As Safir Logo
المصدر:

محاولــة فــي ســلطنة المُثــنّى

اللبناني سمير خدّاج (مواليد 1939)
المؤلف: شمس الدين محمد علي التاريخ: 2009-11-06 رقم العدد:11440

«يا ساقيي أخمر في كؤوسكما أم في كؤوسكما همّ وتسهيد» (المتنبي) 1ـ واحد (أحد)... اثنان... ثلاثة عن المثنّى نبحث.. ولكن، من أعجب ما قرأت قولة لابن عربي، الأندلسي المولد، الدمشقي القبر والمقام، يقول فيها «إن الأحد لا يكون عنه شيء البتة، وإن أول الأعداد إنما هو الإثنان». (رسائل ابن عربي). والحال، أن في مثل هذا المقال، ما يثير التفكر. قال ابن الأثير: «في أسماء الله تعالى الواحد.. قال الأزهري: وأما اسم الله عز وجل «أحد» فإنه لا يوصف شيء بالأحدية غيره» (يُنظر لسان العرب لابن منظور جذر أ ح د). ... وهكذا نكون في العدد فنقع في اللغة، ونكون في اللغة فنقع في الدين، ونكون في الدين، فنقع في الفلسفة.. وفيه أيضا (أي في ابن منظور) ان الواحد من صفات الله تعالى. وفي الحديث أن آية «قل هو الله أحد» تعدل ثلث القرآن. والفرق بين الواحد والأحد أن الأحد شيء بُني لنفي ما يذكر معه من العدد، والواحد اسم لمفتتح العدد. تقول: «ما جاءني أحد».. وقيل: الواحد هو الذي لا يتجزأ ولا يُثنّى ولا يقبل الانقسام ولا نظير له ولا مثل ولا يجمع هذين الوصفين إلا الله تعالى» (وفيه) أيضا ان الواحد أول عدد الحساب وقد ثُنيّ على واحدين. أنشد ابن الأعرابي «فلما التقينا واحدين علوته...» وجُمع بالواو والنون «واحدون»، قال الكميت: «.. فقد رجعوا كحيّ واحدينا»... الخ. في النظر في مجمل ما ورد حول «واحد» و«أحد» لدى كل من ابن عربي وبعض مفسري القرآن والحديث، يلوح ما يشبه التعارض لجهة أن الواحد أول عدد الحساب، في حين أن ابن عربي يعتبر أن أول الأعداد إنما الاثنان، ولجهة الفرق بين الواحد والأحد، فالبعض يمزجون بينهما، أما ابن عربي فيخص الأحدية بتفسيره، وربما ميز بين الواحد والأحد... وهي على كل حال (أي هذه التناظرات والافتراضات) من علامات خصوبة الفكر واللغة في آن. ولو تبحرّنا في الواحد والاثنين والثلاثة، وسائر الأعداد، لوجدنا أنه يتقاطع فيها علم الحساب والفلك مع الدين والفلسفة، وقد كان لعلماء اليونان القدماء والهنود، ومن بعدهم للعلماء والفلاسفة المسلمين، دراسات وافتراضات حول خصائص الأعداد، وأدوارها ومراتبها، وأسس فيثاغورس عليها فلسفته، كما أسس إخوان الصفاء فلسفتهم عليها... ومن بينهم أبو العلاء المعري في كثير من شعره المثقل بالرموز العددية، بخاصة في «لزوم ما لا يلزم» و«سقط الزند»... وأهم من كشف عن أسرار هذا الشعر وأبعاده الفلسفية ورموزه المتصلة «بإخوان الصفاء» الباحث اللغوي الشيخ عبد الله العلايلي، في كتابه الفريد «المعري ذلك المجهول».. لقد كشف العلايلي أسرار المعري وعرّف بها، وهو بدوره (أي العلايلي) يحتاج حتى اليوم لمن يكشف عن أسراره ويعرّف بها... نكون في «المثنّى» فنقع في الواحد والثلاثة... وسائر الأعداد، ونقع أيضا في الأشعار والآيات.. ولا تنفد الأسئلة ومعها الافتراضات. فأعظم ما اخترعه العرب «الصِفر» وهو ليس من الأعداد بل من الأفكار الفلسفية.. ونسأل أيضا: لماذا الرقم «أحد عشر» في الآية الكريمة: «... وإذْ قال يوسف لأبيه يا أبتِ إني رأيتُ أحدَ عشر كوكباً والشمسَ والقمرَ رأيتُهم لي ساجدين..»؟. فلماذا «أحدَ عشرَ كوكباً»، وليس اثني عشر أو أقل أو أكثر؟ ما العلامة وما المعنى وما السر؟.. نسأل، ونعود إلى الاثنين، قائلين «الله أعلم». 2ـ إثنان... الجمال المحض أفترض أن الخطاب العربي بالمثنّى في الشعر والقرآن، خطاب جمالي محض.. ويعوّل فيه على سحر البيان والأثر الموسيقي للصوت في النفس البشرية. وقد نشأت تفسيرات كثيرة، قديمة ومحدثة، حول خطاب المثنّى في الشعر والذِكر، لعل أقدمها عائد للزوزني في شرحه للمعلقات السبع، حيث شرح السبب في تثنية النداء لدى أمرئ القيس في مطلع معلقته الشهيرة: «قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ بسقْط اللوى بين الدخولِ فحومل» بقوله، مسنداً قوله لقول آخر: «قيل خاطب صاحبيه، وقيل خاطب واحدا، وأخرج الخطاب مع الاثنين، لأن العرب من عاداتهم إجراء خطاب الاثنين مع الواحد والجمع. من ذلك قول الشاعر: «فإن تزجراني يا ابن عفّان أنزجر وإن تدعاني أحمِ عِرضاً ممنّعا» خاطب الواحد خطاب الاثنين... وإنما فعلت العرب ذلك لأن الرجل يكون أدنى أعوانه اثنين: راعي إبله وراعي غنمه، وكذلك الرفقة أدنى ما تكون ثلاثة، فجرى خطاب الاثنين على الواحد لمرور ألسنتهم عليه... ويجوز ان يكون المراد به: «قِف قِف» فإلحاق الألف إمارة دالة أن المراد تكرير اللفظ، كما قال أبو عثمان المازني في قوله تعالى: «قال ربّ أرجعون» المراد به أرجعني أرجعني أرجعني... جُعلت الواو علماً بأن المعنى تكرار اللفظ مراراً...الخ». يلاحظ على افتراضيات الزوزني أنها مسنودة لآخرين سابقين عليه من خلال «قيل» و«قيل».. وهو بعد مروره بسرعة على افتراض المخاطبة لصاحبين حقيقيين، ينحو نحو اعتبار الخطاب أتى بصيغة المثنّى، ولكنه في الحقيقة إما لمفرد أو لجماعة، فقد استعملت العرب ذلك، أي خطاب المفرد بصيغة المثنّى وخطاب المفرد بصيغة الجماعة.. ويعلل الافتراضات بالأمثلة... ونسأل: لماذا يقفز الزوزني فوق المثنّى وخصوصيته في العربية من دون سائر اللغات، لكي يرجّح إما أحادية الخطاب أو جماعيته؟. ونسأل: أين جمال المثنّى؟ ولماذا القياس على الاستثناء، وليس الذهاب مباشرة للأصل في الخطاب؟.. والأصل هنا اثنان، أما الاستثناء فواحد أو جماعة. صحيح أن في العربية صيغاً بديعة، تستند إلى القلب والإبدال والرَوْم وما إلى ذلك، ومنها على سبيل المثال ثنائية معنى «مولى» فهي في وقت واحد، عبد وسيّد... وغالباً ما استعمل المتنبي مع كافور، مثل هذه الحيل اللغوية، وكُتبت كُتبا في ضديات (قلب) أشعار المتنبي في كافور... ومنها أيضا الإثبات بصيغة النفي مثل بعض الآيات القرآنية حيث يرد «لا أقسم بيوم القيامة» والمعنى «أقسم».. الخ... لكن حمل خطاب الاثنين في معلقة امرئ القيس على أنه خطاب واحد أو جماعة (قياساً على الاستثناء)، انما ينطوي على تضييع اللقيا الجمالية الخاصة بالعربية في هذا الخطاب. فلماذا تكون صحبة العربي في باديته، على وجه التخصيص، راعي إبله وراعي غنمه، ولماذا لا تكون صحبته ممن هم مثله في العيش والمكان والزمان، وهم مفرد وإثنان وثلاثة فأكثر...؟ السؤال يبقى: لماذا خطاب اثنين لا واحداً ولا ثلاثة فأكثر؟ ما سرّ الاثنين في الخطاب؟... ولماذا اختصت العربية في صرفها ونحوها وفي حالتي المذكر والمؤنث على السواء، وفي الحاضر والغائب، والمتكلم والمخاطب، بوجود ضمائر وأسماء إشارة وأسماء موصولة، مختصة بالمثنى، فتقول: هذان وهاتان، واللذان واللتان... وعلى هذا الاساس تتصرف الافعال فتقول: كانا وكنتما وحضرا وحضرتا... الخ... في حين ان ذلك يكاد يكون مفقوداً في سائر لغات العالم، فهي تنتقل من المفرد الى الجمع، وينضوي الاثنان في الجمع بلا تميّز؟. بعد اجتهاد الزوزني في التفسير، وهو الأقدم في هذا الباب، حصلت محاولات من بينها مقالة «خطاب المثنى في الشعر العربي» لمحمد الجندي أبو وضاح (يُنظر موقع دروب Doroob في الانترنيت) ويعرض فيها لشواهد شعرية كثيرة من خطاب المثنى، ويطرح اسئلة حول الأسباب، منها: ـ هل السبب صحراوي جغرافي؟ (ثقافة المكان). ـ هل السبب إيمان بوجود عالمين؟ ـ هل هي تنوية الروح والجسد، ونظرية القرين الملهم؟ ـ هل تتصل المسألة بالعدد؟.... الخ. وتأتيه تعليقات على ذلك من قراء وباحثين، من بينها قول احدهم «الغاية تعذيب المتكلم»، وآخر يرى انها «ظاهرة تراثية ماتت، وهي لا تستخدم في الشعر العربي المعاصر». أما التعليق بتعذيب المتكلم فيثير الابتسام. وأما انها صيغة تراثية منقرضة فغير صحيح... (ولهذا بحث آخر)... إلا ان ما يثير الاهتمام، هو عدم الاهتمام بجمالية خطاب الاثنين وسحر بيانه وموسيقى صيغته. وهو ما نميل إليه ونعتبره الاساس الذي يليه كل افتراض آخر. 3ـ ... بعد الصحراء قبل المعنى لا يمكن ان يفسّر خطاب المثنى في الشعر العربي، بأصله الصحراوي وحده، بدءاً بامرئ القيس و«قفانبك...» ذلك ان هذه الصيغة امتدت في الازمنة العربية بعد امرئ القيس ولا تزال حتى اليوم... كما انها ليست مقتصرة على الحزن والوقوف على الأطلال، بل تتعدى ذلك للسفر والإقامة والشراب... ولا يقصد منها بالتأكيد، لا الفرد بصيغة المثنى، ولا الجماعة بصيغة المثنى، بل يقصد منها المثنى بذاته كصيغة وكاثنين. انه سحر المثنى هو الذي جعل اسماء المُرّية تقول: «ألا خليا مجرى الجنوب لعلّه يداوي فؤادي من هواه نسيمها» وجعل مجنون بني عامر يقول مخاطباً جبلي نعمان: «أيا جبليّ نعمان بالله خليا/نسيم الصبا يخلصْ إليّ نسيمها». وهو الذي جعل ابن الرومي /قول: «يا خليليّ تيمتني وحيد...» والمعرّي يقول: «علّلاني فإن بيض الأماني/فنيت والظلام ليس بفانِ» والمتنبي يقول: «يا ساقييّ أخمر في كؤوسكما/أم في كؤوسكما همّ وتسهيد»؟ وهلّمجرا... وذلك لأنه، اولاً، خطاب الواحد للواحد قليل، وخطاب الواحد للكثرة (ثلاثة فما فوق) كثير، فليس، ثانياً، اجمل من الاثنين كوسيط بين الواحد والكثرة. وقد يقول قائل إننا عائدون بكل حال للكثرة. فالمخاطب واحد، والمخاطب اثنان، ما يصنع الثلاثة. ولكن ما هكذا جمال الصيغة يفسّر. الصيغة تؤخذ بحالها، بجمالها... وهذا هو المعوّل عليه. 4ـ قصيدة... وسورة (سلطنة المثنى) القصيدة التي يتجلى فيها جمال المثنى بأبهى صوره، هي مرثية مالك بن الريب لنفسه، تلك التي قالها وهو يحتضر، بعدما لدغته أفعى، وكان في جيش عثمان بن عفان غازياً، فأحسّ بالسمّ يتسرّب في أوصاله، فقال مخاطباً صاحبيه: «... فيا صاحبي رحلي دنا الموت فأنزلا/برابية، إني مقيم لياليا/أقيما عليّ اليوم او بعض ليلة/ولا تعجلاني قد تبيّن ما بيا/وقوما إذا ما استل روحي فهيئا/لي السدْر والأكفان ثم ابكيا ليا/خذاني فجُراني ببُرْدي إليكما/فقد كنت قبل اليوم صعباً قيادياً. وفي القصيدة كما هو واضح، سلطنة المثنى. وإذا كنا نبدأ بالشعر في هذه المسألة، فلأنه اقدم من القرآن. ...فالمثنى في الشعر الجاهلي سلطان صيغة وبلاغة وجمال... وقد استمر في ما تلا من شعر عربي حتى اليوم... ثم لمّا نزّل القرآن بعد الجاهلية، فإنه ثبّت جمالية هذه الصيغة، من خلال بيان المثنى في اكثر من موقع وآية، ولعل سورة المثنى بامتياز، هي سورة الرحمان، فإن قراءتها بل سماعها مرتلة، تجعل النفس تتماوج معها في سحر البيان، وفي موج من الصوت والنغم والترتيل، بحيث تتحول السورة بآياتها الثماني والسبعين، وتكرار «فبأي آلاء ربكما تكذّبان» احدى وثلاثين مرة فيها، وتوالي الثنائيات، عالماً خالصاً من سحر البيان، وسطوة الصوت والموسيقى، وسلطنة المثنى... فالسورة التي تبدأ هكذا «الرحمان» (الآية 1) «علم القرآن» (الآية 2). تتوالى بعد ذلك فيها الثنائيات بصيغتها: «الشمس والقمر بحسبان» (الآية 5). «والنجم والشجر يسجدان» (الآية 6). والحب ذو العصف والريحان» (الآية 12). فبأي آلاء ربكما تكذّبان» (الآية 16). «رب المشرقين ورب المغربين» (الآية 17). «مرج البحرين يلتقيان» (الآية 19). «سنفرغ لكم أيها الثقلان» (الآية 31). «ولمن خاف مقام ربّه جنّتان» (الآية 46). «ذواتا أفنان» (الآية 48). «فيهما عينان تجريان» (الآية 50). «فيهما من كل فاكهة زوجان» (الآية 52). «ومن دونهما جنتان» (الآية 62). «مدها مّتان» (الآية 64). «فيهما عينان نضاحتان» (الآية 66)... إلى ما هنالك من جمالية المثنى وسحره وسلطانه في العربية. فتأملْ.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة