كتبت عناية جابر: في الاسماعيلية، وفي 19 شباط 1921 ولدت راقصة العرب الاولى، والتي بقيت بلا منافس، حتى من غزالة الرقص الراحلة سامية جمال. نقطة توازن جسد تحية كاريوكا، في التماعة عينيها. ضوء ينهمر كالشلال على الجسد اللدن والأطراف الذكية والبطن السخي. كاريوكا التي رحلت امس عملت وحدها على إخراج الرقص الشرقي من مفهومه الحريمي، الى لغة حرية الجسد. بصمات دامغة تركتها على فن الرقص الشرقي والسينما والمسرح في مصر. فما حكم رقصها، مشاعر داخلية وأحاسيس، كانت ترسلها على الجسد البديع، فيهتز اهتزازاته الانيقة، ويشع متعة بصرية وتشكيلا يرقى الى الكمال. ستون عاما، من الفن الجميل، احتشدت بالشهرة والأضواء والازواج والسياسة وخلا من الحب. اول لطمة على وجهها تلقتها من أحد أبناء أخيها عندما رقصت على دقات طبال الراقصة سعاد محاسن، ليبدأ إثرها هروبها الكبير حيث عملت مع بديعة مصابني بعد أن غيرت اسمها من بدوية الى تحية. لقب »كاريوكا« نسبة الى رقصة السامبا البرازيلية التي أجادتها في بدايتها في الثلاثينيات. لائحة أزواجها كبيرة: بدأتها مع رشدي اباظة وأنهتها بفايز حلاوة. غير ان حقائق تسمي انطوان عيسى ومحمد سلطان وضابط أميركي يدعى جيلبرت ليفي وفطين عبد الوهاب وعبد المنعم الخادم ثم د. حسن حسني والمطرب محرم فؤاد واحمد سالم ويوسف رشاد والطيار حسين عاطف واحمد ذو الفقار صبري »لم أحب أحدا من أزواجي كانت تقول تحية حتى رشدي أباظة نفسه، كلهم رجال في حياتي وليسوا عشاقا، والرجل الغامض أفضل الرجال عند المرأة«. عملت في السياسة كألد محترفيها وكانت تفاخر بأنها ثورية من أبناء القناة، وبأن عمها شنقه الانكليز، وعلاقتها بالعمل الوطني وطيدة ربطتها ب»حدتو« أكبر التنظيمات الشيوعية المصرية، ذات حضور لا يخضع لميزان ومقياس كأنها تفاحة آدم.. شاركت في حرب التحرير ضد الانكليز. ناصرية حين أخذها هوى ثورة »يوليو«، لتغذو من أعداء الناصرية حين تراءى لها، ان الثورة انحرفت عن مسارها لتنجب »فواريق« بعد ان أطاحت بالملك فاروق. غير انها بقية محبة لعبد الناصر. لعبت دورا بارزا في إنقاذ السادات ايام كان ضابطا من »الضباط الاحرار« عبرت به بجوار ثكنة انكليزية الى منزل شقيقتها حيث وجدت آمنة. ألقي القبض عليها بتهمة الانتساب الى الحزب الشيوعي العام 1953. ناصبت السلطة الناصرية عداء من نار وبارود، اثر القبض عليها. الا انها لم تلبث ان ساوت بين الناصرية والشيوعية، حين ذمت الاخيرة في واحدة من مسرحياتها الاشهر: »يحيا الوفد«. مشاكسة وعنيدة، ولها مواقف حادة. أنهت خلافاتها بيدها. صفعت ولكمت وعضت. لم يثنها شيء عن غاية. ولكنها بدت حزينة في جسد هو غير جسدها في طلاتها الاخيرة. سمنة بادية ولهاث يعبر عن وطأة هذه السمنة. ذلك ان تحية لم تعد ذلك الأفعوان السحري الاسطوري الذي ينتفض جسده من مجرد النظر. عضو في مجموعة »حبايب«، منها رفيقة صباها وموضع سرها شادية التي رافقتها ربع قرن، كذلك نادية لطفي وقليلات غيرهن. بين مسرح وسينما وتلفزيون رسمت تحية حياة حافلة بالصور والشخصيات والمشاهد، مع 116 فيلما سينمائيا ومسرحا سياسيا قال كلاما جريئا. أبرز مسرحياتها: »البغل في الابريق«، »الثعلب مات«، »كذابين الزفة« وأجمل أدورها في السينما »شباب امرأة«، أما دورها في »خللي بالك من زوزو« فهو إعلان تقاعد من فنها الذي آثرته على الرجال، حين قيضت لسعاد حسني لعب دور خليفتها. ظهرت كهلة منهكة وسط شباب جامعي، ونافرة أمام ابنتها في الفيلم، لحظة حازت تاج الفتاة المثالية. يشير ادوار سعيد في مقالة كتبها عنها الى ان من يراها فنانة فقط، يخطئ تماما. فهي كون في امرأة. وهي امرأة كونية بحثت غالبا عن صورة المرأة غير التقليدية في حضورها. أستاذها الاول سليمان نجيب. شجعها على تعلم الانكليزية والفرنسية ودراسة الباليه والغناء ايضا (غنت في فيلم »لعبة الست« سنة 1946 أغنية »يا خارجة من باب الحمام« للملحن محمود الشريف). تنقلت كالملكات، ورقصت كما يجدر بجسد الانثى الرقصي، وعاشت حياة مديدة أنهتها بأداء العمرة العام 1996، وهي جالسة على كرسي متحرك.