As Safir Logo
المصدر:

الدكتور أمين الجميّل «السوري» الذي أنكره ولده بيار

المؤلف: داية جان التاريخ: 2009-10-23 رقم العدد:11428

في 25 آب 1957 كان النائب ورئيس الحزب القومي الراحل أسد الأشقر يرثي، في بلدة بكفيا، القومي شاهين شاهين، حين انبرى له رئيس حزب الكتائب الشيخ بيار الجميل وصاح به: قول يعيش لبنان (1). وكان الجميل يرد على عبارة «تحيا سوريا» التي وردت في رثاء الأشقر. لم تكن تلك الحادثة يتيمة بين الحزبين «المتنيين». فقد وقعت اصطدامات كثيرة بين الحزب القومي الذي أسسه وتزعمه عام 1932 الشويري أنطون سعاده، وحزب الكتائب الذي اشترك في تأسيسه وتزعمه عام 1937 البكفاوي بيار الجميل. وكان المصطلح السوري السبب الرئيسي المباشر أو المداور، لكل اصطدام ميداني أو تراشق إعلامي. لذلك، كانت أقلام الفريقين تتسايف عقائدياً، فيستشهد القوميون دعماً «لسوريتهم» بكتابات بعض رواد النهضة الموارنة أمثال جبران والريحاني والمطران المؤرخ يوسف الدبس. ويرد الكتائبيون، انطلاقاً من المنهج نفسه، فيستشهدون بالبطريرك الحويك ونعوم مكرزل مؤسس «جمعية النهضة اللبنانية» في نيويورك عام 1909 وصاحب جريدة «الهدى» ورئيس تحريرها. لست أدري إذا حاول أحد الباحثين الكتائبيين العودة إلى كتابات الطبيب خليل سعاده والد زعيم الحزب القومي، لعله يجد فكراً سياسياً «لبنانياً» من أجل توظيفه في المعركة العقائدية مع القوميين. وعلى كل حال، لو تمت المحاولة، فلن يجد صاحبها ما يحرج به خصومه، لأن أبا أنطون نادى بالاتحاد الفدرالي بين القدس وبيروت وعمان ودمشق. ولكن أسد الأشقر، وهو المؤرخ، لم يعد إلى كتابات الطبيب أمين الجميل والد رئيس الكتائب، ربما لأنه استبعد سلفاً إيجاد ما يمكن توظيفه في المعارك العقائدية مع الكتائبيين. ومن المؤكد انه لو فعل ذلك، لرد على الشيخ بيار بأن المصطلح السوري الذي أغضبه كان أبوه يتداوله. أمين الجميل «قومي سوري»، وابنه بيار «قومي لبناني». تحت عنوان «هزّ السرير» أكد الدكتور الجميل في جريدة «أبو الهول» البرازيلية العربية لصاحبها شكري الخوري، بأن عدم العناية بالطفل يميت سنوياً مئات الملايين «لا سيما في البلاد الحارة كالبرازيل ومصر وسوريا». أضاف في المقال المنشور بتاريخ 15 شباط 1908 انه رأى بأم العين «كثرة وفيات الأطفال في عيال السوريين القاطنين وادي النيل». والمعروف ان معظم الشوام، الذين قطنوا مصر، كانوا لبنانيين، ومنهم الجميل نفسه الذي استوطن المنصورة حيث ولد ابنه بيار. ونشر الشيخ أمين مقالاً في مجلة «الزهور» القاهرية لصاحبيها أمين تقي الدين وأنطون الجميل في عدد آب 1910، ضمّنه وقائع رحلته من بكفيا إلى لبنان الشمالي. قال في المقال المنتمي إلى أدب الرحلات: «سلكنا طريق زغرتا، فمررنا بجانب حدائق طرابلس الغنّاء. ثم ارتقينا أعلى المدينة، ووصلنا إلى لبنان». وهذا يعني أن لبنان في قاموسه السياسي يرادف جبل لبنان. والجدير ذكره ان المقال نشر في العدد الخاص بالقطرين «مصر وسوريا». وفي 17 تشرين الثاني 1917، ألقى رئيس بلدية بكفيا الأسبق، في المنصورة، محاضرة طبية بعنوان أمراض «مصر وسوريا». يشير المحاضر في مطلع محاضرته إلى ما أجمع عليه الأدباء من «وجوب الاتحاد بين القطرين الأخوين مصر وسوريا بالجوار واللغة والدين والأخلاق والعادات والمرافق». أضاف إن محاضرته هي ثمرة «ثلاثين سنة تطبيب في سوريا وثلاث في هذا القطر». ولكن الاتحاد بين القطرين لا ينفي التمايز بينهما، خصوصا في المناخ: «ان ما يميز القطر المصري عن سوريا هو أولا زيادة في الحرارة في الإقليم، الأول لقربه من خط الاستواء، وانخفاض نسبي في حر جو الإقليم الثاني لزيادة بعده عن خط الاستواء». ويتطرق المحاضر إلى الهجرة وأضرارها، ولكن من الزاوية الصحية، فيقول «إن المهاجرة من سوريا إلى أوروبا وخاصة إلى أميركا حيث أحدثت ضرراً كبيراً في الثلاثين السنة الأخيرة من هذا القبيل. فإن السوريين يعدون بمئات الألوف في الولايات المتحدة وكندا والأرجنتين والبرازيل الخ. وقد نموا وكثروا إلا في الأقاليم الباردة كالولايات المتحدة، فإنه عاد منهم مسلولون اكثر مما عاد أغنياء... تماماً كما يحل بالزنوج إذا ما انتقلوا من بلادهم الحارة إلى مصر وسوريا». ولاحظ الجميل ان «الدودة الوحيدة» منتشرة في سوريا. ولكنه نصح السوريين بالاستمرار في التهام الكبة النية إذ لا ضرر منها «كما ثبت للأطباء السوريين وأعلن في مؤتمراتهم». ولما كان إلقاء المحاضرة متزامناً مع إلقاء القنابل في الحرب العالمية الأولى، فقد رجا المحاضر المولى لتقصير عمر الحرب «فيذهب إخواننا المصريون إلى أقطارنا السورية إلى حيث النسيم العليل والمناظر البهجة والينابيع العذبة والفاكهة العطرة، فيريحون أعصابهم ويجددون قواهم وينقون دماءهم». ولم تخل المحاضرة من نبذة تاريخية حيث استعاد الجميل «الحملة المصرية إلى سوريا» التي بدأت في 1932 واستمرت 8 سنوات، وكان من ثمارها «إنشاء محجر بيروت الصحي البديع (الكرنتينا) في أيام ابراهيم باشا». استجاب الله لدعاء أمين الجميل، فانتهت الحرب، وبدأت عودة بعض المهاجرين او المهجّرين إلى لبنان وعموم بلاد الشام، وكان هو في طليعة العائدين من مصر. وفي 1920، عُقد اجتماع في منزل نصير المرأة (والرجل) جرجي نقولا باز حضره الحكيم وبعض المتنورين من أمثال عوني اسحق شقيق أديب اسحق وعبد الباسط فتح الله وبولس الخولي وجبر ضومط وحسن الأسير ونجيب الصليبي وجرجس صفا وعباس حميه والخوري بولس الكفوري وعبد الله البستاني وفيليب طرازي وأنيس الخوري المقدسي وإسبر شقير وغيرهم. تداول المجتمعون في تأليف جمعية علمية في بيروت تكون بعيدة عن الدين والسياسة. وفي 11 آب 1920 أعلمَ عبد الباسط فتح الله وأمين الجميل وعوني اسحق بالنيابة عن بقية المجتمعين، «المندوب الإداري في المنطقة الغربية ان فريقاً في هذه البلدة قد أسس مجمعاً علمياً دعوه (المجمع العلمي السوري) لأجل البحث في المسائل العلمية». وتألف «القانون الأساسي للمجمع العلمي السوري في بيروت» من 28 مادة، وتنص المادة الأولى: «يسمى هذا المجمع: المجمع العلمي السوري، مركزه مدينة بيروت. ونقرأ في المادة الثانية ان «الغرض من هذا المجمع هو البحث في جميع العلوم والفنون وترقيتها في القطر السوري، وتعريب المصطلحات العلمية». وتنص المادة الثالثة على ان «لغة المجمع الرسمية (اللغة العربية). فكل مداولاته ومراسلاته يجب ان تكون في اللغة المذكورة. بيد أنه يسمح بصفة خصوصية لغرباء اللغة ان يكتبوا أو يتكلموا بإحدى اللغات الحية. وعلى مترجمي المجمع تعريب ذلك إلى العربية»(2)، مما تقدم عن المجمع يجدر تسجيل الملاحظات التالية: لقد تداول الشيخ الدكتور أمين الجميل الماروني البكفاوي المصطلح السوري لفترة غير قصيرة(3). فعندما حاضر في الصحة والطب، لم يحصر كلامه في لبنان، بل شمل بلاد الشام(4). وظهرت سوريته راسخة عبر المجمع العلمي السوري الذي لعب دوراً أساسياً في تأليفه وتولى مسؤوليات رفيعة في الهيئة الادارية. فهذا المجمع، يختلف عن مجمع 1928 اللبناني، بمعنى انه لم يحصر نشاطه في «دولة لبنان الكبير» بل تعدى العاصمة بيروت إلى بقية عواصم بلاد الشام كالقدس ودمشق. كذلك كان لافتا للنظر تركيز المجمع، وهو علمي، على اللغة العربية. وبالمناسبة، فإن «الخلاف» بين الطبيب أمين الجميل والصيدلي بيار الجميل، كان مزدوجاً. ففي حين تداول الأب المصطلح السوري(5)، ثار الإبن على متداوليه. وإذ أتقن الأول اللغة العربية ـ الى جانب إتقانه الفرنسية ـ وأصر على ان تكون لغة المجمع العلمي الرسمية، اكتفى الثاني بإتقان لغة الأم الحنون. ـ من مقابلة مع أحد المسؤولين القوميين آنذاك منصور عازار، الذي كان على بعد أمتار من خاله أسد الأشقر. ـ تحتوي مكتبتي الخاصة على النسخة الأصلية لقانون المجمع، وهي مكتوبة بخط جميل. ـ يمكن القول إن المصطلح السوري لم يغب عن محاضرات ومقالات الطبيب امين الجميل منذ بداياته في الكتابة حتى مستهل الانتداب الفرنسي. ـ كانت سوريا الطبيعية في أدبيات رواد النهضة ترادف بلاد الشام وليس الهلال الخصيب. ـ يجدر القول إن الدكتور أمين الجميل لم يتعاط السياسة ولا هو انخرط في الأحزاب. لذلك، كان يتداول المصطلح السوري من موقع الأديب والباحث الطبي.

البحث في الأرشيف الكامل لجريدة "السفير" safir small logo

الكلمات الدالة