رحلة طويلة قطعها النادي الثقافي العربي، تستحق وقفة تأمل. رحلة طويلة، نبدأ الكلام عنها منذ لحظة التأسيس، الملتفت في بداياته إلى ضرورة إقامة «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» سنة 1956، بما حملته تلك السنة من أحداث عظام تركت آثاراً لا تنسى في تاريخنا العربي المعاصر. كان عام الانتصار في معركة السويس، وصعود جمال عبد الناصر ومعه وحوله تيار قومي عربي. في مناخ كهذا، قام معرض الكتاب (1) في «الوست هول» بالجامعة الأميركية. كان على رأس النادي آنذاك د. برهان دجاني، وفي ظل رئاسته تحول النادي إلى خلية نحل، عملت على النشاطات الثقافية، المتصفة بالحيوية والأفكار، والمشاريع. فكرة المعرض كانت أولوية في تلك الأفكار، ومنها نشأ، مرافقاً بشباب النادي الذين غدا عمر المعرض الآن الجزء الكبير من أعمارهم، المعرض استمد ديناميكيته التي أصبحت ذاتية خاصة، من الحركة العامة للثقافة التي سادت آنذاك، وصمدت دورة بعد دورة، وعاماً بعد عام. «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، من كونه شكّل ظاهرة في بداياته، لقّبه المعنيون بالمعارض العربية، من رؤساء معارض، واتحادات الناشرين وأصحاب دور النشر العربية: «عميداً للمعارض العربية» من نجاحه، وأدائه الجيّد واستمراريته. عمر فاضل، رئيس النادي الثقافي العربي، يذكر في المعرض رقم( 1) ان المشاركين من الناشرين كانوا قلة تُعد على الأصابع. البداية كانت خجولة ولكن الفكرة مبتكرة ما استدعى اهتمام العشرات من أعضاء النادي الثقافي العربي، وجلهم حينها من طلبة ومتخرجي الجامعة الأميركية والمعاهد اللبنانية الأخرى. فكرته، توطيد العلاقة بين القارئ والكتاب، وعرضه بما يفيد الناشر والمؤلف، والعامل في طباعته وكذلك الفنان العامل على إخراجه، وفي تحقق هذه الأمور مجتمعة، يبدأ المدخل الجيد لخدمة الثقافة على مدى طويل ورحب. في نشأة المعرض وتطوره، أنه أقيم بداية، على ما ذكرنا في الثالث والعشرين من نيسان عام 1956، في قاعة وست هول في الجامعة الأميركية في بيروت، واستمر لثلاثة أيام، وكان الهدف الأساسي من قيامه، تعريف الزوار والوافدين إليه الى القيّم من المنشورات العربية في مختلف فروع المعرفة. تم المعرض حينها تحت إشراف لجنة مختصة من أعضاء النادي، دعيت لجنة المعرض، وكان العمل يتم بشكل تطوعي رغبة في تحقيق أهداف النادي في تقريب المعرفة والثقافة الى الجمهور العربي، وصولا إلى رفع الشأن الثقافي العام. وكانت النتائج التي حققها المعرض الأول، دافعاً لأعضاء النادي للمضي قدماً في إقامة المعرض سنوياً، وبصورة دائمة، ليغدو مع الزمن، أحد الركائز والمعالم الثقافية لمدينة بيروت. ومن هذا المنطلق أقيمت المعارض في السنوات التالية في قاعة الوست هول ذاتها، الأمر الذي جعل المعرض يكتسي أهمية قصوى لدى المثقفين والمهتمين والرأي العام، فتكاثرت طلبات الاشتراك من قبل دور النشر العربية واللبنانية والدولية، ومن الدول ودور الصحف اللبنانية، حتى لم تعد قاعة الوست هول قادرة على استيعاب هذا الكم من دور النشر، فانتقل المعرض إلى قصر الأونيسكو، حيث ساعدت المساحة الواسعة على تلبية طلبات الاشتراك، وكان ذلك ابتداء من عام 1966 أي منذ المعرض الثاني عشر، ولكن بسبب الأشغال التي بدأت تجري في قصر الأونيسكو، انتقل المعرض بصورة مؤقتة إلى جامعة بيروت العربية بين الأعوام 1968 ـ 1970. ثم عاد إلى قصر الأونيسكو مرة ثانية بعد إنجاز كافة الترميمات، وبعد ذلك استقر المعرض ولمدة طويلة في القاعة الزجاجية التابعة لوزارة السياحة في أول شارع الحمراء، أي منذ المعرض التاسع عشر وحتى المعرض الأربعين الذي أقيم عام 1995. مع الوقت، اتسع نطاق نشاط النادي، واستقطب مزيداً من الأصدقاء والناشطين في الحقل الثقافي، فنما جمهوره بصورة متزايدة مكرساً كأول نادٍ ثقافي يتميز بالنشاط والمستوى المتقدم. وبما ان أهدافه تعميم الثقافة وتعزيز حضورها (الشعبي والنخبوي) وجعلها بعض أبرز هموم المواطن العربي واللبناني، تحرره من الجهل والخرافات والأساطير والاتجاهات الانتهازية والانتقائية التي تعتبر مشكلتها الجوهرية. الشرائح الشعبية على وجه الخصوص، ذات الامكانيات المادية المتواضعة، جُعلت هدفاً من قبل النادي، فأقاموا لها أنشطة ذات طابع سياحي كمهرجان الزهور في بكفيا مثلا، ومهرجان الكرمة في زحلة في ذلك الوقت، ومن هذه الأنشطة وشبيهاتها ولدت فكرة انشاء أو إقامة معرض الكتاب العربي. نشؤ المعرض سنة 1956، واجهته صعوبات جمّة، لا من الناحية الأمنية فقط، وإنما من الناحية المادية أيضا. صعوبات واجهت تنظيمه أيضا كما جاء في المؤتمر الصحافي المنعقد بتاريخ 29 تشرين الثاني من عام 1983 على لسان النائب محمد قباني حينها: «ان إقامة معرض الكتاب العربي في موعده هذا العام غير ممكن، ومُعجز، لكن قدر لبنان ان يبقى رافعاً راية الكلمة حتى في أصعب ظروفه، وقدر بيروت أن تكون عاصمة الكتاب العربي، حتى عندما يتوقف التجوال فيها ليلا، ويتعذر السير فيها نهارا، بسبب إغلاق كثير من شوارعها، وتوقف الكهرباء عن معارضها ومكاتب كتابها وناشريها. الكاتب قاوم، والصحافي قاوم، والناشر قاوم والمطبعة قاومت، وكان قرار النادي الثقافي العربي، الالتزام بالموعد السنوي للمعرض كمصدر بهجة في وقت عزّت فيه البهجة. صعوبات في الأوقات الصعبة (وأغلب الأوقات اللبنانية صعبة) كان المعرض يُنظم في فترات زمنية قياسية (أي خلال أسبوعين) حيث يجري العمل ليلاً نهاراً للاتصال بدور النشر، والسعي لتوفير كافة الالتزامات والأعمال الواجب القيام بها من نجارة وحدادة وكهرباء وأعمال هندسية لبناء قاعات مؤقتة أملتها الحالة الأمنية. قاعات من الخشب كانت تتعرض للأمطار، وقاعات يقتطع منها حيّز إداري فيخسر المعرض من مساحة المعرض الاجمالية، بالإضافة إلى الحالة الأمنية التي كانت شديدة الخطورة كأحداث: 1975 ـ 76 ـ 83 ـ 89 ـ 90 التي أفضت خطورتها إلى استحالة إقامة المعرض، فكانت إقامته تُقسم على جزءين كما حصل في المعرضين الثالث والثلاثين والرابع والثلاثين اللذين أقيما معاً عام 1990 في كانون الثاني وكانون الأول منه. تعرض النادي إلى ذلك، لضغوط لتغيير اسم المعرض، بحيث يطلق عليه مثلا معرض الكتاب اللبناني، إلا أن هذه الضغوط لم تؤد مقاصدها، ولم تحرّف المعرض عن مقاصده، فهو معرض للكتاب العربي، في كل الوطن العربي، وبالدرجة الاولى للمشاركين في اللغة العربية. سنة 1996 انتقل المعرض الأربعون الى ساحة الشهداء، سعياً وراء مساحة اوسع وأكبر. ثم انتقل بعد ذلك الى قاعة «اكسبو بيروت» في منطقة عين المريسة. واستمر من عام 1997 حتى عام 2003 أي من المعرض الحادي والأربعين الى السابع والأربعين. الى ان استقر أخيراً وابتداءً من عام 2004 ولغاية هذه السنة، في قاعات المعارض في بيال. عودة الى تأسيس المعرض، حيث التزم النادي نهج وضع حفل الافتتاح تحت رعاية شخصيات ذات حضور أدبي او ثقافي، فكان افتتاح المعرض الاول تحت رعاية المفكّر والمؤرخ قسطنين زريق، ثم تعاقبت الأسماء الأدبية الكبيرة في افتتاحاته، مثل الأديب ميخائيل نعيمة... الى الأسماء السياسية كرشيد كرامي وفؤاد بطرس ووزير التربية آنذاك غالب شاهين، حتى نهج النادي في حفلات الافتتاح، الى رعاية رؤساء مجلس الوزراء بالتتابع. وهم تعاقبوا على افتتاحه، باستثناء بعض الحالات النادرة التي كانت عليها الظروف الأمنية في غاية الصعوبة. المعرض وسيلة ـ في كلمة برهان الدجاني في افتتاح معرض الكتاب العربي الثاني عام 1957 ـ تحفظ للتأليف وقاره، وتقر له تقليده، لكنها تسعى الى التعريف به لا الى الدعاية له. المعارض تعطي صورة عن مدى التقدم الفكري العربي، ولعل التقدم الفكري في حد ذاته أهم معيار للتقدم العام لدى الأمة. أنطوان سيف رأى أن «سر» تألق النادي الثقافي العربي وديمومته تكمن خصوصاً في تأمينه شروطاً عدة، ذاتية، وتتعلق بوعي اعضائه ومسؤوليه بدور جمعيتهم وغاياتهم، وحكمتهم في إدارتها وتفعيل أدائها وحماية استقلالها (مالياً وسياسياً) وموضوعية. وتختصرها جدلية الانتماءين: الاقرب (الى بيئته البيروتية الجغرافية الإنسانية القريبة وقيمها) والأوسع (الى العروبة، مع انفتاحه على معارف وقيم جديدة). فبالنسبة للأندية الثقافية: الانتماء الاقرب وحده يؤدي الى الانغلاق الفئوي والتبعية: والانتماء الأوسع وحده يؤدي الى الاقتلاع والغربة و«الفندقية». المعرض في دورته الـ49، اهدي لروح الشهيد الرئيس رفيق الحريري وذلك تكريماً لذكراه، فقد كان الشهيد رفيقاً وفياً للمعرض وداعماً له وفاء منه لكل المبادرات الثقافية التي يعتز بها لبنان والتي تكرس دور العاصمة اللبنانية كمنارة للثقافة العربية المعاصرة. في إحصاءات سريعة عن المعرض إثر تطوّره، وزيادة كمية الكتب المعروضة وتنوعها، عمدت الادارة الى نشرة تصدر كل ثلاثة أيام (من أيام المعرض) تحصي عدد الكتب المبيعة وحصة كل دار منها، استناداً الى ايصالات الكتب المشتراة خلال هذه الفترة والمسلمة الى مندوبي النادي الثقافي العربي حين مغادرة قاعات المعرض. وكانت الكتب تصنّف في بادئ الامر حسب اسعارها بصرف النظر عن مضمونها، الى ان تقدمت العملية الاحصائية فاتبعت ترتيب «ديوي» فكانت النشرة المشار إليها تصدر بأكثر المضامين مبيعاً، وحجم مبيعات كل دار نشر، وهذه الإحصائيات سهلت لوسائل الإعلام تغطية وقائع المعرض، فكانت توالي نشر نتائج الإحصائيات يومياً على صفحاتها. حتى اوائل الثمانينيات كانت هذه الإحصاءات تتم بطريقة يدوية، وابتداءً من عام 1990 اصبح اللجوء الى الكمبيوتر مسألة ضرورية لطبع هذه الإحصاءات والاحتفاظ بها كوثائق تاريخية. جنود للمعرض جنوده الفاعلون في مسيرته، منهم منير منيمنة وكان نجم المعرض الاول عام 1956، وجورج مدلل إداري طويل النفس، وعدنان حمود الذي غدا مديراً للنادي عام 1993، وحامل همومه الادارية، والتنفيذية. ايضا للفنان التشكيلي حلمي التوني دوره اثناء اقامته في بيروت (شارك في الهيئة الادارية) وصبايا المعرض الثلاث: جميلة زبيب وجميلة مكي وأمل اليسير في أدوارهن الصامدة والبناءة. لا مجال لنشر اسماء الدول العربية الكثيرة التي تشارك في المعرض، كما لا يتسع الحيّز لأسماء دور النشر اللبنانية والعربية التي شاركت وتشارك في المعرض حتى اللحظة. تبدو عملية استشراف فاعليات معرض الكتاب العربي لهذه السنة، سهلة وصعبة في آن. سهلة لأن التحضيرات اللوجستية والعملانية للمعرض، بدأت منذ مدة على الصعيد الداخلي في النادي الثقافي العربي المنظم، السنوي لمعرض الكتاب، في تأكيدهم على سمته الواضحة والراسخة في تاريخ لبنان والعالم العربي، الثقافي. صعبة لأن تحضيرات «نهائية» لم تجهز حتى اللحظة، منها تبدّل بعض الأسماء، وعناوين المحاضرات, وزمانها... وسوى ذلك. الأهم في هذا السياق، ان النادي الثقافي العربي، لم يعد يعتمد على مساهمات اعضائه الدائمين، او من يدورون في حلقة الاهتمام المتبادل بين النادي وأنشطته. فقد تم هذا العام استدعاء مثقفين وأصدقاء وفنانين، بحيث تمت استشارتهم والاستفادة من ملاحظاتهم وخبراتهم وحساسياتهم تجاه معرضهم، وتجاه ما يتعلق بصورة المعرض المقبلة. هكذا انفتح النقاش حول الصيغة التقليدية التي دار فيها المعرض في السنوات الاخيرة، بما معناه ان الصيغة هذه، باتت موضع قراءة نقدية من قبل الذين أرسوها، وساروا في إطارها ونهجها على مدى عشرات السنوات. الأنباء الطالعة من أروقة النادي الثقافي العربي وغرف اجتماعاته، ان المعرض لهذه السنة يبحث عن روح العيد في مصوغه الجديد المقترح، حتى تتحول فاعلياته الى فاعليات عيد ثقافي، يرتفع فيه الكتاب الى مراتب عالية، طالما انه اولاً وأخيراً، هو العيد، وهو المحتفى به. هكذا، ستحيط الأنشطة اليومية المتوافرة على مدى ساعات نهارات المعرض وأمسياته. أنشطة تجعل من الكتاب سلعة، وغير سلعة في آن. ذلك انه بالإضافة الى عمليات البيع، الفردية منها وتلك التي بالجملة، سوف تقوم أنشطة في مستويات لافتة. أنشطة ثقافية وفنية توازي من حيث الأهمية، وتتماهى مع عمليات تداول الكتاب في سوقه اللبناني والعربي والعالمي. يجري الحديث مثلاً، على عروض دمى في زاوية مخصصة وثابتة من زوايا المعرض. كما يدور الكلام على عروض مسرحية تتناوب أوقات المعرض. وهناك أفكار حول مشاركات موسيقية احترافية، بالإضافة الى معارض تشكيلية، وفوتوغرافية غير خارجة على السياق الأساسي للمعرض، أي انها أنشطة بصرية تحاكي روح المعرض وقضاياه الأساسية. أنشطة تطلع من جوهر حضور المعرض، كأن تفرد أنشطة يتذكر فيها المعرض تاريخه ويذكّر به منذ بداية قيامه. كما طُلب الى بعض الفنانين رسم بعض لوحاتهم ونتاجاتهم خصيصاً للمعرض. صحيح ان عمليات بيع الكتاب سوف تبقى اساس قيام المعرض وعموده الفقري، إلا انها ستحاط بكل الحواضن الثقافية التي تعلي من شأن الكتاب، لا تلك التي تأخذ من وهجه. «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب 53» لهذه السنة، يأتي ضمن احتفالية بيروت عاصمة عالمية للكتاب لعام 2009، دعا إليه النادي الثقافي العربي ونقابة اتحاد الناشرين في لبنان، يقام في مركز بيال للمعارض ويستمر من 11 الى 24 كانون الاول من الساعة العاشرة صباحاً الى العاشرة مساءً برعاية رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري. ثمة أنشطة خاصة بالنادي الثقافي العربي، الى جانب جدول البرنامج الثقافي المرافق لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب 53. بعد حفل الافتتاح الجمعة 11/12 سوف يصار الثلاثاء 15 منه، لافتتاح ملتقى الروائيين العرب، الممتد على أيام ثلاثة في ندوات يشارك فيها روائيون عرب ولبنانيون، تحت عناوين تتناول الرواية في اوجهها وتأثراتها كافة من مثل: «الرواية والغربة»، و«الرواية والحرب» و«الرواية والتحولات السياسية»، و«الرواية والكتابة» و«الرواية والواقع الاجتماعي». هذا بالإضافة الى الندوات السياسية، وتكريم لبعض الشخصيات الإعلامية والأدبية والفنية والفكرية، الى الأماسي الفنية التي تلحظ بمناسبة القدس عاصمة ثقافية، أنشطة ذات طابع تراثي فني لفلسطينيين من مثل فرقة حنين، ومهرجان الفولكلور الفلسطيني من تنظيم الاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين في لبنان. يلحظ البرنامج الثقافي للمعرض ايضاً، ندوات إنمائية وورشات عمل حول موضوع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وأماسي شعرية، وقراءات لكتّاب اجانب، ومحاضرات في النشر الالكتروني، الى محاضرات في التربية والتعليم، ومعارض رسوم، وطاولات مستديرة وورش عمل حول تصميم الكتاب، ومحاضرات في الفقه الإسلامي، ومسرحيات، وعروض وقراءات لكتب، ومحاضرة في «انفلونزا الخنازير» شاغلة الناس والطب راهناً.