سيطرت مدرسة التحليل النفسي (Psychoanlysis) التي ارستها اعمال سيغموند فرويد، على المنصة الرئيسية في مشهد علم النفس (Psychology) والطب النفسي (Psychiatry). ليس من غير منازع. توجب على التحليل النفسي ان يواجه مشاكله الخاصة، كمثل تمرد كارل يونغ، الذي شدد على اللاوعي الجماعي، وألفرد ادلر وتأكيده على غريزة العنف وأهمية عقدة النقص في تفسير السلوك الانساني. تنازعت الفرويدية مع المدرسة السلوكية التي ارتكزت على اعمال كارل روجزر وواطسون وأكدت اهمية التعليم والمنعكسات الشرطية (Conditional Reflexes) اعتمادا على تجارب بافلوف الشهيرة. وفي الستينيات، دفع المفكر البريطاني أرون بيك الامور صوب تعقيد اكبر بتأكيده على دور الوعي والمعرفة وكنقيض لتشديد فرويد على الدور الحاسم لللاوعي (Un consciousness). لكن كل هذه المدارس بدت وكأنها تقيم في منزل متعدد البيوت، عندما اطل اتجاه جديد في تفسير السلوك والفكر والعاطفة ارتكازا الى المعطيات البيولوجية والعضوية وحدها. يعرف ذلك الاتجاه ب(Organic Psychiatry)، وهو يشدد على دور الجسد في صناعة العواطف والافكار، بما في ذلك الدماغ والعناصر الوراثية والجينات. يعتبر ديفيد ليشمان من أبرز ممثلي هذا التيار الذي ولد في الولايات المتحدة، التي كانت الحصن المقفل للفرويدية. صحيح ان المدارس الاخرى كلها، الفرويدية والسلوكية والمعرفية، لاحظت دور العناصر البيولوجية والتطور في شرح سلوك الانسان وعواطفه. والمثال الابرز هو مقدمة كتاب »تفسير الاحلام« حول دور الجسد فيها، ونادى فرويد بدراسة سلوك الحيوانات كجزء اساسي من دراسة السلوك البشري. لكن تلك المدارس لم تتخذ ذلك المقترب كزاوية ومرتكز ومنهج لرؤية الماهية الانسانية برمتها. ترتكز المدرسة البيولوجية في الطب النفسي على منجزات التطور الحاصل في علم جديد هو النيوروبيولوجي (Neurobiology). تهتم النيوروبيولوجي بالعلاقة بين التكوين العصبي للانسان وبين ظهور ميزاته البشرية، وخصوصاً الحواس ومدركاتها وظاهرة الذكاء والوعي المميزين للجنس الانساني. ومن الابحاث الفائقة الاهمية تلك التي ينهض بها د. سمير زكي، وهو لبناني النشأة، وتتمحور حول العلاقة بين تركيب شبكية العين وعصبها ومنطقة الإبصار في الدماغ (Visual Cortex) وبين ما تكوّنه »العين« للانسان بدءا من الصور والألوان ووصولا الى ادراك الاشياء وأبعادها ووجودها وماهيتها وعلاقاتها وسواها. يأخذ الكثيرون على المدرسة البيولوجية اختزالها الانسان الى مجرد بيولوجيا. ويطلق تعبير الاختزالية (Reductionist) على العلماء البيولوجيين الذين يتشددون في نفي دور العناصر غير البيولوجية في تحديد وعي وسلوك الانسان. النقد الاخر، والاكثر اهمية، هو ذاك الذي شرعة المفكر الفرنسي جان بودريار ملاحظا ان التأكيد على دور الجينات انما يستبطن العرقية وينفي التطور ودور الثقافة والعلاقات الاجتماعية وكافة المعطيات التاريخية في الحضارة الانسانية. ومن اللافت للانتباه ان منظمة الصحة العالمية تفاعلت بايجابية مع الاتجاه البيولوجي العصبي. يشير التصنيف الحالي ل»منظمة الصحة« الى الامراض النفسية بعبارة »نيورو سايكاتري« (Neuro Psychiatry)، ويحمل التصنيف ميلا الى ايجاد توفيقات بين المدارس النفسية العقلية المختلفة. وهنا يقفز الى الذهن سؤال، ومن وحي اعمال ميشال فوكو، هل يجوز ان تكون علاقة الطب والعلم مع جسد الانسان وفكره، محلا لتوسط وتسوية؟ والى ماذا يشير هذا الامر؟ أ.م.