As Safir Logo
المصدر:

الأرابيــش والعاميتــان الإنكليزيــة واللبنانيــة لغات الإنترنت والهاتف المحمول.. لغات الشباب

المؤلف: الغفري ريفالا التاريخ: 2009-11-13 رقم العدد:11446

المشهد الأول: يروي أحد الشعراء البارزين انه كان يجلس في ايام شبابه في احد مقاهي الحمرا مع رفاق له، ويبدأ بإطلاق كلمات عربية صعبة بصوت عال، وغالباً ما كان يحفظ هذه الكلمات من القواميس و أحيانا يعمد الى اختراعها للفت انتباه الفتيات وجذبهن، لأن موضة الشباب في الستينيات والسبعينيات كانت في تسابق الشباب على حيازة لقب مثقف عبر قراءة الكتب وحملها اينما ذهبوا، و الإكثار من الكلام بعبارات غريبة يصعب فهمها من الآخرين. و يشير الشاعر نفسه الى ان الشاعر عصام عبد الله كان احد ابرز نجوم تلك الحقبة كونه كان الأقدر على «ابتداع الشعارات وخلق الحماسة في صفوف الجماهير التي كانت تخرج في مظاهرات دفاعاً عن قضايا الامة». المشهد الثاني: الألفية الثانية و الصورة مختلفة. يمر نبيل الخمسيني وابنه جاد قرب احد المطاعم في شارع الحمرا، يحاول نبيل قراءة اسم المحل لكنه يعجز، يسأل جاد فيجيبه ضاحكا: «كعكاية». نبيل ليس أمياً لكنه لا يعرف الطريقة التي استحدثها الشباب من عمر جاد في كتابة العربية بلغة جديدة من الاحرف اللاتينية و الارقام، وهي لغة مستوحاة من لغة الانترنت وأحاديث الـ«ام اس ان» وغرف المحادثة. قد لا يكون هناك رابط بين المشهدين سوى دلالتهما على ان لكل حقبة شبابية موضتها و لغتها التي تستدعي الكثير من النقاش و الاعتراض احيانا. واذا كان الهدف من هذه السطور هو إلقاء الضوء على لغة الشباب في الألفية الثانية، فمن البديهي القول إن هذه اللغة ولدت مع انتشار استخدامات التكنولوجيا الحديثة من خلال الانترنت و الهاتف المحمول. عندها انتشرت رموز و مفردات لغوية جديدة بين اوساط الشباب كونهم اكثر المستخدمين لهذه التكنولوجيا. و تترجم هذه الرموز أحرفاً عربية بعينها مثل استخدام رمز «7 « الرقمي للتعبير عن حرف الحاء، وقد تعبر هذه الرموز عن اختصارات لجمل لغوية كاملة، مثل استخدام مصطلحي «دلت و كابير « و هما اشتقاقان من اللغة الانكليزية يشيران الى امري delete بمعنى إلغاء و copy بمعنى نسخ. اما ميزة هذه اللغة الجديدة فهي في كونها غيرعربية ولا انكليزية، و إنما مزيج من اللغتين تعرضت الى النحت اللغوي فأصبح اسمها «الأرابيش» كما يسميها الشباب، اي الجزء الاول من كلمة Arabic و الجزء الأخير من كلمة English . و ميزة هذه اللغة الشبابية ايضاً إنها ذكية و مبتكرة، بحيث استطاعت ان تجد بدائل انكليزية لكل الاحرف العربية من دون استثناء. فحرف الحاء اصبح يرمز له بالرقم 7 لتقارب رسميهما، و بدل القول مرحباً بحرف h بات يكتب بالرقم و صار من الممكن القول mar7aba اثناء المحادثة الالكترونية، فيفهم انها مرحباً و بنطقها العربي. وكذلك هي الحال بالنسبة لأحرف العين الذي يشبه رقم 3، فيمكن القول «ala3» بدل كلمة «على»، ويسري الامر على الهمزة التي تستبدل بالرقم 2 وحرف الطاء الذي يشبه الرقم 6 و الصاد الذي يستعاض عنه بالرقم 9 المشابه له. كما يعمد المتحدثون «بالأرابيش» الى إضافة نقاط على هذه الارقام لترمز الى حرفي الضاد او الظاء و لم يكن هذا الابتكار بالامر السهل، لكن الحاجة دائما ام الاختراع. فمن خلال الملاحظة الدقيقة توصل مستخدمو الانترنت من الشباب الى اكتشاف التشابه بين رسم عدد من الارقام الانكليزية و بين شكل بعض الاحرف العربية التي لا يقابلها احرف تشابهها بالنطق باللغة الانكليزية او الفرنسية، ما اوصلهم الى ابتكار لغة كاملة (يمكن القول إنها عربية) و بالأحرف الانكليزية. ولا يقتصر استخدام هذه اللغة المبتكرة على من يجهل اللغة الاجنبية، فقد لجأ مستخدمو الانترنت العرب الذين يعيشون في دول اجنبية الى هذه الوسيلة ايضاً للتعبير باللغة العربية عن افكارهم و لكن بأحرف اجنبية. هبّات لغوية على مر الحقبات كان للشباب لغتهم الخاصة جزئياً عن لغة الراشدين. عبر تعابير وصور كلامية لا يفهمها سواهم وتختلف جذرياً من جيل لآخر ليتناقض معناها كلياً في بعض الاحيان. وكانت و لا تزال هناك هبّات لغوية مبتكرة مستقاة تارة من مسلسل تلفزيوني (كالعبارات التي ينطقها علوش في مسلسل الدنيا هيك في الثمانينيات وكلام العقيد في مسلسل باب الحارة والتي يحفظها الكثير من المراهقين اليوم عن ظهر قلب)، وطوراً من دور سينمائي بارز و لافت استقطب عدداً كبيراً من المعجبين به. ففي السبعينيات بات كل الشبان يتكلمون لغة «يا انا» تيمنا بشخصية تلفزيونية لشاب دلوع كان يطعَم كلامه بهذه العبارة التي تتكرر عشرات المرات في جملة مفيدة واحدة. كما سبقتها لغة العصفورية التي قضت بتقسيم الكلمة الى مقاطع لفظية تتكرر تناغما مثل زقزقة العصافير . يفسر باحثون اجتماعيون سبب اختيار الشباب ثقافة ولغة خاصة بهم بأنه تمرد على النظام الاجتماعي، لذلك ابتدعوا لوناً جديداً من الثقافة لا يستطيع احد فك رموزها غيرهم. لكن الخبراء التربويين يقولون إن «استعمال الشباب لغة خاصة بهم ليس تمرداً وإنما نوع من الهروب من المجتمع، وعلى الكبار احترام لغتهم الجديدة وعدم الاستهزاء بها ما دامت لا تتعارض مع الآداب العامة في المجتمع». و فسر هؤلاء الباحثون لجوء الشباب الى لغة حديثة موازية بوجود شعور بالاغتراب لديهم يدفعهم للتمرد على النظام الاجتماعي و تكوين عالمهم الخاص بعيداً عن قيود الآباء». ويشير هؤلاء ايضا «الى الانترنت ليس وحده المسؤول عن تغيير لغة الشباب، فالعديد من المصطلحات الاجنبية المنتشرة بين الشباب سببها استخدام الانكليزية كلغة تعامل في بعض أماكن العمل، اضافة الى عدم اهتمام الجامعات بتعليم اللغة العربية وصولا الى الدراما العربية والتركية و ما تقدمه في المسلسلات و الافلام من الفاظ شاذة». رأي الشباب يؤكد عدد كبير من الشباب المستخدمين للغة الأرابيش ان استخدام الرموز والارقام في كتابة الرسائل القصيرة او في الـ«الشات» عبر المحادثات عبر الانترنت اصبح من الضروري، اذ تشير لمى سبيتي «الى ان هذه اللغة يعينها على الكتابة بشكل اسرع مما يقلل تكلفة المخابرة الهاتفية ويساعدها على سرعة الحصول على المعلومة التي تريدها». ويقول وسام تميم «إن الأرابيش هي الطريقة الاسرع في التواصل وتبقيه على تواصل مع الاصدقاء برموز لا يفهمها غيرهم»، ويضيف» انه ليس شرطاً ان تكون تلك الرموز استمرارا لكنها تعطي نوعا من الخصوصية»، وتقول شنتال سيف « ان استخدام الرموز و الارقام في كتابة الرسائل القصيرة ليس لأنها سهلة بل لأنهم اعتادوا على استخدامها على الرغم من انها تحتاج الى معرفة رموز جديدة»، ويلفت محمود زين « ان هذه اللغة قد خرجت من المحمول و الشات لتكون لغة يومية، فقد اصبحت لغة تخاطب ليس فقط عبر الرسائل القصيرة بل في توجيه رسائل مشفرة بين الطلاب اثناء اليوم الدراسي و بعد انتهائه». لغة التفاصيل اليومية على طول شوارع بيروت و ضواحيها يصادف المرء أفراناً و مطاعم ومحال تجارية تتبع اسلوب نفسه في كتابة اسمائها أي تستعمل لغة الأرابيش، ففي منطقة الاشرفية نجد شوارع مملوءة بأسماء غريبة مثل «مشروحة» و قد استبدل حرف ح برقم 7 ، و هو رمز هذا الحرف بلغة الانترنت. ويقول ايلي بو رعد (صاحب محال و مطعم) «ان هذه اللغة هي لغة العصر وعلينا ان نواكب التطور لكي نجذب اكبر عدد من الشبان»، ويضيف»لم يعد الامر فكرة جديدة او مبتكرة و لا حكراً على مطعم من دون آخر اذ نجد ان معظم المطاعم تتبع هذا الاسلوب». و من اشهر المحال التي تتبنى لغة «ام اس ان» او لغة الارابيش مطعم «علبال كافيه « و«ع كيفك» حيث استبدلت العين برقم 3. من ناحية اخرى نجد من اعتمد التسمية العربية بأحرف لاتينية فنجد مطعم balilas ومطعم zaatar w zeit و مقهى شيشا في الاشرفية. يقول جويل شلهوب «عندما ارى اسم محل مميز ومكتوب بلغة مختلفة يجذبني الدخول اليه لأنه يوحي لي بأنه مكان خاص للشباب، وهذا النوع من المطاعم و المقاهي هو ما ابحث عنه انا و أبناء جيلي». و تقول رانيا حدادة «ان الاسماء التي كانت تسمى بها المطاعم القديمة لم تعد دارجة و هي لا تشجع على الدخول اليها، اقله هذا ما اشعر به شخصيا». لغة عامية إنكليزية الى جانب لغة الأرابيش يتداول الشباب اللغة الانكليزية العامية للتواصل فيما بينهم. وتلعب الارقام ايضاً دوراً مهماً في هذه اللغة ايضاً، خاصة الرقمين «2» و«4» اذ تستعمل مكان كلمتي «الى» او (to) و«لأجل « او (for)، لكن التطور الأكثر إثارة للاهتمام هو تبني الرقم 3 كبديل للحرف e و الرقم 8 كبديل للاحرف الثلاثة eat فتكتب كلــمة 8gr بــدلا من great. ومن المختصرات العامية التي طرأت على اللغة الانكليزية ايضا استعمال حــرف u بدلا من you و ur بدلا من your، و4 b بدلا من before و cu بدلا من see you . ويشير العارفون في شؤون اللغة الانكليزية الى انه غالبا ما تكون المصطلحات العامية الانكليزية قصيرة العمر حتى تلك الاكثر انتشاراً، فمن خلال عملية الانتقاء الطبيعي لا تبقى على مر الايام الا الكلمات القوية فقط، اما جاذبية هذه اللغة العامية فهي في خلقها الفرصة لكل جيل في تشكيل معجمه الخاص، وينتج عن ذلك ظهور كتلة لغوية لعوب تستعمل بسبب التحسس بمتعتها اللغوية. فخلال الثلاثينيات والاربعينيات من القرن الماضي كانت ثقافة «السوينغ» و «جيترباغ» هي التي اخترعت لغة موضة تلك الايام. اما خلال الخمسينيات فكان الشعراء الذين نادوا بالشعر الحر كطريقة في التعبير تجسد رفضهم لقيم الطبقة الوسطى و المسؤولون عن اختيار و اذاعة الاسطوانات في الاذاعات. وفي ايام الستينيات جاء التغيير من خلال الهيبيين . في حين انه ترتبط عامية اللغة الانكليزية بثقافة الهيب هوب و موسيقى الراب . عامية العربية و الحديث عن العامية التي طرأت على اللغة الانكليزية يقود ايضا الى الحديث عن عامية اللغة العربية، مع وجه اختلاف ان هذه الاخيرة لم تجد لهــا طريــقاً بين رســائل الـ «اس ام ان »، لكنها احتلت حيزا من لغة المدونات الشبابية على الانترنت، وقد طرأت تغييرات وتبدلات على قسم من الفاظها على مر الزمان و اختلاف البلدان. اما اول ما نلاحظه في هذه اللغة العامية على سبيل المثال فهو اغفال الاعراب والتسكين اواخر الكلمات طلبا للسرعة في الأداء، بالإضافة الى التبديل في الاحرف ، كإبدال حرف القاف بالهمزة وفي تغيير حروف الكلمة كقول «سايغ» بدل صائغ، وتقصير الاحرف الممدودة كما في صحرا بدل صحراء.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة