As Safir Logo
المصدر:

القبائـل... وجـه آخـر للحـرب اليمنيـة... وخطـر تأجيجهـا

رجال قبائل يمنيون يؤدون رقصة شعبية خلال تجمع قبلي في بلدة الريدة شمالي غربي اليمن (رويترز)
المؤلف: عليان حمزة التاريخ: 2009-12-10 رقم العدد:11467

بعض المحللين يذهبون للقول إن الحرب في صعدة تحمل في طياتها حرباً قبلية بين «حاشد» و«بكيل» على خلفية الصراع القائم بينهما. ويرى البعض الآخر أن الاستعانة ببعض القبائل وتجنيد أفرادها من قبل السلطة في الحرب ضد الحوثيين، لن يكون في مصلحة النظام نظراً لتغيير التحالفات القبلية وانقلابها على السلطة وهو ما سيفرض على الدولة تقديم تنازلات من شأنها إضعاف مركزها وهيبتها. تتطلّب الحرب الدائرة في اليمن وفي مرحلتها الأخيرة الدموية، النظر في البعد القبلي من أجل الإحاطة بالخلفية التاريخية ومحاولة فهم ما يحدث الآن من مواجهات. قبل شهر تقريباً، عقدت في الجامعة الأردنية في عمان ندوة تناولت دور القبيلة في الأردن والشرق الأوسط، أجمع فيها المشاركون على أن القبيلة ما تزال مؤسسة رئيسية في النظم الاجتماعية ولها دور تاريخي في صناعة القرار السياسي. وفي المؤتمر قدم الباحث اليمني عادل الشرجبي ورقة تحدث فيها عن تجربة القبيلة في بلاده والتي شهدت حالة من التجاذب بين القبائل والدولة والإسلام السياسي وهو ما يؤثر سلباً وبشكل مفرط على المواطن اليمني. واعتبر أن الدور السياسي محصور على مستوى القبائل بشيخ العشيرة وإن الإخوان المسلمين أرادوا أن تكون لهم قوة من خلال القبائل ولكي يصلوا إلى مناطق «الزيديين» لاختراقها، وكانت السلطة في المقابل تعمل على الوصول إلى «الإخوان» عن طريق القبائل بهدف السيطرة عليهم.. التأثير السياسي في النظام القبلي يعود في جانب منه إلى ظهور المشايخ على مسرح الحياة السياسية وامتلاكها لأسلحتها التي واجهت بها الدولة ومن ثم سيطرة القبيلة على المؤسسة العسكرية .. وبلغة الأرقام ووفقاً لدراسة «النخبة السياسية الحاكمة في اليمن» للباحثة بلقيس أبوأصبع تشكل نسبة 526. في المئة إجمالي الانتماءات القبلية في الجيش و 262. في المئة من «سلك القضاء» و105. في المئة فئة «السادة». القبائل الرئيسية هي «حاشد» و«بكيل» و«حمير» و«كندة» و«مذجح». ويعتقد ان «الزيديين» يمثلون ثلث الشعب اليمني أما الأغلبية فمن السنة الشافعيين. وتنتمي قبيلة «بكيل» للمذهب الزيدي الذي حكم اليمن قرابة 1064 عاماً من العام 898 ولغاية 1962 وتنتشر في الشمال حتى محافظة صعدة. أما الحوثيون فهم الوجه السياسي للزيديين الذين ظهروا في السنوات الأخيرة مطالبين بإنصافهم والاستفادة من خدمات الدولة. تعتبر قبيلتي حاشد وبكيل من القبائل الكبرى في اليمن أما مذجح فتتمركز في الشرق والزرانيق في تهامة. وبالرغم من تفوق قبائل بكيل من حيث العدد، تبقى حاشد التي ينتمي إليها الرئيس علي عبدالله صالح، صاحبة النفوذ الأكبر ومنها حزب التجمع اليمني للإصلاح بزعامة عبدالله الأحمر شيخ قبائل حاشد الذي توفى قبل سنتين وخلفه إبنه في الزعامة.. وتعتبر قبيلة مذحج ايضا من اكبر القبائل اليمنية وتنتشر في المنطقة الوسطى وفي أنحاء اليمن وتتفرع الى عدد كبير من القبائل الصغيرة وتعيش كقبائل زراعية مستقرة ورعوية في قرى منتظمة ومتطورة الى حد كبير. أما قبيلة حاشد فتعتبر أقل القبائل الثلاثة حجماً وعدداً ولكنها تتحرك كقبيلة قوية وتعيش في الشمال ويتزعمها الشيخ عبدالله الاحمر وتعتبر من القبائل ذات التأثير السياسي والنفوذ الاقتصادي الكبير في بورصة المال والسياسة. وتعتبر قبيلة بكيل اكبر من حاشد وأصغر من قبيلة مذحج ومنتشرة ومتفرعة في المنطقة الجنوبية بجانب قبيلة اليعافرا وفي جزء من الشمال وهي قبائل محاربة قوية تعيش في مناطق جبلية صعبة، ولذلك فان افرادها يغلب عليهم طابع العنف والصلابة بالرغم من التطور الكبير الذي تتسم به حياتهم الآن. وبالرغم من انه ليست هناك احصاءات دقيقة الا ان قبيلتي حاشد وبكيل تمثلان وفقا للتقديرات، ثلث سكان اليمن الشمالي سابقاً. لذلك كان جيش الامام يحيى يضم عناصر من هاتين القبيلتين واطلق الامام على القبيليتن في وقت من الاوقات «جناحي الامامة» وحتى بعد قيام الثورة فان الجيش الشعبي والميليشيات العسكرية ضمت في غالبيتها ابناء القبيلتين. وانتقلت هذه العدوى حتى بعد حرب العام 1994. وفي السنوات العشر الماضية، تحولت مناطق الشمال إلى ما يشبه الكر والفر بين القبائل والدولة بعد أن أقدمت على عمليات خطف الرهائن ومساومة السلطة للحصول على المغانم، كالوظائف والحراسة والقيادة في شركات النفط. واستطاعت القبائل كسر سلطة الدولة في أكثر من موقع ومناسبة فقد نجحت في اغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي في العام 1977 بعد أن حاول تهميشها ولجأ لسلاح الطيران لإخماد تمردها، لكنه ذهبت ضحيتها. تشكل القبائل نحو 85 في المئة من عدد السكان البالغ نحو 23 مليون نسمة ولدى بعضها العديد من الأسلحة بخلاف البندقية التي يحرص على اقتنائها الجميع، حيث هناك قبائل تمتلك مدافع ورشاشات وقنابل وقذائف «أر بي جي»، فالسلاح يعتبر رمزاً للرجولة والشرف ولم يسبق لأي حكومة أو نظام أن أقدم على نزع سلاح القبائل، فيما تشير التقديرات إلى أن عدد الأسلحة في أيدي اليمنيين يتجاوز 50 مليون قطعة سلاح.. العلاقة بين السلطة والقبائل لم تكن تسير على خط مستقيم مع الرؤساء المتعاقبين على الحكم منذ الستينيات وإن عرف عن الرئيس علي عبدالله صالح احتضانه وتحالفه مع عدد من القبائل وعزل أخرى وقد أولى هذا الجانب اهتماما خاصا حيث أنشأ مصلحة شؤون القبائل بهدف تنظيم العلاقة بينها وتقوم هذه المصلحة بصرف مخصصات مالية لعدد من المشايخ وهو راتب شهري يتقاضاه من الدولة. كل أبناء اليمن ينتمون إلى قبائل بمن فيهم الرؤساء والنظام القبلي يفرض ولاية الانتماء لشيخ القبيلة ومن الصعب تجاوزها أو القفز عنها، فالأعراف والتقاليد والخصومة تعود إلى النظام القبلي بالدرجة الأولى لكن الدور السياسي للقبيلة لم يكن بسبب قوتها، بقدر ما يعود إلى ضعف الدولة. الباحث اليمني فضل علي أحمد أبوغانم درس العلاقة بين النظام القبلي والدولة وتوصل إلى أن مفهوم الدولة اليمنية إرتبط أولاً بمنطق القوة والغلبة، ثم بمفهوم الخلافة في الإسلام، ثم بمفهوم الإمامة في عهد دولة الأئمة الزيديين، ثم تحولت إلى دولة جمهورية مستقلة. خلاصة الفكرة أن الصراع الدموي الذي تشهده اليمن سيترك انعكاساته مستقبلاً على تحالفات القبائل بين بعضها البعض وعلى السلطة في ما بعد، تبعاً للتسوية التي سيسفر عنها الحل، سواء تم وفق الأعراف القبلية أم وفق النزاعات التي تقع بين السلطة الحاكمة وبين قوى مناهضة لها.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة