«إن تعريض المستوطنات في يهودا والسامرة للخطر يستجلب خطرا ملموسا على الحـرم القدسي وعلى شخصيات سياسية». (رئيس الشاباك يوفال ديسكين في أحاديث مغلقة). قبل بضعة شهور استدعى (أ) رئيس الدائرة اليهودية في جهاز الشاباك, أحد رؤساء المنظمة السرية اليهودية التي عملت هنا في الثمانينيات. وسعى رئيس الدائرة لمنح إيجاز لعضو المنظمة السرية الذي غدا هذه الأيام شخصية عامة وكاتباً سياسياً معروفاً, وأيضاً الحصول منه على تقديراته لما يحدث على الأرض. وأثناء الحديث جاء اسم يهودا عتسيون, من رؤساء المنظمة السرية تلك, والذي وضع خططاً مفصلة لتفجير مسجد عمر. وفي ذلك الوقت اعتبر عتسيون المهمة التي أخذها على عاتقه مجرد مهمة «تطهير لجبل الهيكل من سيطرة المسلمين من أجل تحقيق الفخر الكامل وإقامة مملكة إسرائيل الموعودة». وبعد اعتقال أعضاء هذه المنظمة حكم على عتسيون بالسجن لسبع سنوات. ويهودا عتسيون ممنوع من دخول الحرم القدسي. وهو يخضع لمراقبة دقيقة. وعندما يراه رجال الشرطة يمر أمامهم على بعد مئات الأمتار يغدون في حالة تأهب. وفي الشاباك يعرفون أنه العنصر الخطر في هذه اللحظة. وقالت الشخصية العامة لرئيس الدائرة اليهودية: «إنني لا أفهمكم. فأنتم تغلقون كل البوابات متى تشاؤون. ولديكم معلومات مسبقة عن كل شخص. والرجال ممن يعتمرون القبعات الدينية مشبوهون فوريون ويتم فحصهم بدقة. ليست هناك فرصة لرجل أن يدخل سكيناً يابانياً إلى باحة الحرم. مم تخافون؟». وافق رئيس الدائرة اليهودية على هذا الكلام. وأجاب: «إننا نخاف من أن تأتي المحاولة من الخارج. من شخص غير معروف يتموضع على جبل الزيتون ويطلق من هناك صاروخاً في يوم الجمعة نحو المسجد والمصلين». لا نستحق ذلك ويقول آساف فريد وهو يشد على بندقية كلاشينكوف يحملها: «أعترف بأنه يخطر ببالي أحياناً تفكير سيئ كهذا, بسبب كل الوضع الناشئ. وأنا أقول لنفسي لماذا لا أحمل قذيفة آر بي جي, وأصعد لمكان مرتفع وأطلقها من هناك نحو المسجد. وهذا أمر بسيط. اسأل الناس هنا. هل ترى. إنهم يهزون رؤوسهم موافقين. ولكن بعد ذلك أسأل نفسي: وماذا سأستفيد من ذلك؟ ماذا سنستفيد من ذلك؟ إن الحكومة الإسرائيلية ستنفق كل ميزانية الدولة على منح تعويضات للعرب. والعرب سيتحدون ويقيمون مسجداً أكبر عشرات الأضعاف مما لديهم اليوم وسيزينون قبة الصخرة بالماس مع صورة لامعة لمحمد, وحينها سنأكل أنفسنا أكثر. لم نفعل شيئاً جيداً». وآساف فريد, اختصاصي حاسوب, التقيت به يوم الأحد الفائت في شارع الملك جورج في القدس. وكان قد انتهى للتوّ في هيكل سليمان المجاور مؤتمر كبير للحاخامات المهمين والساسة الذين دعوا إلى إغراق الحرم القدسي بالزوار اليهود والسماح لهم بالصلاة في الأماكن المسموح الصلاة فيها في الحرم. وقد تبين أن هذا المؤتمر أشعل من جديد الاضطرابات التي كانت قد وقعت في الحرم مطلع الأسبوع. وقد خشي رجال الأوقاف في الحرم القدسي من غزو جماعي يهودي ولذلك فإنهم بالتعاون مع حلفائهم من الحركة الإسلامية ممن لا يفوتون فرصة للاستفزاز شرعوا بإلقاء الحجارة والزجاجات على رجال الشرطة. كما تمّ سكب الزيت على الأرضية لعرقلة حركة رجال القانون. وعلى الفور تمّ إغلاق الحرم. وانتهى الحادث باعتقال 21 فلسطينياً وإصابة شرطيين بجروح. وقد عقد المؤتمر في هيكل سليمان على خلفية المشاهد والتقارير القاسية لذلك اليوم. ولم يعرف أساف فريد نفسه من شدة الإحباط, ولم يكن وحيداً في ذلك الشعور. فمنذ شهر وهو يصل من بيته في مستوطنة «نغوهوت» في جنوبي جبل الخليل من أجل الوصول إلى الحرم القدسي. والطريق وعرة ومعقدة وانتهت مراراً بالخيبة الشديدة. وجاء في كتيب تمّ توزيعه على المشاركين في المؤتمر تحت عنوان «حقوق الإنسان في جبل الهيكل, تقرير متابعة رقم واحد» أن «الحجّ إلى جبل الهيكل بالنسبة لليهودي المتدين, يعتبر جزءاً من العبادة الأشد جوهرية. وقبل صعوده إلى الجبل عليه الاستعداد طوال ساعات ويشمل ذلك استحمام الجسد كله بشكل أساسي, والغطس في مغطس طاهر, واحتذاء نعل خاص وما شابه. وأثناء الصعود ينشغل المرء كله بالممارسة الدينية التي تشطفه بمشاعر تعتمل فيه بقوة داخلية كبيرة. وهو لا يريد الإخلال بالنظام. وفي الوقت نفسه يشعر اليهودي بأن الشرطي المرافق له يراقبه طوال الوقت ويمنحه الإحساس بأنه مشبوه أو قنبلة موقوتة, لا هدف له سوى أن يضع الحجر الأساس للحرب العالمية الثالثة. إن اليهودي يرى الشرطي الذي يرافقه يحافظ على الحد الأقصى من اليقظة, ينتظر اللحظة التي يرى فيها أن اليهودي يقدم على حركة خطيرة, مثل الانبطاح, أو تمزيق اللباس أو إخراج الأترج من الجيب وهو ما يكشف فوراً عن هدفه: تفجير الشرق الأوسط بأسره». ويعرف أساف فريد هذا النص عن قرب. والمرة الأخيرة التي صعد فيها إلى الحــرم القدسي كانت عـــشية يوم الغفران. في الساعة الرابعة فجراً أيقظ زوجته وأطـفاله الخمسة وأعدّهم لعمل البشارة. وذهبوا للصلاة في الكنيس في نغوهوت, وغطسوا في المغـــطس, وارتدوا أفضـل ملابسـهم, ورددوا مرات ومرات الصلوات التي سيهمسون بها على الجبل وخرجوا إلى القدس في الحر الفظـيع. وامتلأ فريد بالمـشاعر من جديد. في سن السادسة عشرة, عندما كان تلمــيذاً في المدرسة الدينية «نتيف مئير» المحافظة كان يهرب أيام السبت من أجل الوصول إلى الحرم القدسي, خلافاً لرأي الحاخامات الكبار الذين حظروا ذلك لأسباب توراتية. وعندما ضبط يقوم بذلك طرد من المدرسة الدينية. وبعد ذلك انتقل للدراسة في مدرسة الفكر اليهودي التي أنشأها الحاخام مئير كهانا. هنا لم يكن يوجد من يحذره من زياراته المتكررة للحرم القدسي مع أصدقائه. وفي الثامنة صباحاً وصــل فريد وعائلــته إلى الحرم. وبدأت عملية الانتقاء. فاليهـود ممن يبدو عليهم أنهم متدينون تم إيقافهم جانباً بعد أن أخذت منهم بطــاقات هويتــهم. ومرت مجموعات من السياح واليهود العلــمانيين بسرعة نسبياً ودخلوا إلى الحرم. وانتظر فريد وأفراد عائلته تحت الشمس الحارقة إلى أن انتهت عملية التدقيق. ولكن فجأة أغلقت بوابة الحديد الثقيلة في المدخل الغربي للحرم, وأعلن رجال الشرطة أن الجبل مغلق أمام الزوار وتم الطـلب من الجميع إخلاء المكان. وتبين أن مجموعة السياح تعرّضت للاعتداء قرب المسجد الأقصى, وأن الإشارة أعطيت لبدء الاضطرابات في المدينة في عيد العرش بتشجيع من الشيخ رائد صلاح ورجال الحركة الإسلامية وجماعة ناطوري كارتا اليهودية. وفريد يرفض أن يهدأ حتى اللحظة. فمشاعر الخيبة والمهانة القومية والشخصية تختلط لديه. كما أن دموع أطفاله الذين كانوا ينتظرون هذه الزيارة منذ شهور لم تتوقف عن الانهمار. وهذا ليس الوقت الذي تظهر فيه الأفكار السيئة. وهو يقول: «أنت تمر بسبعة أبواب جهنم وتعود خالي الوفاض. والسخافة تصرخ إلى عنان السماء. فجبل الهيكل, الذي ينبغي أن يكون رمز السيادة اليهودية, هو المكان الوحيد في البلاد الذي يمر فيه العربي من دون تفتيش واليهودي يمر بتفتيش. العرب يلجأون للعنف, ولكن يتم فحص اليهود المتدينين واحداً واحداً وتسجل أسماؤهم. فعين الأخ الأكبر مفتوحة. ما هذا إن لم يكن قمعاً؟ ما هذا إن لم يكن تنكيلاً؟». والصفعة التي يتلقاها المؤمن المتــشدد بجــبل الهيكـل تأتيه أيضاً من اتجاهات أخرى. فمعظــم الجــمهور الإسرائيلي يعتقد أنه متطــرف مهووس ساع للتــخريب. كما أن معظم الحاخامات لا يسمحون له بالصــعود إلى الحرم. وفي مدخل الحرم يشعر بأنه ضيف غير مرغوب فيه. وعلى الجبل يشعر بأنه مـثل اللص يخضع لمراقــبة دائمة من جانب شرطة حرس الحدود, ويقع تحت أنظـار كارهة من جانب المصلين المسلمين. ومحظور عليه الاقتراب من أماكن معينة في الحرم بموجب فتاوى دينية أو بحـسب تعليمات رجال الأوقاف الإسلامية الذين يمنعون الاقتراب من أماكن مركزية. كما أنه في خروجه من الحرب لا ينال الراحة. ففي مؤتمر هيكل سليمان تمّ عرض فيلم يبدو فيه شرطي يسمّى فادي بدر يخرج من الحرم منظم المؤتمر يهودا غليك. وسمع بدر وهو يشتم غليك بشتائم «ابن العاهرة» و«ابن الكلب» متهماً إياه ورفاقه بأنهم وراء كل الاضطرابات التي وقعت في الحرم في ذلك اليوم. وبالمناسبة, فإن من يظن أن فريد ورجال الحركات من أجل بناء الهيكل لا يصلون في الحرم مخطئ. قبل سنة صعدت إلى الحرم مع ناشط حريدي من حركة «إلى جبل المور», بعد غطس وصلاة مثلما طلب مني. وأثناء الجولة وقف الرجل قبالة مسجد عمر, وتظاهر بأنه يتحدث معي, لكنه كان يتلو صلواته بعمق. ولاحظه رجلان مسلمان فصرخا نحوه: «اخرج من هنا, يا كلب». أما آساف وعائلته فإنهم طوروا الطريقة و«يسرقون» الصلوات من دون إثارة شبهات. وقال: «إنني أشير للجبل, كما لو أنني أشرح للأطفال شيئاً وحينها أنهي الصلاة بدعاء التمجيد». وبعد ذلك أتظاهر بالتقاط الصور للأطفال من زوايا انبطاح وأقول لهم تحركوا إلى هنا أو هناك لكني في الواقع أنبطح». فهل من منطلق مشاعر الإحباط المركبة هذه سينمو المفجر المقبل الذي سيفجر الشرق الأوسط؟ يعتقد فريد تحديداً أن الرجال الذين يصلون بانتظام للحرم يمرون بسيرورة إيمانية متواصلة وطويلة ولن ينفذوا عملاً مثيراً وفوضوياً. والخطر يمكن أن يأتي من مكان آخر. فكل من يبحث عن المسيحانية أو أصيب بسيندروم القدس, أو واثق أنه المخلص, لن يسأل أحداً قبل أن ينهض ويحمل صاروخ غراد. كما أن هذا لن يأتي من صفوف جمهورنا. أنا أعرف الجميع. كما أن جهاز الشاباك يعرفهم». لا يتفهم لم يأت المتحدثون في مؤتمر هيكل سليمان من أجل تهدئة الخواطر. لقد جاؤوا من أجل تحفيز اليهود للصعود إلى الحرم. والقصة أشد تعقيداً ولا نظير لها. فمعظم الحاخامات يعارضون الصـعود للحرم, ولكنهم جميعاً يعلمون أن التواجد اليهــودي هناك هو ما يحافظ على السيطرة الإسرائيلية عليه. ولهذا الغرض فإن الأصوات الداعية لاحتلال الحرم تزداد وتتعاظم في كل يوم وهي تجر وراءها ردود فعل قاسية من الجانب العربي واضطرابات على أساس أسبوعي. كما أن جهاز الأمن العام (الشاباك) يريد أن يصل اليهود إلى هناك, ولكنه بالقدر نفسه يأمل استمرار الهدوء، ولذلك يزيد الرقابة. وهناك أيضاً أصوات أخرى, تزيد الارتباك الديني. فالحاخام شلومو أفنير من مستوطنة بيت إيل, رئيس المدرسة الدينية «عطيرات كوهانيم» في الحي الإسلامي في القدس الشرقية, وصف المشاركين في المؤتمر بأنهم «ثعالب صغيرة تخرب الكروم», وهو وصف يعتبر إهانة كبيرة بالمعنى التوراتي. وقد شهد المؤتمر الكثير من التــمرد. ولــست بحاجة لأن تكون مؤمناً حتى تخرج من المكان غاضباً. فكل واحد من المتحدثين أضاف بدوره مزيداً من الزيت على النار المستعرة. فقد حامت فوق رؤوس المتحــدثين طوال الوقـت أقوال «الرمبام» (الرابي موسى بن ميمون) الذي وصف الصعود للحرم, وكيف «دخلت للبيت الكبير المقدس وصليت فيه». وجميعهم شعر بأنه إذا كان الرمبام قد أفـتى, فإن الجميع ملزم بالفتوى. وقـال نائب رئيس بلدية القــدس, دافيد هداري إنه «ينبغي على الحكومة أن تقرر أن الحرم بأيدينا. وليس رجال الشرطة». وروى أنه توجه إليه قبل شهر عريس يبحث عن بعض الرماد في الحرم من أجل أن يضعه على رأسه, ولكن لم يكن بوسعه أن يساعده. وأضاف: «لقد أخرج المسلمون ستة آلاف طن من الرمل خارج الحرم, وليس لنا نحن حفنة رماد». أما الحاخام دافيد ليئور من كريات أربع, والذي يعتبر صاحب نفوذ كبير في المستوطنات, فقرر أن العدو الأكبر للحرم هو اللا مبالاة. «لا سلام لدينا ولا أمن, بسبب أن الجـمهور لا يصعد للحرم القدسي. إن هذا إظهار ضعفنا أمام كل أمم الأرض». وصرخ الحاخام ناحوم رابينوفيتش من مستوطنة معاليه أدوميم, والذي يعتبر شيخ القبيلة, نحو السماء. «إننا لا نريد الدخول للأقصى, ولكن أليس بوسعنــا الاستــلقاء على الجبل؟ ماذا يظن الأغراب بنا؟ يرون أننا نخاف منهم, لماذا لا يخافون هم منا؟ هل فقدنا البصيرة إلى هذه الدرجة؟ إن الله لا يفهم ذلك؟ لم نتنازل عن مكان أقداسنا. المئات والآلاف وعشرات الألوف سوف يصعدون إلى الحرم. حينها سيخجل الأعداء ويخافون». ويرسم الحاخام يعقوب ميدان, رئيس مدرسة هار عتسيون الدينية في ألون شفوت صورة الشخص الجدير بافتداء الحرم القدسي. وانتبهوا إلى أن النموذج عنده هو عزرا ناوي, من قادة اليسار المتطرف وعضو جمعية «تعايش», الذي حكم عليه في الأسبوع الفائت بالسجن لمدة شهر بعد أن حاول منع هدم بيت يملكه عربي جنوبي جبل الخليل. كما أن أوريت ستروك من الخليل تناسب المهمة. وستروك هي أم لأحد عشر طفلاً, تقيم في الحي اليهودي في الخليل, والتي تشارك في كل اقتحام أو إخلاء لبيت في المدينة. وأنهى رابينوفيتش كلامه: «إذا كانت لدينا مئة أوريت ستروك أخريات, فإن الحرم القدسي سيكون أيضاً بأيدينا». وكان الحاخام إسرائيل أرييل, رئيس معهد الهيكل قد اعتقل قبل 25 عاماً للاشتباه بأنه مع رفاق له حاولوا حفر نفق لاقتحام المسجد الأقصى عن طريقه. ولكن المحكمة برأته. وفي هيكل سليمان انفجرت الإحباطات وغضب أرييل على الجمهور الذي اختبأ كل واحد منه في بيته. وقال: «إننا نتحدث عن ناكري المحرقة, ولكننا ننكر الهيكل». أما باروخ بن يوسف, رئيس حركة إنشاء الهيكل, فذهب خطوة أبعد من ذلك. وأعلن: «لن يحدث شيء إلا إذا جلبنا معنا إلى الحرم ألف رجل يحملون الحجارة والزجاجات. فقط إن لم نكن لطفاء سننال الحرم». خطط التطهير وكما سلف, فإن أساف فريد لن يكون الشخص الذي سيفجر جبل الهيكل, رغم الأفكار الخربة التي تمرّ بخاطره. ولن يكون أيضاً باروخ بن يوسف مع الحجارة والزجاجات التي يحملها ولا أوريت ستروك شديدة البأس. ويمكن الافتراض بأن هذه الأسماء موثقة جيداً, كما هو حال كل المتدينين المتشددين في المستوطنات أو معتمري القبعات الدينية الذين يصعدون إلى الحرم. في يوم الاثنين زرت الحرم وكان أول سؤال سألني إياه رجال الشرطة الذين كانزا يميزون في باب المغاربة بين الإسرائيليين والسياح: «متى كنت هنا آخر مرة؟» ويمكن التقدير بأن كاميرات أجهزة الأمن كانت في مؤتمر هيكل سليمان ووثقت صور الجميع, وبالخصوص مرتدي الجلابيات البيضاء التي رسم عليها رمز الهيكل ممن تواجدوا هناك. ويعتبر نداف شرغاي, الباحث الكبير في مـركز شؤون الجمهور والدولة, الخبير رقم واحد في تاريخ الـحرم القدسي منذ حرب الأيام الستة. وقبل 14 عاماً نشر كتابه «جبل النزاع», الذي يحلل الصراع على الجبل بين اليهــود والمسلمين, بين الدين والسياسة. وقد تعرف عن قرب على معظم الرجال الذين حاولوا هدم المساجد وتتبع تاريخ كل واحد منهم. ويقول شرغاي: «إن الخشية الحقيقية اليوم تأتي من المخرب المنفرد, الذي لا يشرك أحداً في مخططاته. وهذا الرجل ليس مرتبطاً بحركات جبل الهيكل, وهو لا يذهب إلى مهرجاناتهم, ولكنه يعرف جيداً مادته. ويمكن الافتراض أنه سيكون غير متزن من نوع ألان غودمان, الذي أطلق النار على الحرم في العام 1982, وقتل اثنين وأصاب أحد عشر شخصا آخر بجروح. ويغئال عمير هو نموذج من هذا النوع, رغم أنه تجول في هذه الدوائر وكان بالوسع وضع اليد عليه في مرحلة مبكرة». لقد كان أول من فكر بتفجير مساجد الحرم الحاخام الأكبر لإسرائيل شلومو غورن, وفق ما كتب شرغاي في كتابه. ومنذ ذلك الحين جرت خمس محاولات جدية لتغيير وجه الواقع عن طريق العنف. وقد جرت ثلاث محاولات تفجير حتى اليوم بأيدي أناس غير متزنين: مايكل دينيس روهان, وهو شاب استرالي متشرد حرق المسجد الأقصى في العام 1969, ألان غودمان الذي كان شبه عاقل وشبه مجنون, وأجرى محادثات مع الله قبل أن يصعد للجبل, ورجال عصابة ليفتا, شمعون بردا, يهودا ليماي وعوزي محاسيا هكوهين, الذين كانوا الأقرب لتفجير الحرم العام 1984. وعلى الأقل فإنه في حالتين من هذه, غودمان وروهان, تداخل المرض النفسي مع الميل للتخريب مع خلفية أيديولوجية وكادت تنشب هنا حرب عالمية. أما في حالة عصابة ليفتا فتداخل الدين والضعف النفسي مع الميل الإجرامي. وعمل المخططون الآخرون من منطلقات أيديولوجية بحتة. فيهودا عتسيون من مستوطنة عوفرا, رجل المنظمة السرية اليهودية الذي اعتقل في العام 1984, كان رجلاً معروفاً في دوائر جماعة إوش إيمونيم في أواسط السبعينيات. والأمر الأخير الممكن قوله عنه هو أنه رجل غير متزن. فالحديث يتعلق برجل فكر وكتاب, فنان وكاتب قدير لا مثيل له. وكان شريكه في التخطيط لتفجير المساجد يشوعا بن شوشان الذي تلقى إلهامه من البحث في أسفار الكابلاه. وكذلك حال يوئيل ليرنر, العضو في حركة كاخ والذي حكم عليه في العام 1977 بالسجن ثلاث سنوات سجن بعد أن ترأس تنظيماً كان على وشك أن ينفذ عملية في الحرم, ولم يكن مجنونا. بل على العكس. الأمر يتعلق برجل تعليم أقام مدرسة ثانوية دينية في كريات شمونة وقام بالتدريس في مدارس ثانوية دينية في القدس. وفي يوم الأحد وصل يهودا عتسيون إلى المؤتمر في هيكل سليمان. وجلس في أطراف القاعة, سمع الكلام وأكل نفسه من الداخل. فبعد أن تحرر من السجن أقام حركة «حي وموجود», وواصل الدعوة لتدمير المساجد. وفي السنوات الأخيرة غير بعض الشيء من أساليبه وهو اليوم لا يعارض النشاط العنيف والضار للأفراد, ويعتقد أنه ينبغي إقناع الحكومات بتنفيذ «خطة التطهير». وحتى اليوم فإن عتسيون ليس على استعداد للصلاة في حائط المبكى, الذي لا يعني بالنسبة إليه أكثر من جدار جانبي يقف «خلف بيت الكفارات». وقد أفلح مرة أو مرتين في التسلل إلى الحرم القدسي مع مجموعات من السياح والصلاة هناك. وعندما لا ينجح, يصل عتسيون إلى منطقة التوحد الشخصي تحت مستوطنة بيت أوروت في حي الصوانة. ويلف نفسه برداء الصلاة, ويمد يديه إلى الجانبين قبالة مشهد الجبل ويتوجه إلى خالقه. ويبرر نداف شرغاي, يهودا عتسيون وآساف فريد تقرير رئيس الشاباك ديسكين الواردة أعلاه. فالناس الذين خططوا لتفجير الحرم قاموا بذلك رداً على خطوات سياسية شكلت في نظرهم خطرا كارثيا. ويكشف عتسيون النقاب عن أن الشبان الذين أقاموا في حينه «الحركة من أجل وقف الانسحاب من سيناء» فكروا في العمل في الحرم القدسي لقلب المعادلة. وعتسيون ليس على استعداد لرسم صورة الشخص الذي يمكن أن يسير على خطاه, لكنه يشرح نمط العمل المحتمل. ويقول إن «الرفاق في المواقع الاستيطانية يتعاملون اليوم وفق صيغة «التسعيرة». وإذا تم إخلاء موقع استيطاني فإنهم يرشقون الفلسطينيين بالحجارة, من أجل إلهاء الجيش بأماكن أخرى ونحو أفكار أخرى. ويمكن لهذا المبدأ أن يصل إلى الحرم القدسي أيضا. هذا هو الطريق الممكن الذي يمكن أن يغير قائمة الأسعار, وتقرير واقع جديد تماماً على القائمة». هل يمكن أن يحدث هذا؟ هل سينطلق الصاروخ؟ في كانون أول العام 1983, للتذكير فقط, بعد وقت قصير من تفجير الباص رقم 18 الذي شق طريقه في جادة هرتسل, أطلق دافيد بن شيمول صاروخ لاو على حافلة مليئة بالركاب العرب كانت تشق طريقها في شارع غاي بن هينوم. لم يكن أحد يعرف بن شيمول الظامئ للانتقام والذي كان جنديا في الخدمة النظامية. بالدرجة نفسها من الدقة يمكن للصاروخ أن يتوجه لمكان قريب آخر, أكثر تفجراً بمليون مرة. معاريف 30ـ10ـ2009