As Safir Logo
المصدر:

في الذكرى الـ 66لاستقلال بلد لا يزال ماضيه قيد التجاذب والتعتيم لبنان في كتابي تاريخ للثانوية العامة: الفارق الواضح يقع.. في التفاصيل الصغيرة

المؤلف: بزي جهاد التاريخ: 2009-11-21 رقم العدد:11453

اللقاء «الرسمي» الأخير لطالب اللبناني مع تاريخ بلده يكون في السنة الثانوية الثالثة. بعدها، قد لا يلتقي بتاريخ لبنان مجدداً كمادة في الاختصاصات الجامعية العديدة المتشعبة، بخاصة العلمية منها حيث لا تاريخ ولا من يؤرخون. في هذه السنة وهي الأخيرة في المرحلة الثانوية قبل الصعود نحو المرحلة الجامعية أو سوق العمل، يمتحن اللبناني في تاريخين: تاريخ لبنان المعاصر، وتاريخ العرب المعاصر. في التعميم الصادر بتاريخ 19 تشرين الاول من العام 2000 عن وزير التربية والتعليم العالي في حينه محمد يوسف بيضون أن محاور تدريس تاريخ لبنان المعاصر هي التالية: لبنان إثر الحرب العالمية الاولى – المرحلة الانتقالية – إعلان دولة لبنان الكبير – الحكم العسكري الفرنسي – الثورات اللبنانية – الدستور والجمهورية – لبنان في الحرب لعالمية الثانية – احتلال الحلفاء للبنان – إعلان الاستقلال. ويطلب التعميم من جميع المدارس الرسمية والخاصة التقيد بالمضمون الوارد أعلاه، وذلك ريثما تصدر كتب مادة التاريخ للسنتين المذكورتين (التاسع أساسي والثانوي الثالث) تطبيقا للمرسوم الرقم 3175 تاريخ 8-6-2000. السلسة الموحدة لكتاب التاريخ برغم تأخرها عن سواها من الكتب بموجب المنهجية التربوية الجديدة، كان من المقرر ان تبدأ بالصدور في العام 2002-2003 ولم يحصل ذلك، لأن خلافا وقع على بداية كتاب في السلسلة التي كانت مخصصة للمرحلة الابتدائية أو الاساسية. وهو خلاف أدى الى تجميد الكتاب ووضعه في الادراج. حدث هذا بعد ان فشلت أفكار التسويات التي طرحت وتضمنت حذف الدرس المذكور ومتابعة الانتاج في الصفوف الباقية. أثار الخلاف في حينه ملابسات سياسية وطائفية كبرى. وانتهى الأمر ان أوقفت المدارس الرسمية تدريس المادة من أصلها. بينما استعادت المدارس الخاصة السلاسل والمناهج السابقة على اتفاق الطائف. نفضت عنها الغبار وعادت الى التدريس بها. وبذلك انهارت عملية تحديد الاهداف العامة (الوطنية والانسانية) والاهداف الخاصة بتدريس المادة. وهكذا عاد الحبل الى غارب المؤسسات التربوية بمرجعياتها الطائفية والطائفية والسياسية. وبدا وكأن اتفاق الطائف لم ينص على توحيد كتابي التربية الوطنية والتاريخ. علما أن الكتاب الاول يدرس في كل المدارس ومنذ العام 1997. المؤرخ الدكتور مسعود ضاهر يكتب في دراسة نشرت في النهار (7 أيلول 2009 ص 9) أنه «في العام 2008 كان هناك أكثر من عشرين سلسلة من كتب التاريخ المدرسي المعتمدة في لبنان». توحيد الكتاب أو على الاقل المنهجية المقررة بموجب مراسيم في مجلس الوزراء يكاد يكون، لتعقيده، واحد من القضايا الإشكالية الكبرى. عليه، فإن الطالب اللبناني لن يعرف في المدرسة ابداً ما الذي حدث بعد العام 1946 في لبنان. علما بأن تلك المرحلة كانت لها عواصفها الكيانية الكبرى التي لا تزال حاضرة في حياة اللبنانيين جميعا وليس طلاب المدارس فقط في المرحلة الثانوية أو ما قبلها، ناهيك بالجامعية. ينتهي التاريخ في لحظة مشرقة، «في 31 كانون الاول سنة 1946 تم جلاء آخر جندي أجنبي عن لبنان، فاحتفل به اللبنانيون حكومة وشعباً وتم تخليد الحدث بوضع لوحة تذكارية فوق صخور نهر الكلب في عهد الشيخ بشارة الخوري وحكومة سامي الصلح». هذه العبارة مأخوذة من سلسلة معتمدة على نطاق واسع لبنانياً. في سلسلة ثانية موازية في انتشارها للأولى، نقرأ المعلومة نفسها ببعض اختصار: وفي 31 كانون الاول سنة 1946، تم جلاء آخر جندي أجنبي عن لبنان. وأصبح هذا اليوم عيداً وطنياً للجلاء. وخلدت هذه الذكرى بلوحة تذكارية على صخور نهر الكلب». لا نعرف لماذا غاب «احتفال اللبنانيين حكومة وشعباً» هنا. هذان الكتابان، ولنسمّهما الكتاب ألف والكتاب باء، عملت على كل منهما مجموعة من المؤلفين من تشكيلات طائفية متعددة. وهو عرف اعتمدته دور النشر المدرسية منذ ما قبل الحرب الأهلية عام 1975 لضمان تسويق الكتاب في مدارس «البيروتين». والكتابان يقدمان معلومات مباشرة انطلاقا من حيادية الأحداث وضرورة عرضها أمام الطالب. وهو أمر غريب في تدريس المادة باعتبار أن التاريخ لم يعد ومنذ عقود وعقود مجرد حوادث. بل بات علما له أصوله وقوانينه وطرائقه التي يتميز بها عن سواه من العلوم الاجتماعية. ايضا ضمن هذا المنحى الحدث توضع العلامات على الاسئلة في الامتحانات الرسمية ويقسم كل سؤال على عدد المعلومات الواردة في الاجابات، وليس على نوعيتها بالطبع أو القدرة على تحليلها ونقدها. هذا اذا لم نتحدث عن المدارس والأهل الذين يرون ان لا فائدة من دراسة هذه المادة، وحتى ان الكثيرين من طلاب الفروع العلمية لا تعنيهم المادة شيئا بينما يحرص طلاب الآداب والعلوم الاجتماعية عليها لتحسين علاماتهم فقط فيبصمونها عن ظهر قلب وينسونها حالما ينتهي الامتحان. وبالعودة الى الكتابين نجد أن الفارق في الجلاء بين الكتابين ليس جوهرياً. لكن المقارنة بين الكتابين تكشف عن فروقات ليست سهلة. لنعد إلى الدرس الاول، ونقارن. وصفة التاريخ تجدر الملاحظة بداية إلى أن الكتابين في معظم فصولهما مصوغان بطريقة الوصفة الطبية: معلومات تندرج مرقمة تحت عناوين عريضة. الهدف واضح: تسهيل «مهمة» الطالب في تغييب أو «بصم» هذه المعلومات. القراءة ليست هدفاً هنا، وهي غير ممتعة إطلاقاً. القراءة الحقيقية نجدها في آخر كل درس، حيث فقرة «للمطالعة» التي يمكن للتلميذ أن يقرأها، إذا كنا متفائلين.علما بأنها ضمنا تعتبر كل ما ورد قبلا غير مهم أو غير جدير بالمطالعة. لا اختلاف بين الكتابين في الدرس الاول: لبنان في الحرب العالمية الاولى: تقسيم البلاد السياسي وظلم جمال باشا الجزار والمجاعة. الدرس الثاني، لبنان بين الاحتلال العثماني والانتداب الفرنسي، يبدأ على مفارقة مضحكة «تاريخياً». ففي الكتاب «ألف»، «تلقى العثمانيون هزيمة شنعاء في 19 ايلول سنة 1918 على يد الجيش الانكليزي بقيادة الجنرال اللنبي فانسحبوا من لبنان وسوريا في أواخر ايلول سنة 1918». أما في الكتاب «باء»، فإنه «في 18 أيلول سنة 1918 تمكن اللنبي من هزم الاتراك في معركة طولكرم (مرج عامر) شمال فلسطين. ثم لم تلبث سوريا أن سقطت كلها بيد الانكليز...». يختلف الكتابان على تاريخ الهزيمة، وإن كان الفارق بينهما يوما واحدا. ثمة تفصيل يشير إليه الكتاب باء ولا ينتبه إليه الكتاب ألف: «كانت تواكب الجيش الانكليزي حملة عربية بقيادة الامير فيصل ابن الشريف حسين، متوجهة من الحجاز نحو العقبة فدمشق». في أقل سطور ممكنة، يمر الكتابان على ما يمكن وصفه بالانقسام اللبناني. فبعد الانسحاب العثماني، ومن الكتاب ألف، نعرف أن «حكومة» عمر الداعوق أُلّفت من «عدة شخصيات بيروتية، والحكومة موالية لحكومة سعيد الجزائري التي قامت في دمشق (عاشت ثلاثة أيام فقط)»، و«تألفت الحكومة الثانية في بعبدا من الاميرين مالك شهاب وعادل ارسلان». الكتاب باء يشير إلى أن الداعوق تسلم «الحكم»، يساعده أعضاء المجلس البلدي، وفي بعبدا انتخب مأمورو الحكومة الاميرين شهاب وارسلان لإدارة شؤون المتصرفية، واتصلا بالبطريرك الماروني فحثهما على المثابرة في «إدارة أشغال الحكومة». في «الاتصال بالبطريرك الماروني» إشارة واضحة تقابلها إشارة الكتاب ألف إلى «الشخصيات البيروتية». في مكان آخر، وبعد دخول الحلفاء، ونهاية الحكم العربي للبلاد، يمر في سطر واحد من الكتاب باء تحسن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في لبنان حيث «عمد الحلفاء الى تنظيم الاعاشة وإيواء اللاجئين والمشردين ومعالجة المرضى وإعادة فتح المدارس والجامعات». في الكتاب ألف، وتحت عنوان منفصل هو دور الحلفاء الانساني، نقرأ أنه «عندما دخل الجيش الفرنسي لبنان، كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي منهاراً، فتعاون مع المؤسسات الخيرية والبعثات الدينية بجهود جبارة لتنظيم الاعاشة ومعالجة المرضى ومكافحة الامراض والاوبئة وإيواء الايتام والمشردين واللاجئين الارمن وفتح المدارس. وقد أثمرت هذه الجهود فتحسن الوضعان الاقتصادي والصحي وفتحت المدارس والجامعات أبوابها وانصرف اللبنانيون يبحثون عن نظام سياسي جديد ينظم مجتمعهم». يطل الانقسام اللبناني من جديد، مخففا بلفظ «موقف اللبنانيين من مستقبل بلادهم»، عشية مؤتمر الصلح في باريس. هذا الانقسام يبدو أوضح في الكتاب ألف منه في الكتاب باء، حيث يسمي الاول الاشياء بأسمائها. يقول: تعددت آراء اللبنانيين بشأن مصير لبنان المطروح في مؤتمر الصلح، وأبرز هذه الآراء: أ – رأي سكان جبل لبنان (لبنان المتصرفية سابقاً)، وأكثرهم مسيحيون وكان يطالب بالاستقلال الناجز بعد إعادة المناطق التي سلخت عنه في نظام المتصرفية، أي الاقضية الاربعة (حاصبيا وراشيا والبقاع الغربي وبعلبك) والمدن الساحلية (بيروت وطرابلس وصيدا وصور) مع قبول المساعدة من فرنسا لما بينها وبين سكان الجبل من علاقات تاريخية. ب – رأي سكان مناطق الولاية (الاقضية الاربعة والمدن الساحلية)، وأكثرهم مسلمون وكان يطالب بالاتحاد مع سوريا تحت راية الامير فيصل على ان يتمتع لبنان باستقلال ذاتي. ج- رأي يطالب برفض الوصاية من أي دولة كانت، مع المطالبة بالاستقلال وإعادة ما سلخ إليه من أراض. هذا الرأي الثالث لا نجده في الكتاب باء، الذي لم يذكر مواقف اللبنانيين، لكنه فصل موقف «سكان الولاية» الذين اعتبروا أن ممثلهم في مؤتمر الصلح هو الامير فيصل لأنه كان عضواً مشاركاً فيه وممثلا لمملكة الحجاز ويدافع عن قضية سوريا واستقلالها ووحدتها الطبيعية (سوريا ولبنان وشرق الاردن وفلسطين). لذلك لم يرسلوا وفودا خاصة بهم. وبينما يقدم الكتاب ألف شرحاً مفصلاً عن الوفود اللبنانية إلى مؤتمر الصلح في باريس، يستغرق اربع صفحات، يمر عليها الكتاب باء في صفحة واحدة. الكتاب ألف متحمس لهذه الوفود ويشرح تخوف اللبنانيين من تقرير لجنة كينغ – كراين والقلق على مصير لبنان. وهو يؤجل الحديث عن هذا التقرير إلى درس في القسم الثاني من التاريخ العربي. الكتاب باء، يفصل نقاط التقرير واهمها: التأكيد على وحدة سوريا الطبيعية وإقامة نظام حكم ملكي دستوري برئاسة الامير فيصل وإعطاء لبنان استقلالا إداريا ضمن هذه الوحدة». الى الانتداب.. الانتداب الفرنسي للبنان، درس خلافي بين الكتابين الف وباء. عن تطبيق أو ممارسة الانتداب، يذكر الكتاب ألف أنه «لا شك بأن فرنسا وضعت أسس الدولة الحديثة فأنشأت المؤسسات الرسمية ونظمت الادارة وشقت الطرق وأمنت المياه والكهرباء وفتحت المدارس الرسمية ونشرت لغتها وثقافتها.. لكنها في المقابل سيطرت على الاقتصاد ودخل الجمارك في لبنان فبرزت الاحتكارات كما هيمنت على الحياة السياسية مستغلة التركيبة الطائفية فتأخرت في وضع الدستور واستبد المفوض السامي عندما استلم السلطتين التشريعية والتنفيذية وقد عارض اللبنانيون هذه السياسة فطالبوا بالاستقلال». الكتاب باء أكثر وضوحاً في رفضه للانتداب، وفي ربط المشهد اللبناني بآخر عربي أوسع: «لم تلتزم سلطات الانتداب بمضمون صك الانتداب، بالرغم من عيوبه الكثيرة. فالدستور تأخر وضعه حتى سنة 1926 وتم إقراره في لبنان تحت وطأة الثورة السورية الكبرى. أما في سوريا فقد تأخر وضع الدستور حتى العام 1932. وكذلك تنازلت فرنسا عن لواء الاسكندرونة لتركيا سنة 1938، وقبلها تنازلت عن عدد من القرى في جنوب جبل عامل وعن منطقة الحولة لفلسطين. وسيطرت الشركات الفرنسية على كل المصالح الاقتصادية داخل البلاد واحتكرت زراعة التبغ واهتمت بالآثار إلا أن قسما كبيرا منها تم نقلها إلى باريس. كما سيطرت على دخل الجمارك، ولم يهتم الفرنسيون بتدريب أبناء البلاد على القيام بشؤون الادارة والحكم. وصحيح أن الفرنسيين التزموا بتطبيق المادة الاولى من صك الانتداب وهي وضع دستور للبنان إلا أن هذا الدستور منح المفوض السامي صلاحيات واسعة. وقد ساعد الفرنسيون على تنظيم الادارة اللبــنانية ووضــــع القوانين المدنية التي أخذت بمعظمها من القوانين الفرنسية». هذا النص يحتاج الى تدقيق كبير فالدستور تأخر لا لسبب تقني والتنازل لم يتم لفلسطين بل لسلطات الانتداب الانكليزي أما تنفيذ البند الاول من صك الانتداب فقد حدث إثر معركة سياسية دولية وداخلية على أي حال. وتبقى العبارة الاخيرة هنا وقد وضعت من باب رفع للعتب، تقابلها العبارات الاولى من الكتاب ألف، حيث فرنسا وضعت أسس الدولة الحديثة في لبنان. وهي دولة كانت مفصلة على مقياس مصالحها ومناطق نفوذها. الكتاب ألف، في ركن المطالعة، يضع مقارنة بالنقاط بين الاستعمار والانتداب، لا ينتصر فيها الانتداب فحسب، بل تبدو الدولة المنتدبة أقرب إلى جمعية خيرية أهلية لا تبغي أي ربح من وراء عملها في لبنان وسوريا اذا لم نتحدث عن المنطقة ككل. في المقابل، وفي الركن نفسه من الكتاب باء، نقرأ نصاً يهشم الانتداب تماماً. دولة لبنان الكبير درس دولة لبنان الكبير، يشرح ظروف وقرارات إعلان هذه الدولة، كما يشرح طبيعة تنظيمها الاداري. في تفصيله لوضع المفوض السامي، يختصر الكتاب ألف: فرنسي يتمتع بصلاحيات واسعة. يترأس السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. يشرف على السياسة الخارجية والشؤون الاقتصادية ويوقع المعاهدات والاتفاقيات باسم لبنان. يقرر الضرائب، ويصدر القرارات والقوانين. وكان دليله جيش بإمرته ويعاونه الحاكم العسكري ومساعدوه وأجهزة متعددة. المفوض السامي في الكتاب باء، يصبح بفعل اللغة المعتمدة حاكما آخر: يأتي على رأس الحكم وهو حاكم عام للبنان وسوريا تعينه الحكومة الفرنسية فينفذ سياستها ويسهر على مصالحها. وكان المفوض وهو عسكري حتى سنة 1925، يتمتع بصلاحيات مطلقة، فهو يصدر القرارات والمراسيم ويعين الحكام والموظفين والمستشارين.. تحت إمرته الجيش الفرنسي المنتشر في لبنان وسوريا وكل الاجهزة الامنية من درك وشرطة وأمن عام، وكان يشرف على الاقتصاد وهو مسؤول عن تصرفاته أمام حكومة بلاده فقط. إنه الحاكم المطلق للدول الخاضعة للانتـــــداب الفرنسي في المشرق. وقــد استمرت هذه السلطات حــــتى بعد إعلان الدستور، فأصبح من حقه تعليق الدســــتور وإقالة رئيس الجمهورية وحل المجلس النيابي». في الدرس التالي، وهو الدستور والجمهورية، يخوض الكتابان في ظروف وكيفية وضع الدستور اللبناني وفي نظام الحكم بموجبه. الكتاب باء، يضيف عنواناً يتعلق بـ«مساوئ الدستور والاستقلال»، يقول فيها إنه لم يرد في الدستور اية اشارة إلى طائفة الرؤساء الثلاثة، إلا أنه أبقى على التمثيل الطائفي في الوازرة والمجلس النيابي وعند اختيار الموظفين. فالمادة 95 من الدستور تقول: «بصورة مؤقتة، والتماسا للعدل والوفاق، تتمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة..» ومن المؤسف أن هذه المادة، بالرغم من صفتها المؤقتة، فإنه لا يزال يعمل بها حتى أيامنا هذه». في درس الاستقلال، يصر الكتاب ألف على وصف إعلان استقلال لبنان في 26 تشرين الثاني سنة 1941 بالناقص المزيف. الكتاب باء يسميه الاستقلال الرابع. في الكتاب ألف، يرد أنه انعقد في بكركي في 25 كانون الاول سنة 1941 وبدعوة من البطريرك انطوان عريضة مؤتمر وطني طالب بالاستقلال التام... في الكتاب باء، «تداعت الاطراف اللبنانية إلى عقد مؤتمر في بكركي واتخذت المقررات التــالية...». لم يذكر الكتاب البطــريرك واسمه الذي نرى اسمه وصورته في الكتاب الاول، مع أن الكتاب باء يهتم بالتفاصيل دائماً ومادته أغنى من الكتاب ألف. من هذا الاستقلال إلى الاستقلال الذي نعرفه جميعاً. بعد تعديل الدستور واعتقال الزعماء اللبنانيين، أفاق اللبنانيون صباح 11 تشرين الاول 1943 على خبر الاعتقال فكانت لهم ردة فعل قوية، بحسب الكتاب ألف: «انفجرت التظاهرات الغاضبة، فخرقت السيارات الفرنسية واصطدمت بالجنود الفرنسيين. وأضربت المدن اللبنانية إضرابا شاملا وأقفلت المدارس وتوقفت الصحف عن الصدور وتعاون شباب حزبي الكتائب والنجادة في عمل وطني رائع وأصدروا جريدة تحمل علامتي استفهام في عنوانها مناهضة للفرنسيين، ووزعوها سراً». حتى اللحظة، هذا الحدث يبدو هو الوحيد في تاريخ لبنان، الذي يكتب من دون تدوير زوايا باعتبار ان الوحدة الوطنية مكتملة النصاب بين فريقي البلاد، ومن دون شرح رأي قسم من اللبنانيين ورأي قسم آخر مضاد منهم. لحظة وحدة سياسية جلية في حدث كبير ينتهي بمفارقة ننساها حين نحتفل بعيد الاستقلال. ففي 19 تشرين الثاني وجه الجنرال سبيرز المندوب الانكليزي إنذارا الى جان هيللو والى ديغول مهددا بالتدخل العسكري إن لم يطلق سراح المعتقلين في موعد أقصاه 22 تشرين الثاني سنة 1943. في الكتاب باء: «الموقف الحاسم تمثل بالانذار الذي حمله أحد كبار الموظفين الانكليز إلى لجنة فرنسا الحرة في الجزائر في 13 تشرين الثاني والذي تبلغه كاترو في 19 تشرين الثاني، وفيه دعوة صريحة إلى إقالة هللو والافراج عن المعتقلين وإعادتهم الى مراكزهم قبل الساعة العاشرة من صباح الاثنين في 22 تشرين الثاني وإلا فإن القوات الانكليزية تعلن الاحكام العرفية في لبنان وتتولى تحرير المعتقلين». وفي الموعد المحــــدد، «أفرج عن المعتقلين فانتقلوا إلى بيروت وسط التظاهرات الشعبية الرائعة. واعتبر هذا اليوم عيداً للاستقلال يحتفل به لبنان حكومة وشعباً كل سنة»، بحسب الكتاب ألف. في الدرس الاخير، علق البنانيون لوحة الجلاء، كما جاء في مقدمة النص أعلاه.. وانتهى التاريخ هنا. توقف منذ اكثر من 63 عاما دوران عقارب الساعة ومرور الايام والاشهر والسنوات، ولم نعان من خضات وحروب وعواصف في الداخل وعلى مستوى المنطقة والعالم. لا شيء. قضي الأمر الذي كان الف وباء فيه يستفتيان.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة