As Safir Logo
المصدر:

معرض «لتكن حُليّ»: مجوهرات بطعم النحت والهندسة والرسـم لتــذوّق الفــن فـي أغــراض شخصيــة

..وسواران بطابع إسلامي لندى دبس
المؤلف: خالدية جهينة التاريخ: 2009-11-26 رقم العدد:11456

هذه الملوّحة بمسحات الضوء الخفيف، وهذه التي تتلوى داخل علب الزجاج، ليست حُليّاً كالتي نعرفها. هذه لوحات تشكيلية ومنحوتات وأجساد وأشكال هندسية في فنون مجتمعة، تمخضت عن مجوهرات مستمدة من أعماق مبتكريها. وهؤلاء، ليسوا حتى مصممي مجوهرات! إنهم مجموعة من أهم رسامي، مهندسي، معماريّي ونحاتي العالم العربي، وينسون هنا - ولمرة واحدة ـ أعمالهم الفنية «الاعتيادية»، ويتواصلون مع إبداع من لون مختلف، بتجربة فريدة. هم هنا، في متحف «معوض» (قصر فرعون سابقاً)، يعرضون حُليّاً ساحرة صمموها بناء على طلب «دار الصايغ» السورية للحلي والمجوهرات، وقدمت للمرة الأولى في حزيران الفائت في معرض «لتكن حلي» في صالة «آرت هاوس» في دمشق، على أن تنتقل إلى معظم الدول العربية. لا يظن الداخل إلى المعرض، أنه سيقابل بسكينة المعادن والأحجار، فهنا سيدوخ بين جمالية قصر هنري فرعون الذي يقال إنه دُرِّس في التاريخ، لاشتهار صاحبه باقتناء أعظم التحف. إلا أنه لا بد من «التفرّغ» لمعروضات الفنانين العرب، التي تخرج بنماذج جدّ معاصرة لما يمكن تخيله عن قطعة مجوهرات، لا سيما سوار الملقبة بالمرأة الحديدية، المعمارية العراقية زها حديد، التي تحل قطعتها ضيفة شرف على المعرض. كل التشابك والإنسيابية يتزواجان في سوار ابنة «مدرسة التفكيك»، التي يوضع اسمها اليوم إلى جانب رواد هذه المدرسة، من برنارد تشومي وبيتر ايزمان وريم كولهاس وغيرهم. وكل ما نعرفه عن لمسات حـــديد، من التقابل في الخطوط والأشكال، والكسر الحاد للنمطية، يتجسد في قطعة المجوهرات التي تتوســط قاعة المتحف الرئيسية. سوار يحــاكي الدينـــامية المعــقدة في تقطيعات وانحناءات غير متناسقة، وجــمال يرفض التكامل. زها حديد، التي فازت في العام 2005 بمسابقة تصميم كازينو مدينة بازل في سويسرا، وتحمل الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأميركية في بيروت، توّجت مسيرتها مؤخراً كأول إمرأة تحوز على جائزة «بريتزكر» للعمارة. المرأة المنشغلة دوماً، لم تحضر المعرض أمس، تاركة زواره أمام إنجازها متبايني الرأي والتحليل، تماماً كرواد المتاحف ونقّاد اللوحات العالمية. هنا أعمال رصينة ومجنونة، أعمال فنية، إنما جاهزة لتكون مجوهرات شخصية. وهذا هو الهدف الأهم بحسب ما يقول لـ«السفير» رئيس اللجنة التنظيمية للمعرض وديع الصايغ «إذ نهدف إلى إدخال الفن في حياتنا اليومية». الفكرة المستوحاة من أشهر دور المجوهرات والأزياء والغاليريهات العالمية، خرجت، برأي الصايغ، «كرؤية مشتركة للجمع ما بين الحرفة والفن، حضرنا له في فترة زمنية قياسية لم تتعد الأشهر الستة، لنظهر قناعة أساسية: لا حدود للفن وهذا المعرض نافذة جديدة لرغبات مبدعة متنوعة.. إن اقتناء هذه القطع هو كاقتناء أي عمل فني، وليس استثماراً في المجوهرات كما تفكّر الأجيال القديمة». وبكلمات التشكيلي العراقي جبر علوان، المشارك في المعرض «هي قطع فنية نقدية» أكثر منها مجوهرات، استطاع أثناء رسمها التعبير عن «متعة» ما أو «لعبة» في الفن، فركّز على الشكل والرسم لا التفاصيل والمادة التي سيصنع منها «محبَسين» مستوحيين من قبب المساجد العراقية. في غرفة أخرى من المتحف، تتمركز سيدة أمام أعمالها وتحكي عنها للجمهور النخبوي والمتذوق، كأنها تصف لهم امرأة بثوب مدينة مثقلة برائحتها وضجيجها ووجوهها العدة. هي الفنانة التشكيلية البحرينية فائقة الحسن، «مدمنة رسم الأجساد الصغيرة والوجوه.. بالفحم والألوان والأكريليك». فهنا قلادة كبيرة متوازية الالتفافات، «أشبه بالأغصان الكثيرة المتفرعة في غابة ضخمة، وأحكي فيها عن المكان، وعلاقة الناس بالأمكنة، وهو ما يظهر أيضاً في القلادة الثانية التي تجمع داخل كل من علبها الصغيرة أجساداً ذهبية أصغر، ترمز إلى الإنسان». التفاصيل المتحركة لدى الحسن، تختفي لدى مصممة الأثاث والديكور، اللبنانية ندى دبس، التي صمّمت خاتماً وسواراً تميزا باعتماد الزخرفة الإسلامية، بتفاصيل ثلاثية الأبعاد، إنما بثنايا صغيرة جداً في آن. وتقول دبس لـ«السفير» إنها «تعمدت تقديم قطعتيها بطريقة بسيطة للعين ونظيفة التكوين، فتدغدغ متأملها أو تحلق به إلى عوالم صوفية وتلقائية، كالحياة التي أعيشها يومياً». من الحياة والتاريخ، يستوحي أيضاً النحات السوري مصطفى علي، المشهور بصناعته تماثيل صغيرة، «كالفينيقيين الذين كانوا يصنعون تماثيل آلهتهم بأحجام صغيرة ليحملوها معهم أينما ذهبوا». وفي القلادة التي حملت جسد امرأة صغيرة، بدا علي كمن يحاكي عصوراً قديمة، مستعيضا عن المعادن والأحجار، بمواد نفيسة وببعض الخشب لأن «قيمة القطعة الفنية لا تقاس بموادها، بل بالتكوين وطريقة التصـــميم... فأنا كفـــنّان لا يعنــيني أبداً من يقتني ما أصنع، يهمني فقط أن يتذوّق القطعة». الاختلاف الذي واجهه المهندس المعماري ميشال زيات، لم يكن على صعيد المتلقي، بقدر ما هو على مستوى المساحة: «لم أتخيل أن أصنع رسماً بهذا الحجم». ويبدو أنه، بعد التجربة، خرج بتصاميم تجريدية، بخطوط متناسقة وثنيات متخفية، كأنها تستحضر المباني العصرية. أما الرسامة والنحاتة السورية صفاء الست، فتأخذ الناظر في رحلة مع الأحجار المتراصفة التي تولّف جسد عجوز هرم، لتوحي أن «الأحجار غير المتناسقة، التي تسند بعضها البعض، تسقط في نهاية المطاف، كما جسد الإنسان مع تقدم العمر.. وإن كان التعبير بالنحاس أو بالذهب والألماس.. فالمبدأ واحد».

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة