As Safir Logo
المصدر:

معرض الفنان نهاد كولي في «غاليري زمان» الألوان تتذكر

المؤلف: بزون احمد التاريخ: 2009-11-16 رقم العدد:11448

تبدو الأجسام طائرة في الفضاء، فهي لا تقع على الأرض، والشخوص يطلون دائماً من مكان مرتفع، إذ غالباً ما نرى رؤوساً ولا نرى أقداماً، رؤوساً تمتد في اتجاه أفقي، كأن الأجساد سابحة في الفضاء، أو كأن الأشكال تأتي من مكان ما في المخيلة من دون أن تكتمل. إنها بلا شك مخيلة خصبة لمعانٍ مضطربة، إذا صح التعبير، بل لأشكال قد تكون جرداء ومتقشفة، فالفنان لا يهتم بالتزيين والبحث عن ألوان فاتنة، ولا باستدراج الطبيعة الجميلة إلى مساحة اللوحة، فهو يبتعد عن جسد السرد مكتفياً بروحه. فاتساع اللوحة وكبرها لا يعني بالنسبة إلى الفنان الكثير من حشد المفردات والجمل السردية، ولا حتى تكثيف المساحة اللونية، فهو يجعل بياض اللوحة أساساً في الحوار اللوني، بل ربما يستخدمه لإظهار مدى الهوة التي يتحرك شخوصه فوقها، أو مدى الفراغ المشوب بالخطر الذي تسبح فيه الأجسام. على أجنحة المأساة 26 لوحة زيتية كبيرها أكثر من صغيرها، عرضها الفنان السوري نهاد كولي في «غاليري زمان»، الحمراء (لغاية 18 تشرين الثاني الجاري)، تضعنا أمام فنان مختلف منذ النظرة الأولى، إن من حيث الأسلوب أو حتى معالجة الموضوع، فهو في أي حال لا ينضمّ إلى جوقات الفن أو مجموعاته المتشابهة، بل ينفرد في عزف ألوانه ووجدانه والبوح بمكنوناته. ومع ذلك لا يذهب إلى التعقيد أو إلى تعبيرية طامحة إلى التفلسف أو طرح أفكار سلطانية، إنما نراه ينبش طفولته بشيء من التبسيط، أكثر مما يبحث عن بناء ينصب فوقه خطاب الرجولة. لكنها الطفولة غير الساذجة، فهو لا يمارس طفولته أو يستحضرها بعقل طفل، إنما يستحضرها بوعي فنان. فالطفولة هنا مجرد عناوين يستعيدها، وذاكرة بصرية يستعيد التعامل معها أو يعيد تأملها من جديد. ذاكرة تستعيد الأساطير والخرافات، كما تستعيد الألوان والألعاب والأشياء والطبيعة... كل ذلك كي يقدم لنا، قبل أي شيء آخر هويته ويؤكد انتماءه، فيسحب الفن، الذي تعلمه وفهمه، ليصور به حكايته وشخصيته وانتماءه ووجدانه. يستعيد العرائس وقصص الحب والعصافير الصغيرة والأزياء وما سوى ذلك، لكن من دون استغراق في الواقع التصويري التشبيهي، بل بمزيد من آلية التجريد، إذ تبرز الوجوه بلا ملامح، كأنها وجوه مقفلة على تاريخها وموتها، بل موميائيتها أحياناً. ومع ذلك يستعيدها أحياناً ليحولها إلى لعب يأخذ من الطفولة الكثير، فالأطفال يلعبون أيضاً بالموت ويحلقون مع الأساطير، ويعيدون بناءها على طريقتهم. لا شك في أن الفنان يبدو مسكوناً بالأساطير الكردية المشبعة بقصص الحب المجبولة بالتضحيات والمآسي، لا سيما أسطورة «سيامند وخجي» المعروفة، التي استلهمها الكثير من التشكيليين والشعراء والمسرحيين الكرد، الذين رأوا فيها عناصر التحدي والبطولة والوصول إلى الهدف ولو على سنان الموت. يظهر في المعرض الحضور المزدوج للمرأة والرجل، أو للعاشقين اللذين يسبحان في فضاء الحسرة والحزن والمصير المأسوي. نرى سيامند على حصانه، والوجوه الحائرة التي تنظر بريبة وتنتظر المخاطر بخوف، رغم كل ذلك الجو من اللعب واستحضار الأطفال والألعاب والحركة التي لا تهدأ في المساحة. نرى رؤوساً تتواجه ولا تلتقي، ووجوهاً تبدو مدماة. كل ذلك نابع من شعور بغربة لا حدود لآلامها. شيء من السوريالية الألوان هي الأخرى مسكونة بالغربة والغرابة، وإن كانت سليلة ذاكرة بعيدة، وهي ترابية في الغالب، إذا دخلتها ألوان زاهية بقيت متوارية. كأننا أمام سعة المناطق الجرداء وألوان الثياب الكردية التي تحاول التعويض. وربما لا تكون الأمور موضوعية إلى هذا الحد، فالألوان موضوعة بآلية عبثية في كثير من الأحيان، من دون أن تفلت المساحة، أو يفقد الفنان السيطرة عليها، فلا بأس بشيء من السوريالية التي تكسر البنية الأحادية للوحة، تلك التي تبقى متوازنة رغم اعتمادها صيغاً حرة وعفوية تتبدل بين لوحة وأخرى. البناء العمودي هو الأكثر حضوراً، مع البناء المنحني، لكون ذلك أكثر إشعاراً بالحركة والخطر في آن. تبتعد الألوان بعبثيتها عن أي تأنق، بل يعمل الفنان فيها تحفيراً وتسييلاً تاركاً للصدفة فسحة وحضوراً، وتاركاً لذاكرة الطفولة مساحة واسعة ترتع فيها، حتى أنه يتعمّد في لوحته أحياناً الرسم بمزاج الأطفال، وبخطوط تحضر بقوة على حساب التصوير اللوني، بل أحياناً بما يشبه الخطوط الغرافيكية السريعة. يستخدم الفنان أحياناً ألواناً شديدة الإضاءة، لكن الألوان المعتمة والأسود ومساحات الأبيض الواسعة كفيلة بامتصاصها. ولا تغيب في أي حال بعض الحالات التي تؤشر للزخرفة والأجواء الشرقية، لكنها مجرد إشارات أو إيماءات لا تحتل مساحات طاغية، فهي أولاً وأخيراً واحدة من التماعات الذاكرة التي تغلب بحضورها الفنان، وربما يستدرّها لاوعيه المتّقد. والأرجح أن ذاكرة الألوان عند كولي هي السبّاقة، وهي التي تتوالد منها الأشكال والألعاب وخرافات أيام زمان، لا العكس، إذ إن ذاكرة الفنان طافحة بالألوان قبل أي شيء آخر، أو لنقل إن الألوان هي التي تتذكر، أو هي محطات الذاكرة عنده، إذا غيّمت توارت الأشكال وتحولت إلى ظلال، وإذا سطعت عامت الأشكال وجاهرت بحضورها. لا يبدو نهاد كولي، في أي حال، مستقراً في لوحته وتوجهه الفني، فالقلق عنوان بحث لا ينتهي، وعنوان لوحة مفتوحة على كل أساليب التعبير البصري، وعلى تقنية مندفعة نحو الكثير من التجريب، المرتكز على فهم ثابت لأسرار المهنة وأسرار الإبداع.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة