As Safir Logo
المصدر:

الإسلام التركي ينقذ الاقتصاد العلماني (1)

المؤلف: عياش غسان التاريخ: 2009-10-27 رقم العدد:11431

تحتفل تركيا منتصف هذا الأسبوع بالذكرى السادسة والثمانين لإعلان الجمهورية على يد مصطفى كمال أتاتورك. إنها ذكرى إلغاء السلطنة العثمانية بقرار تركي منفرد، وما رافق ذلك من قطع مع التراث الإسلامي وخروج من العالم العربي المجاور ومشاكله وقضاياه، بعد أن خضع لحكم السلطنة أربعة قرون كاملة. في هذا الوقت، يستحوذ دور تركيا الجديد في محيطها الإقليمي على اهتمام متزايد في المنطقة والدول المعنية بها. وهو يستكتب الباحثين والمحللين والمعلقين دون هوادة منذ أن خرجت أنقرة بقوّة عن القواعد التي التزمتها تركيا منذ عقود، فعزلتها عن التفاعل الإيجابي مع جيرانها العرب وقضاياهم المصيرية. ولكن، قلما جرت مقاربة هذا الموضوع من زاوية اقتصادية، بل جرى تفسيره غالبا بالاستناد إلى أبعاد سياسية، أو اعتبارات أيديولوجية، تتعلق بالالتزام الإسلامي لحزب العدالة والتنمية وزعيمه الصاعد رجب طيب أردوغان. لقد شهدت تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، منذ توليه الحكم سنة 2002، تطوّرات اقتصادية هائلة يمكن وصفها بالتاريخية. ومن المفيد قراءة هذه التطوّرات بدقة واهتمام، وعرض معطياتها ومؤشراتها الرئيسية، لعل هذه القراءة تساعد التحليل السياسي على اكتشاف بعد آخر للتطوّر التركي البالغ الأهمّية. لقد بنى النظام العلماني الذي أسّسه أتاتورك، وأوكل حمايته إلى الجيش، اقتصاداً ضعيفاً ومثقلاً بمشاكل جوهرية. ولم تستطع الطبقة السياسية، المنشغلة بأزماتها الخاصّة، أن تخرج البلاد من الاختناقات الاقتصادية التي تعاني منها. وبقيت هذه المشاكل تتفاعل حتى تحوّلت إلى أزمات بنيوية في التسعينيات من القرن الماضي. بين سنتي 1999 و2001 وصلت مديونية الدولة إلى مستويات تفوق قدرة الاقتصاد على احتمالها، ونجمت عن ذلك موجات من التضخم المفرط، وارتفاع جنوني لمعدّل الفائدة، وهروب الرساميل بكثافة إلى الخارج وانهيار سعر صرف الليرة التركية. يمكن القول إن هذه الأزمة ساعدت في سقوط الطبقة السياسية التقليدية في انتخابات سنة 2002 ووصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة. ورغم البيرق الإسلامي الذي يحمله الحزب، فقد اعتمد، بكفاءة ونجاح، العلاجات الليبرالية والغربية لمواجهة الأزمة، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي وتشجيع من الاتحاد الأوروبي. لقد جرى لجم الدين العام واستيعاب ارتفاع معدّل الفائدة وخفض مستويات التضخم وتثبيت سعر الصرف وإصلاح النظام المالي. واستعانت الدولة بالخصخصة كوسيلة لخفض الدين العام، وبلغت عائدات الخصخصة بين 2002 و2008 أربعين مليار دولار، فيما لم تتجاوز هذه العائدات ثمانية مليارات في كل الحقبات التي سبقت 2002. وقد ساهمت الخصخصة، مع الإصلاحات المالية والضريبية الأخرى، في إعادة الدين العام، قياساً بحجم الاقتصاد، إلى مستويات مقبولة بل جيدة. إن الدين الذي ارتفع في عام واحد سنة 2000 من 50% من الناتج الوطني إلى 90% سنة 2001، بات الآن في حدود 40%، وهي نسبة تقل عن السقف المطلوب بموجب معاهدة ماستريشت للوحدة النقدية الأوروبية، فيما لا يتجاوز عجز الموازنة 25.% من الناتج المحلي. ونتيجة لذلك، وللسياسات المالية والنقدية المتشدّدة، تمثل النجاح الأكبر بانخفاض معدل التضخم من 70% عند انفجار الأزمة إلى حوالى 10% في الوقت الحاضر. وقد جرى تحرير موارد الخزينة من عبء خدمة الدين، إلى حدّ كبير. فبعدما كانت أعباء الفائدة تمتصّ أكثر من 86% من الإيرادات الضريبية، انخفضت هذه النسبة إلى 30%، وهي بالطبع لا زالت بحاجة إلى تحسين. ولا شك في أن خفض الفوائد على الدين العام يمكن الدولة من تخصيص موارد أكبر للتنمية. وقد تزامن ذلك مع تحرير موارد القطاع المصرفي وتوجيهها لإشباع حاجات القطاع الخاص وتوليد النموّ. ففي إطار الإصلاحات الجذرية للنظام المصرفي، تمّ تحويل المصارف من مجرد أقنية لاستقطاب الأموال الداخلية والخارجية وضخها في أدوات الدين الحكومي، إلى مصارف حقيقية تضع الادخارات في خدمة الاقتصاد عبر إقراض القطاع الخاص. لقد تزامنت الإصلاحات التركية مع أجواء دولية ملائمة، حيث كانت أسعار الفائدة العالمية قبل سنة 2007 منخفضة. وفي أجواء الثقة الغربية بالنظام التركي أمكن للمؤسّسات التركية الخاصّة الحصول على التمويل السهل بشروط ملائمة من الأسواق الدولية، كما أدت هذه الثقة المتزامنة مع الإصلاح والأداء الاقتصادي الجيد إلى تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة إلى تركيا. وقد ارتفعت هذه الاستثمارات من مستوى مليار دولار سنوياً في الثمانينيات والتسعينيات إلى 20 ملياراً سنة 2008. عدّة عناصر ساهمت في دفع النموّ الاقتصادي في تركيا منذ سنة 2002: سياسات ماكرو اقتصادية ملائمة، وإصلاحات مالية واقتصادية، توجيه التمويل المصرفي نحو تمويل الاقتصاد بدلاً من تمويل الدولة، تدفقات مالية خارجية كثيفة بشكل قروض أو استثمارات مباشرة. إن معدّل النموّ السنوي الوسطي الذي تحقق في عهد حزب أردوغان بلغ 68.%، وهو أعلى من المعدّل المعتاد في الحقبات السابقة الذي لا يزيد عن 45.%، وبذلك تضاعفت حصّة الفرد من الناتج المحلي ثلاث مرّات.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة