توفى قبل يومين الكاتب المصري مصطفى محمود، الذي وصفته أقلام رثائية بقولها إنه «صاحب العلم والإيمان»، مشيرة إلى أن «الفقراء وصفوا يوم رحيله بالأسود». وذكرت معلومات صحافية مصرية أن غياباً حكومياً لافتاً للانتباه عرفته جنازة الراحل، في مقابل أعداد كبيرة من الفقراء وذوي الاحتياجات والأسر التي خصّص بها رواتب شهرية لمساعدتها. وجاءت وفاته صباح أمس الأول السبت عن ثمانية وثمانين عاماً، بعد صراع مع مرض السرطان، وبعد عزلة عاشها طويلاً، علماً أن وطأتها ازدادت حدّة عليه بسبب فقدانه الذاكرة، عقب جلطة دماغية. ولد مصطفى محمود في مدينة «شبين الكوم» في محافظة المنوفية، في السابع والعشرين من كانون الأول 1921، في عائلة منتمية إلى الأشراف، ومنتهية إلى عليّ زين العابدين. درس الطبّ (متخرّج العام 1953، لكنه تفرّغ للكتابة والبحث بدءاً من العام 1960، واضعاً نحو تسعين كتاباً علمياً ودينياً وفلسفياً واجتماعياً وسياسياً، بالإضافة إلى عدد من المسرحيات وقصص الرحلات، و«تميّز أسلوبه بالجاذبية والعمق والبساطة في آن واحد». كما قدّم 400 حلقة تلفزيونية في برنامجه المشهور «العلم والإيمان»، وأنشأ في العام 1979 مسجداً في القاهرة عُرف باسم «مسجد مصطفى محمود»، ألحقه بثلاثة مراكز طبية مهتمّة بمعالجة ذوي الدخل المحدود، يقصدها مصريون كثيرون بسبب سمعتها الطبية الحسنة. كما شكّل قوافل للرحمة من ستة عشر طبيباً، وضمّ المركز أربعة مراصد فلكية ومتحفاً للجيولوجيا يُشرف عليه أساتذة متخصّصون، ويضمّ صخوراً غرانيتية وفراشات محنّطة بأشكال متنوّعة، وبعض الكائنات البحرية. في أوائل القرن الفائت، كان الإلحاد تياراً واسع الانتشار. ولم يكن حسن البنا قد ظهر بعد ليشكّل أكبر فصيل إسلامي عربي: «إنها الفترة نفسها التي شهدت نشر مقالة «لماذا أنا ملحد؟» لإسماعيل أدهم، وصدور «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، وخوض نجيب محفوظ التجارب الأولى في المعاناة الدينية والظمأ الروحي». لكن مصطفى محمود ابتعد حينها عن الأضواء، من دون أن يبتعد عن الموجة السائدة يومها. عاش في طنطا، إلى جوار «مسجد السيّد البدوي»، أحد مزارات الصوفية المشهورة في مصر، «ما ترك أثراً واضحاً على أفكاره وتوجّهاته». بدأ حياته متفوّقًاً في الدراسة، إلى أن ضربه مدرّس اللغة العربية، فغضب وانقطع عن الدراسة ثلاثة أعوام متتالية، انتهت بعد انتقال المدرّس إلى مدرسة أخرى. في منزل والده، أنشأ معملاً صغيراً لصناعة الصابون والمبيدات الحشرية، بهدف قتل الحشرات وتشريحها. أُطلقت عليه صفة «المشرحاتي»، بسبب كثرة وقوفه أمام أجساد الموتى، طارحاً أسئلة الحياة والموت وأسرارهما وما بعدهما. نقد الذات اتّهم محمود مراراً بأنَّ أفكاره وآراءه السياسية متضاربة إلى حد التناقض، على نقيض ما كان يراه، لأنه أكّد دائماً أنّه ليس في موضع اتهام، وأنّ اعترافه بأنّه لم يكن على صواب في بعض مراحل حياته «ضربٌ من ضروب الشجاعة والقدرة على نقد الذات»، وهذا شيء «افتقر إليه كثيرون ممن يُصابون بالجحود والغرور، ما يجعلهم عاجزين على مواجهة أنفسهم والاعتراف بأخطائهم». ففي الستينيات مثلاً، التزم محمود الفلسفة الوجودية: «احتاج الأمر إلى ثلاثين عاماً من الغرق في الكتب، وآلاف الليالي من الخلوة والتأمل مع النفس وتقليب الفكر، كي أقطع الطرق الشائكة، من الله والإنسان إلى لغز الحياة والموت، إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين». ثلاثون عاماً من المعاناة والشك والنفي والإثبات. ثلاثون عاماً من البحث عن الله، «قرأ فيها عن البوذية والبراهمية والزرادشتية، ومارس تصوّف الهندوس القائم على وحدة الوجود، حيث الخالق هو المخلوق، والرب هو الكون في حدّ ذاته، والطاقة الباطنة في المخلوقات كلّها». وأشار البعض إلى أنه في فترة شكّه، «لم يلحد ولم ينفِ وجود الله بشكل مطلق، لكنه كان عاجزاً عن إدراكه، وعن التعرّف على التصوّر الصحيح له: هل هو الأقانيم الثلاثة، أم يهوه، أم «كالي»، أم ماذا؟». صهرته هذه التجربة بقوّة، وصنعت منه مفكّراً دينياً خلاّقاً. ثلاثون عاماً، أنهاها بما وصفه البعض بأنه «أروع كتبه وأعمقها»، أي «حوار مع صديقي الملحد» و«رحلتي من الشك إلى الإيمان» و«التوراة» و«لغز الموت» و«لغز الحياة»، وغيرها من الكتب الشديدة العمق في هذه المنطقة الشائكة. تعرّض مصطفى محمود لأزمات فكرية كثيرة، أولها عندما طلب جمال عبد الناصر بنفسه تقديمه للمحاكمة بناء على طلب الأزهر، الذي اعتبر أن كتابه «الله والإنسان» قضية كفر. لكن المحكمة اكتفت بمصادرة الكتاب. بعد ذلك، أبلغه أنور السادات أنه معجب بالكتاب، فقرّر طبعه ثانية. وهناك أزمة كتاب «الشفاعة»، إذ قال فيه إن الشفاعة الحقيقية غير تلك التي يروِّج لها علماء الحديث. حينها، هوجم بشدّة، وصدر أربعة عشر كتابا للرد عليه، منها مؤلَّف لمحمد فؤاد شاكر، أستاذ الشريعة الإسلامية: «كان ردّاً قاسياً للغاية من دون أي مبرر»، كما قال البعض، علماً أن هناك من اتهمه بأنه مجرّد طبيب لا علاقة له بالعلم. ولم يتعامل مع الموضوع بحيادية إلا المفتي نصر فريد واصل الذي قال إن محمود «رجل علم وفضل، مشهود له بالفصاحة والفهم وسعة الإطلاع والغيرة على الإسلام. ما أكثر المواقف التي أشهر قلمه فيها للدفاع عن الإسلام والمسلمين، والذود عن حياض الدين. وكم عمل على تنقية الشريعة الإسلامية من الشوائب التي علقت بها، وشهدت له المحافل التي صال فيها وجال دفاعاً عن الدين». واللافت للانتباه، أن الرجل لم ينكر الشفاعة أصلا، لأن رأيه ملخّص بالقول «إن الشفاعة مقيّدة»، معتمداً في تحليله على آراء علماء كبار، أبرزهم الإمام محمد عبده، «لكنهم حمّلوه الخطيئة وحده».