يطرح المنتدى العربي للتشغيل المنعقد حالياً في لبنان بالتعاون بين منظمتي العمل العربية والدولية قضايا فائقة الأهمية تتناول واقعنا العربي الراهن اقتصادياً واجتماعياً. فالمنتدى، وفق تعريف منظميه، يناقش «نتائج الأزمة الاقتصادية العالمية على الدول العربية وكيفية استدامة الوظائف وتوفير الحماية الاجتماعية للسكان». والمسائل هذه شديدة الحساسية ومعالجاتها تقتضي حساً عالياً من المسؤولية لدى دوائر صنع القرار في مختلف الأقطار العربية. تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وتدعيم نظم الحماية الاجتماعية عنوانان بارزان و«فضفاضان» في المنتدى، ومن بين أبرز الموضوعات المطروحة للبحث والدراسة. فالدول العربية ومن بينها لبنان (أو بالأحرى أبرزها لبنان) تتصدر قائمة الدول ذات معدل البطالة الأعلى في العالم، إن على مستوى المعدل العام الذي يتراوح ما بين 9 إلى 11 في المئة، أو على مستوى نسبة البطالة لدى الفئات العمرية الشابة قياساً بالمستوى العام. طبعاً، لدى السؤال عن الإجراءات العملية والخطوات الملموسة المتخذة على المستوى الرسمي لا تشفي غليل السائل أجوبة شافية من المجيب. ويأتي الجواب إجمالا خاوياً أو معللاً الأمر إيجابا بالقول «للمرة الأولى تعترف الحكومات العربية بوجود معضلة اجتماعية واقتصادية حقيقية اسمها البطالة وهذا ليس بالأمر السهل قياساً إلى السابق». وفي القراءة الأولية للجداول الإحصائية الصادرة عن مكتب العمل الدولي ضمن ورقة العمل التي أعدّها زافيريس تزاناتوس بعنوان «الأزمة المالية والاقتصادية والاجتماعية العالمية في الدول العربي: لمحة عن الوقائع والسياسات الخاصة لخلق فرص العمل والحماية الاجتماعية»، يظهر أن المشكلة لا تندرج في رأس قائمة أولويات المسؤولين العرب ووزراء العمل والمال. كما تتجاوز قدراتهم القائمة أصلاً على المعالجات المنفردة ذات الطابع المجتزأ والموسمي. الأمر الذي ينتج عنه تقصير فج في مستوى الجهود اللازمة لمقاربة الموضوع مقاربة شاملة. فالأرقام المدونة، ودون أدنى انتقاص من معديها وجامعيها الذين بلا شك بذلوا جهوداً كبيرة وجدية، تبقى مجرد تخمينات، وذلك لغياب شبكة إحصائية عربية متكاملة لتوفير المعلومات والمعطيات حول أسواق العمل في مختلف بلدان المنطقة. الأمر الذي يؤدي إلى قصور في فعالية التدابير والإجراءات المتخذة لمعالجة الظاهرة المدمرة للنسيج الاجتماعي العربي، والتي، معطوفة على غياب شبكات الأمان الاجتماعي، لا تترك أمام الشباب العربي الغارق في احباطاته وخيباته سوى اللجوء إلى القوى التي تتوسل العنف سبيلاً أوحداً للسخط على الواقع المزري القائم. على كل حال، قد تجدي الأرقام الصادرة في الإضاءة على المشكلة، شرط أن تبقى في أذهاننا دوماً وفي خلفية أي تحليل حقيقة أن هذه الأرقام لا تجلو أوجه المشكلة كافة ولا تحيط بكافة جوانبها ومعطياتها، بل هي الظل الذي لا يمكن رؤية المشكلة الفعلية الأكبر إلا في مرآته ومن خلالها. تظهر الجداول، على سبيل المثال لا الحصر، أن منطقة الشرق الأوسط وفي القلب منها المنطقة العربية، سجلت أدنى معدلات العمالة في العالم بحوالى 55 في المئة من مجموع السكان، في حين تقل هذه النسبة بشكل طفيف عن 70 في المئة عالمياً. كما تكشف الأرقام واقعة أخرى مروعة وذات نتائج اجتماعية كارثية تتبدى في كون نسبة العاطلين عن العمل المستفيدين من إعانات البطالة في المنطقة العربية لا تزيد عن الـ3 في المئة، في حين أن المتوسط العالمي يبلغ 20 في المئة، وحوالى 38 و80 في المئة لكل من أميركا (الشمالية والجنوبية)، وأوروبا الغربية على التوالي. أما في ما يخص معدلات البطالة فمن المتوقع، وفقاً للورقة، أن يتراوح ما بين 88. و11 في المئة، والتقديرات هذه تندرج في إطار 3 سيناريوهات، الأول يتوقع معدل بطالة بحدود 88. في المئة، الثاني 93. في المئة، والثالث بحدود 11 في المئة. والتباين هنا يأتي على أساس مدى حسن استجابة الحكومات العربية لموجبات مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية على مستوى أسواق العمل. أما المضحك المبكي على هذا الصعيد فيمكن اختصاره في الواقعة الواردة في الورقة والتي تتناول أعلى مستويات الخمول عند الشباب (معدل الشباب خارج إطار التعليم والقوى العاملة). فقد سجلت منطقة الشرق الأوسط وشمالي إفريقيا، وفق الورقة، أعلى مستويات خمول عند الشباب حتى عام 2005 بنسبة 60 في المئة، وبارتفاع نسبته 20 في المئة مقارنة بشرق آسيا والتي تسجل أقل مستويات الخمول عند الشباب، والإحصاءات هنا تتناول الدول النامية فقط دون المتقدمة. يطرح المنتدى إضافة إلى المسائل أعلاه، قضايا الحريات النقابية والمساواة الجنسية وضرورات تمتين آليات الحوار الاجتماعي بين أطراف الإنتاج الثلاثة. ويدعو المؤتمر الحكومات وأصحاب العمل إلى ضرورة تفعيل الحوار مع العمال وتوفير نظم الحماية الاجتماعية لهم، حتى لا يضطر هؤلاء وتعبيراً عن استيائهم وسخطهم إلى اللجوء إلى ما ليس في الحسبان. فالاحتواء المسبق واحترام الحقوق وتوفير متطلبات وشروط العيش والعمل اللائقين مطالب مشروعة لكل الذين ما زالوا يؤمنون بإنسانيتهم وبحقهم في الحياة الحرة والعمل الكريم. أزمة البطالة تتجاوز قدرات وزارات العمل في هذا السياق وتعليقاً على النتائج المرتقبة من المؤتمر وأهميته بالنسبة للمنطقة العربية عموماً في هذه المرحلة المفصلية اقتصادياً واجتماعياً التي تجتازها وفي ضوء التخبط الاقتصادي العالمي، يقول المدير العام لمنظمة العمل العربية أحمد لقمان لـ«السفير» إن «هذا المنتدى يأتي ضمن سلسلة أنشطة تقوم بها كل من منظمة العمل العربية ومنظمة العمل الدولية، إما منفردة أو مجتمعة، وذلك لتسليط الضوء على قضية في غاية الأهمية والخطورة إذا ما تركت لعوامل التعرية الزمنية، خصوصاً أن الأزمة أبرزتها أو دفعت بها إلى مقدمة القضايا لا على المستوى العربي فحسب، بل أيضاً على المستوى العالمي». يضيف لقمان «أن نسبة البطالة لدينا مرتفعة مقارنة مع أقاليم العالم، وجاءت الأزمة لتفرض الاهتمام بها، لأن مزيدا من البطالة معناه مزيد من المعاناة والتي يمكن أن تشكل ضغوطاً سياسية واقتصادية واجتماعية على الحكومات العربية». ويشير إلى أن الميثاق العالمي لفرص العمل الذي أقر في جنيف وتبنته قمة العشرين للعرب نصيب معتبر منه، فضلا عن مقررات قمة الكويت والتي تناولت موضوع البطالة وسبل معالجته، وكانت أول قمة في تاريخ القمم العربية التي تتناول هذا الموضوع، وتعترف بالبطالة كمشكلة فعلية تعاني منها مختلف الأقطار العربية، وتستدعي اجتراح المعالجات اللازمة لها». ويلفت إلى أن «منظمة العمل العربية عقدت في تشرين الثاني مؤتمراً في الدوحة شارك فيه وزراء المال والعمل العرب وممثلو أصحاب العمل والعمال وتمخض عنه إعلان الدوحة حول التشغيل، والذي دعا إلى وضع إطار لعمل عربي مشترك لمواجهة أزمة التشغيل وتفشي البطالة والسعي لتخفيضها. كما أعلن، ولأول مرة، عقد عربي للتشغيل من 2010 إلى 2020. ويهدف العقد إلى تخفيض البطالة إلى النصف بحلول 2020، والى إعطاء الأولوية في التشغيل للعامل العربي، والى تسهيل الانتقال بين الدول العربية، والى الاهتمام بقضايا التدريب المهني والفني للعمال والعرب بغية تحسن تنافسيتهم». ويشدد لقمان على أن «هناك إحساسا بالمشكلة من قبل جميع الأطراف والحكومات ضمنها، لأن تجاهل المسألة له تداعيات أمنية واجتماعية واقتصادية خطيرة». أضاف «أن وزارات العمل لا تستطيع الاضطلاع عبر جهود منفردة بإيجاد حلول لأزمة بطالة بهذا الحجم، ما لم تدخل قضايا التشغيل في صلب السياسات الاقتصادية والاجتماعية العامة». وحذر من أن «سياسات التعليم والتدريب القائمة في غير قطر عربي بعيدة عن متطلبات سوق العمل، حيث مخرجات التدريب لا تجد طريقها للحصول الى فرصة عمل في بلدانها كونها لا تستجيب لحاجاتها». ويدعو إلى الإصغاء لحاجات سوق العمل، والى تغيير خطط وبرامج التدريب الفني والمهني بما يلبي حاجات السوق المحلي». وحول الإحصائيات في العالم العربي، يشير لقمان الى أن «مستوى الدراسات الإحصائية في العالم العربي متدن، بيد أن هذا الواقع مرشح للتغيير مع تبني قمة الكويت إنشاء شبكة عربية لسوق العمل، تكون مهمتها جمع الإحصاءات والأرقام والمعطيات بغية معالجتها وتوفير «العقاقير» المناسبة لها». وحول نشاطات منظمة العمل العربية، يقول لقمان إن المنظمة ستعقد مؤتمراً في الرياض في كانون الثاني القادم بعنوان «سوق العمل ـ إستراتيجية للتدريب المهني»، وذلك للمرة الأولى في تاريخ المملكة العربية السعودية. كما سينعقد تجمع آخر في الجزائر الشهر القادم يتناول قضية تشغيل الشباب.