خالد الخميسي كاتب مصري، حققّ كتابه «حواديت تاكسي» أعلى المبيعات حيث صدر منه أكثر من 12 طبعة، كما تُرجم إلى العديد من اللغات. الخميسي خريج كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، ومُجاز في السياسة الخارجية من السوربون. فكرة كتابه الذي دوّى صيته راودته أثناء تسجيله «حواديت» مختلفة عن لسان القاهريين، خصوصاً سائقي التاكسي، مستخلصاً منها عبراً مذهلة وعميقة يقولها البسطاء، شكلّت بالتالي نواة كتاب خالد. الخميسي يعشق السينما، كما صدر له بعد تاكسي، رواية جديدة اسمها «سفينة نوح» في بناء روائي مختلف عن سابقتها. عن كتابه تاكسي وعن «سفينة نوح» كان هذا الحوار: القرّاء المصريون وغير المصريين أحبوا كتابك تاكسي وسرعان ما صار على جميع الألسن، وقد تناولته الصّحف اللبنانيّة باهتمام. يقرأ تاكسي على مستويات عديدة أي كثيرة مرّة كحدّوتة مسلية مضحكة مبكية ومرّة من باب النقد السياسي والاجتماعي. أيّ القراءات أقرب إلى كتابك ؟ أفضل قراءة تاكسي كنص أدبي عربي تأثر في بنائه بفنون النثر في أدبنا العربي المكتوب والشفهي. أعود إلى ما كتبه عبد الوهاب المسيري، رحمه الله عن هذا الكتاب قائلا: «إنه ينتمي إلى نوع أدبي قديم جديد. يقدم شخصيات إنسانية مركبة، ويكشف كثيرا من أبعادها... ولكن المؤلف بدلا من أن يخبرنا عن هذه الشخصيات بشكل مباشر، يهيئ لها المسرح ويتركها تتدفق بلغة كثيفة مشحونة بالدلالة.» فالكتاب مهموم أساسا بأبطاله. يقدم 58 شخصية مختلفة كل منها يعبر عن أزمته الداخلية بنفسه وبلغته ويقف الراوي هنا في الخلفية. البطل في الكتاب هو الإنسان والمسرح المتحرك المكشوف هو التاكسي ولحظة أزمة شخوص الكتاب كاشفة لما يحدث في الشارع المصري الآن. ينتقل الراكب من حدوتة إلى أخرى في رحلة استكشاف للشخصيات المختلفة. أما تعرض شخوص الكتاب لواقعهم السياسي فهو أمر حتمي في ظل أنهم جميعا ضحية لظرف سياسي واقتصادي متردّ. سائق تاكسي تاكسي يضم بين دفتيه مجموعة حواديت تسرد مغامراتك وأنت في سيّارات الأجرة. أحياناً نراك تتضامن مع سائق التاكسي، وأحياناً أخرى تنقضّ عليه منتقداً؛ هذا الذهاب والإياب بين تضامنك ونقدك يعطي للكتاب قوّته. ما رأيك صراحة بسائقي التاكسي في مصر؟ وبسائقي التكاسي في سائر بلاد العالم؟ أليسوا مدخلاً استراتيجيّاً من مداخل أيّ بلد؟ اخترت أن يكون بطلي سائق تاكسي لأنه من وجهة نظري شخصية درامية بالأساس، متواجد دائما في الشارع، موصل جيد للحواديت التي يستمع إليها من الركاب لمحاربة وطأة الملل، طبيب نفسي ويحتاج للعلاج الجسدي والنفسي، رجل خبير في أصول علم العلاقات العامة في تفاعله اليومي مع كل شرائح المجتمع، ابن سوق يعرف من أين تؤكل الكتف. رغم هذا فلا وجود في مصر لمهنة سائق تاكسي. فالذين يعملون في هذا المجال معظمهم قادمون من جوف غول البطالة. عائدون من هجرة مؤقتة في بلاد النفط بمدخراتهم المحدودة. سيارة الأجرة هي أحد الأفكار الاستثمارية التي تراود مخيلة البعض، ميكانيكية لا يجدون عملا بعد انتشار التوكيلات، وغيرهم الكثير. سائق التاكسي في مصر حاصل على ماجستير وحاصل على بكالوريوس الهندسة وليسانس الحقوق، هو شبه الأمي والبلطجي والحالم والذي تم فصله في مجزرة بيع أصول الدولة المصرية. سائق التاكسي هو الشعب المصري بكل فصائله الفقيرة والمعدومة الدخل والمتوسطة التي تم دكها بكل قسوة على مدار الثلاثين عاما الأخيرة. يحملون خفة ظلهم التاريخي سيفا باترا لفتح أبواب الحكايات عسى أن يطري على قلبهم الذي جف من قسوة جباة الضرائب. خفة الظل هذه هي المدخل الوحيد لفهم الشخصية المصرية. لا شك أنّك شاهدت سائق التاكسي لمارتن سكورسيزي، ما رأيك بالفيلم علماً أنّ كتابك قد يصير فيلماً أو مسلسلاً في القريب؟ وهل خبر تحوّله إلى فيلم صحيح؟ ومن سوف يكتب السيناريو؟ شاهدت هذا الفيلم منذ قرابة الثلاثين عاما، كنت مازلت تلميذا في المدرسة، أتذكر بصعوبة وجه روبرت دي نيرو في أحد المشاهد ولست حتى واثقا إذا كانت هذه الصورة في مخيلتي في هذا الفيلم أو غيره. لا أتذكر من الفيلم غير أنه يتحدث عن سائق مصاب بخلل عقلي نتيجة لمشاركته في حرب فيتنام. أما بخصوص كتابي تاكسي فمن المتوقع أن يتحول إلى مسلسل يتم عرضه في رمضان القادم. وصلت إلى الكتابة من بوابّة البحث والصّحافة، أمّا اليوم فكتبك المنتشرة والمترجمة إلى لغات العالم قد تحفّزك على التفكير بالكتابة من مداخل أخرى، مداخل أدبية لربما. هل أدنتك الشهرة والانتشار من الأدب؟ أي أدب أقرب إلى نفسك يا ترى؟ ماذا تقرأ وبأيّة لغة؟ قررت وأنا في سن العشرين أن أصبح كاتبا، روائيا أو قصاصا. تأجل مشروعي قرابة الربع قرن لأسباب عامة رمت بظلال الكآبة داخل روحي، وعندما بدأت في كتابة تاكسي كانت رواية سفينة نوح بشخصياتها حاضرة بقوة في ذهني وكنت متحيرا أأبدأ بهذه أو تلك وكان ما جرى. عندما بدأت الكتابة كان مشروعي أدبيا وروائيا بالأساس، لم يكن المدخل صحفيا أو بحثيا كما بدا للأغلبية وإنما كتابة أدبية متأثرة ولاشك بدراستي للعلوم السياسية وعملي لفترة في مجال الأفلام الوثائقية ورغبتي في كتابة نص حداثي بمفهومي الخاص للحداثة. أعلم أن تنويعات الكتابة الأدبية لا نهاية لها، قوس قزح من الأحرف المتراصة كل حرف يرمي بظلال خاصة ليشكل عالمه الخاص بجانب أقرانه داخل نفس الكلمة ونفس السطر. أحلم أن أستكمل مشروعا روائيا بلون قوس قزح، ومن أجمل الأشياء أن الأحلام تطول أجنحتها بطول الليل. فأقل الواجب أن نحلم جميعا ونمط أيادينا عسى أن نحتسي يوما أحلامنا. أقرأ باللغتين العربية والفرنسية ونادرا ما أقرأ باللغة الانجليزية. أقرأ أساسا الأدب ثم يأتي التاريخ ثم الكتب السياسية في ترتيب أولويات قراءاتي. أقرأ ما يكتب في الصحافة على عجل حيث أنني أخاف أن تلتهم الوقت المخصص لقراءة الأدب. الزمن محدود والعمر قصير والأحرف المتلألئة بالنور كثيرة ويجب أن نلهث للهروب من سيف الزمن البتار لنلحق بمتعة القراءة التي ليس بعدها متعة بالنسبة لي. سفينة نوح كتابك الجديد سفينة نوح لم يصل إلى بيروت بعد. ما هي قصّة سفينة نوح ؟ سمعت أنّه يتطرّق إلى موضوع الهجرة. حلم السّفر إلى بلاد «أرحب» يراوّد الشّباب العرب، أيدور كتابك حول هذا الموضوع؟ رواية «سفينة نوح» تتعرض لشخوص في حالة أزمة توائم مع واقع تفشى فيه الفساد وعقم السياسات الاقتصادية وبلبلة عنيفة في نسق القيم الاجتماعية. شخوص لم تستطع القبض على الغد، فقدت أحلامها الواحد بعد الآخر ولم تجد غير فكرة الخروج من الوطن إلى الغربة لتنتقل من اغتراب داخلي إلى غربة خارجية. الرواية لا تتطرق إلى موضوع الهجرة بقدر ما تتعرض لشخوص في تفاعلها مع وطن يدفعها للخروج خارج حدوده. كتابك الأوّل يضم مجموعة من الحواديت، ماذا عن كتابك الثاني، أيسرد بدوره حياة مجموعة من الشخّصيات الراغبة بالهجرة؟ شخصيات رواية سفينة نوح تتشابك كلها بالأيدي في دائرة واحدة حول الجحيم، لا يهم انتماءاتهم الاجتماعية أو الجغرافية أو التعليمية فكلهم في الهم سواء. طلبة في الجامعة ومراكبية من النوبة ومليونيرات وأطباء وأساتذة جامعة وصبية من الفيوم وسماسرة خروج وفلاحين ومحترفات دعارة كلهم في نفس القارب، كلهم لا يجد حلا إلا في الخروج من المحروسة. تنتقل الرواية بين مستويين في اللغة: لغة الراوي عربية فصحى وصوت الشخصيات بالعامية المصرية عدا شخصية الأستاذ الجامعي فصوته بالفصحى لأنه يتكلم بالفصحى في حياته اليومية. كل شخصية تقود إلى الأخرى وفي النهاية تتداخل كل الشخصيات في قارب الحياة. تاكسي مكتوب بلغة عاميّة خفيفة الظّل طريفة تضحك وتبكي في آن. . أتظّن أن التبسيط بكلّ عاميّاته واستعاراته من اللغات الأجنبيّة هو مستقبل لغتنا؟ اللغة كالحياة وكالأدب وكحياة الإنسان وكتاريخ الأنهار تتلون وتتغير وتتطور وتنمو وتموت وتبعث من جديد. مستويات اللغة عديدة، وكل شخصية لغته متفردة كتفرد بصمة إصبعه. اللغة مخادعة أيضا، فما نراه بسيطا يمكن ألا يكون بسيطا على الإطلاق والعكس صحيح. وكل موضوع أدبي ببيئته وشخوصه وعالمه الخاص يفرض على الكاتب لغته الخاصة. فلغة تاكسي تم فرضها عليَّ من شخصيات العمل وبيئتهم، كما فرضها موضوع العمل. في سفينة نوح اللغة مختلفة تماما عن تاكسي. وما أكتبه الآن لا علاقة بينه وبين العملين السابقين فيما يخص اللغة والموضوع والهم. مستقبل اللغة تحددها عوامل في منتهى التركيب ولكن ما يهمني هو مدى اتساق العالم اللغوي بعالم الرواية وشخوصها.