـــريم الذي أقيم أمس الأول، سبقه تكريم آخر عام 1987 بمناســبة «اليوبيل الألماسي»، أي احتفاءً بمرور 75 عاماً على إصدار المجلة، وكان برعايــة الرئيس سليم الحص، وبدعوة من «المبدعين اللبنانيين».